تتداول كتب الأدب والمواعظ قصة القصيدة التي أبكت الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أبيات يشكو فيها أب مسن عقوق ابنه بعد أن أفنى عمره في رعايته. وقد اشتهرت هذه القصة لأنها تصور بلغة مؤثرة معنى البر وثقل الجحود، فصارت تروى في الخطب والدروس للتذكير بحق الوالدين.
نقدم في هذا المقال القصة والأبيات، ثم نقف عند ما قاله أهل العلم في درجة روايتها، ونشرح معاني الأبيات وصورها البلاغية، ونستعرض مكانة بر الوالدين في الإسلام وصور العقوق وآثاره، مع وقفات عملية تعين على البر.
القصة وأبيات الأب الشاكي
يا رسول الله كان ضعيفا ًوكنت قوياً ، وكان فقيراً وكنت غنياً ، فقدمت له كل ما يقدم الأب الحاني للابن المحتاج.
ولما أصبحت ضعيفاً وهو قوي ، وكان غنياً وأنا محتاج ، بخل علي بماله ، وقصّر عني
بمعروفه ثم التفت إلى ابنه منشداً :
غــذوتك مولــوداً وعلــتك يافــعاً
|
تعـلُّ بمـا أدنــي إليــك وتنهـلُ
|
إذا ليلة نابتك بالشـــكو لم أبـت
|
لشكـواك إلا ساهـراً أتملمـــلُ
|
كأني أنا المطروق دونك بالــذي
|
طرقتَ به دوني وعيني تهملُ
|
فلما بلغت السن والغاية التـــي
|
إليها مدى ما كنتُ منك أؤمِّــلُ
|
جعلت جزائي منك جبهاً وغلظةً
|
كأنـك أنـت المنعـم المتفضـــلُ
|
فليتك إذ لم تَرعَ حـــق أبـــوتـي
|
فعلت كما الجار المجاوريفعـلُ
|
فأوليتني حق الجــــوار ولم تكن
|
عليّ بمال دون مالـك تبخــــلُ
|
درجة القصة عند أهل الحديث
من الأمانة العلمية التنبيه إلى أن هذه القصة بتفاصيلها، أي بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع الأبيات، رويت بأسانيد تكلم فيها علماء الحديث، وقد ذهب كثير من المحققين إلى ضعفها من جهة الإسناد. أما العبارة النبوية المشهورة التي معناها أن الولد وماله لأبيه، فقد وردت في كتب السنن بسياق مختصر من دون الأبيات، وصححها أو حسنها عدد من أهل العلم.
وقد بين الفقهاء أن هذه العبارة لا تعني أن الأب يملك مال ابنه ملكًا تامًا يتصرف فيه كيف يشاء، بل تدل على عظم حق الأب في النفقة والبر عند الحاجة، ولذلك اختلفت أقوالهم في حدود ما يأخذه الأب من مال ولده وشروطه. ويحسن بمن يروي القصة في خطبة أو درس أن يشير إلى ما قيل فيها، وأن يستشهد في باب البر بالنصوص الثابتة وهي كثيرة.
نسبة الأبيات وسياقها الأدبي
تنسب هذه الأبيات في عدد من كتب الأدب إلى الشاعر أمية بن أبي الصلت، وهو شاعر من ثقيف عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، واشتهر بشعر الحكمة والتأمل. وتنسب في مصادر أخرى إلى غيره، وهذا التعدد في النسبة شائع في الشعر القديم الذي تناقله الرواة شفاهًا قبل التدوين. ومهما يكن قائلها، فإنها من عيون شعر الشكوى الأبوية في الأدب العربي، وقد أوردها جامعو المختارات الشعرية لما فيها من صدق العاطفة وجمال التصوير.
شرح معاني الأبيات
صورة الرعاية في الطفولة
يبدأ الأب بتذكير ابنه بأنه غذاه مولودًا وعاله يافعًا، فكان ينعم بما يجلبه أبوه ويرتوي منه مرة بعد مرة. وفي استعمال لفظي العل والنهل، وهما الشرب الأول والثاني، إشارة إلى دوام العطاء وتكراره دون انقطاع.
السهر والقلق على الولد
ثم يصور الأب لياليه حين كان ابنه يمرض أو يشكو، فلا يبيت إلا ساهرًا يتقلب في فراشه. ويبلغ التصوير ذروته حين يقول إنه كان كأنه هو المصاب بما أصاب ابنه، وعيناه تفيضان بالدموع. وهذه صورة بليغة لمعنى التماهي بين الوالد وولده، حتى يصبح ألم الابن ألمًا للأب.
المفارقة المؤلمة عند الكبر
ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى المفارقة التي تمثل جوهر الشكوى، فحين بلغ الابن السن التي كان الأب يرجوها ويؤمل فيها، جعل جزاءه الغلظة والجفاء، وكأنه هو صاحب الفضل والنعمة. وتكشف هذه المقابلة بين الماضي والحاضر عمق الجرح، فالأب لا يشكو الفقر بقدر ما يشكو انقلاب الأدوار ونكران الجميل.
أدنى المطالب
ويختم الأب بأمنية مؤثرة، فهو لا يطلب من ابنه أن يقوم بحق الأبوة كاملًا، بل يتمنى لو أنه عامله كما يعامل الجار جاره، فلا يبخل عليه بماله. وفي هذا الطلب المتواضع غاية الإدانة للعقوق، إذ صار الأب يرضى بأقل من حق الجوار.
مكانة بر الوالدين في الإسلام
جعل الإسلام بر الوالدين من أعظم القربات، وقرن القرآن الكريم في مواضع عدة بين الأمر بعبادة الله وحده والأمر بالإحسان إلى الوالدين، وهذا الاقتران يدل على علو منزلة هذا الحق. كما نهى القرآن عن أدنى كلمات التضجر في حضرتهما، وأمر بخفض الجناح لهما والدعاء لهما بالرحمة كما ربيا الأبناء صغارًا. وتعد السنة النبوية عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، وتجعل رضا الله مرتبطًا برضاهما في أحاديث كثيرة يذكرها العلماء في كتب الآداب.
ويؤكد العلماء أن البر لا يسقط باختلاف الدين أو بتقصير الوالدين، فالأبناء مطالبون بالإحسان والمصاحبة بالمعروف في كل الأحوال، مع عدم الطاعة في معصية. ويزداد الحق تأكيدًا عند كبر السن والضعف، وهي المرحلة التي تصورها الأبيات بوضوح.
صور العقوق في الحياة المعاصرة
لا يقتصر العقوق على الشتم أو الضرب، بل يتخذ في زماننا صورًا خفية قد لا ينتبه إليها الأبناء، منها:
- الانشغال الدائم عن الوالدين بالعمل أو الهاتف وقلة الزيارة والسؤال.
- رفع الصوت عليهما أو مقاطعتهما والاستخفاف بآرائهما.
- البخل عليهما بالمال مع القدرة وحاجتهما إليه.
- تركهما في الكبر دون رعاية أو مؤانسة.
- إحراجهما أمام الناس أو التبرؤ من بساطتهما.
وسائل عملية للبر
في حياتهما
يكون البر بالكلمة الطيبة، والزيارة المنتظمة، وتلبية الحاجات قبل أن يطلباها، واستشارتهما في الأمور، وإدخال السرور عليهما بالهدية والاهتمام، والصبر على ما قد يصدر عنهما في الكبر من ضيق أو تكرار.
بعد وفاتهما
يذكر العلماء أن البر يستمر بعد موت الوالدين، بالدعاء والاستغفار لهما، والصدقة عنهما، وصلة أرحامهما، وإكرام أصدقائهما، وإنفاذ وصاياهما المشروعة.
الجماليات البلاغية في الأبيات
تقوم الأبيات على بناء زمني واضح ينتقل من الماضي إلى الحاضر، فيبدأ بالطفولة والرعاية، ثم بالمرض والسهر، ثم يصل إلى الكبر والجحود. وهذا التدرج يمنح الشكوى قوة إقناعية، لأن السامع يعيش مع الأب مراحل عطائه قبل أن يصدم بالنهاية. كما تعتمد الأبيات على المقابلة بين الضعف والقوة، والحاجة والغنى، والعطاء والمنع، فيبرز الظلم من خلال التضاد.
التشبيه والتماهي
من أجمل صور الأبيات تشبيه الأب نفسه بالمطروق، أي المصاب بالعلة ليلًا، بدل ابنه. وهذا التشبيه يتجاوز وصف العطف إلى وصف الاتحاد الوجداني، فالأب لا يرى مرض ابنه من الخارج بل يعيشه في جسده. ويعد هذا من أصدق ما قيل في وصف عاطفة الأبوة في الشعر العربي.
الإيقاع والقافية
جاءت الأبيات على بحر الطويل، وهو من أكثر البحور استعمالًا في الشعر العربي القديم لما فيه من اتساع يناسب الحكمة والشكوى والتأمل. وتنتهي الأبيات بقافية لامية مضمومة، وللضمة في آخر البيت وقع ثقيل يناسب معنى الألم والحزن. ويرى بعض دارسي الأدب أن هذا الانسجام بين الإيقاع والمعنى من أسباب بقاء الأبيات في الذاكرة جيلًا بعد جيل.
دروس تربوية من القصة
تحمل القصة رسالة للآباء أيضًا لا للأبناء وحدهم، فالبر في كثير من الأحيان ثمرة لتربية تقوم على الحب والقدوة والحوار. والأب الذي يغرس في أبنائه منذ الصغر قيمة الرحمة واحترام الكبير، ويريهم بعينه كيف يبر هو والديه، يزرع بذرة يحصدها في كبره. كما تذكر القصة الأبناء بأن العطاء الذي تلقوه في طفولتهم لم يكن واجبًا يستحقونه بقدر ما كان حبًا خالصًا، وأن رده لا يكون بالمال وحده بل بالكلمة الحانية والصحبة الدائمة.
أسئلة شائعة
هل قصة القصيدة التي أبكت النبي صحيحة؟
القصة بتفاصيلها وبالأبيات رويت بأسانيد ضعفها كثير من علماء الحديث، أما المعنى العام لعظم حق الأب فثابت بنصوص صحيحة أخرى.
هل يجوز للأب أن يأخذ من مال ابنه؟
هذه مسألة فقهية فصل فيها العلماء بشروط وضوابط تختلف بين المذاهب، ويرجع فيها إلى أهل الفتوى المعتمدين بحسب الحالة.
من قائل الأبيات؟
تنسب في كثير من كتب الأدب إلى أمية بن أبي الصلت، وتنسب إلى غيره في مصادر أخرى، كما هو شائع في الشعر المروي.
خلاصة
تبقى أبيات الأب الشاكي من أبلغ ما قيل في تصوير فضل الوالدين ومرارة العقوق، وإن كان أهل الحديث قد تكلموا في إسناد القصة المرتبطة بها. والعبرة الكبرى أن البر دين ووفاء، وأن الأبناء مهما بلغوا من القوة والغنى يبقون مدينين لمن سهر عليهم ضعفاء، فليحرص كل منا على أن يرد شيئًا من هذا الدين في حياة والديه وبعد مماتهما.
.png)