البحتري سيرته وقصيدته البركة مع الشرح

اشتهر العصر الاندلسي بالمعمار والحضارة والثقافة والغزل ومن اشهر شعراء هذا العصر (البحتري) وكان افضل من كتب القصائد التي تصور هذه الحضارة وقد اتصل بالامراء والوزراء نقدمه لكم.

  نبذة عن حياته:

البحتري‏ (820 م - 897 م): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر الاندلسي

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري : أي الثلاثة أشعر ؟ فقال : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.


ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب في سوريا. ظهرت موهبته الشعرية منذ صغره. انتقل إلى حمص ليعرض شعره على أبي تمام، الذي وجهه وأرشده إلى ما يجب أن يتبعه في شعره. كان شاعراً في بلاط الخلفاء : المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز بن المتوكل، كما كانت له صلات وثيقة مع وزراء في الدولة العباسية وغيرهم من الولاة والأمراء وقادة الجيوش. بقي على صلة وثيقة بمنبج وظل يزورها حتى وفاته. خلف ديواناً ضخماً، أكثر ما فيه في المديح وأقله في الرثاء والهجاء. وله أيضاً قصائد في الفخر والعتاب والاعتذار والحكمة والوصف والغزل. كان مصوراً بارعاً، ومن أشهر قصائده تلك التي يصف فيها إيوان كسرى والربيع.

ومعنى كلمة البحتري في اللغة العربية : قصير القامة.


ولد البحتري ب منبج من اعمال حلب في سوريا سنة (821م\205 هـ)، ونشأ في قومه الطائيين فتغلبت عليه فصاحتهم، تتلمذ لأبي تمام وأخذ عنه طريقته في المديح ثم اقام في حلب وتعلم هناك ملكة البلاغة والشعر واحب هناك (علوة) المغنية الحلبية التي ذكرها كثيرا في قصائده. ثم تنقل بين البلاد السورية وغيرها، وهو ميدان للقلق والاضطراب، والخلافة ضعيفة لاستيلاء الأتراك على زمام الأمور. فتردد الشاعر في بغداد على دور عليتها. واتصل بالمتوكل فحظي لديه وأصبح عنده شاعر القصر ينشد الأشعار فتغدق عليه الأموال الوافرة.

ولما قتل المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان لبث الشاعر يتقلب مع كل ذي سلطان مستجدياً، حتى عاد سريعا إلى منبج يقضي فيها أيامه الأخيرة فأدركته الوفاة سنة (897م/284ه) ودفن في مدينة الباب.


آثاره:


للبحتري ديوان شعر كبير طبع مراراً في القسطنطينية ودمشق ومصر وبيروت. وقد شرح أبو العلاء المعري قديماً هذا الديوان وسماه عبث الوليد.



شعره: 


البحتري بدوي النزعة في شعره، ولم يتأثر الا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة إلا أن الشاعرالعراقي فالح الحجية يقول يتميز شعره بجمالية اللفظ وحسن اختياره والتصرف الحسن في اختيار بحوره ة قوافيه وشدة سبكه ولطافته وخياله المبدع:



غزله :


غزل [البحتري] بديع المعاني متدفق العاطفة، ويلحظ ذلك في القصائد التي بدأها بذكر علوة تلك المغنية التي احبها في حلب فهو حقيقي الشعور متوثب العاطفة. وهو على كل حال عامر بالرقة والحلاوة، مستوفي الجمال الفني. وقد دعي البحتري ((شاعر الطيف)) لإكثاره من ذكر خيال الحبيب...إلخ .



الرثاء :


أسلوب البحتري في الرثاء فخم جليل تغطي فيه العاطفة الفنية على العاطفة الحقيقية. وأحسن رثائه ما قاله في المتوكل.



الحكم:


اجتزأ فيها البحتري بالمعاني الشائعة القريبة المنال ،ابتعد عن التعقيد وكان الأفضل عند من يفضلون سهولة المعاني، ووضوح الألفاظ، وكانت أيضا ألفاظه وليدة الاختبار البسيط.



المديح : 

يقدم إلى التأنيب والتهديد، وذلك كله في سهولة وحلاوة.


البحتري شاعر الوصف:


وصف الطبيعة :

ضمن البحتري هذا الوصف لوحات عديدة جمع فيها ألواناً مختلفة من مباهج الطبيعة. وقد كانت أوصافه في الطبيعة على الإجمال قليلة الحظ من الابتكار، تقليدية في أغلبها، غير أن البحتري تمكن من ترقية هذا التقليد إلى درجة رفيعة من التفوق والشخصية والاصالة. وقد ابتدع طريقة خاصة تقوم باختيار التفاصيل الطريفة المحسوسة لتأليف لوحات متناسقة تروع بائتلافها وتؤثر بما يبثه فيها من حياه وحركة، وبما يجعل فيها من موسيقى رائعة.


وصف العمران :

أولع البحتري بمظاهر العمران ووصف القصور وما إلى ذلك. وقد أبدى في وصفه براعة في تخير التفاصيل الناتئة، ودقة في رسم تلك التفاصيل رسماً حسياً وانفعالاً نفسياً شديداً.


وصف الطبيعة في الأندلس:

من الموضوعات التي شاعت في الأندلس وازدهرت كثيراً شعر وصف الطبيعة وهذا موضوع في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي إذ وصف الشعراء صحراءهم وتفننوا في وصفها لكن هذا الوصف لم يتعد الجانب المادي وفي العصر الأموي والعباسي عندما انتقل العرب المسلمون إلى البلدان المفتوحة وارتقت حياتهم الاجتماعية أضافت على وصف الطبيعة وصف المظاهر المدنيَّة والحضارة وتفننوا، فمن ذلك فقد وصف الطبيعة عند الشعراء العباسيين أمثال النجدي والصنوبري وأبي تمام وأبي بكر النجدي الذي عاش في بيئة حلب ولكن ما الجديد الذي جاء به الأندلسيون بحيث أن هذا الموضوع أصبح من الأغراض والموضوعات التي عُرف بها أصل الأندلس.


البحتري الشاعر:


كان البحتري ذا خيال صافٍ وذوق ٍ سليم. وهو من اطبع شعراء العرب. ويرى ان الشعر لمح، ومذهبه فيه مذهب امرئ القيس.

أما فن البحتري فيقوم على زخرف بديعي يأخذ به في اقتصاد وذوق، وعلى موسيقى ساحرة تغمر جميع شعره، وتأتي عن حسن اختيار الالفاظ والتراكيب التي لا يشوبها تعقيد ولا غرابة ولا خشونة بل تجري مؤتلفة في عناصرها وفي تسلسلها، موافقة للمعنى، تشتد في موقع الشدة وتلين في موقع اللين. 


من اجمل قصائده وصف بركة المتوكل :

نعرضها لكم:
 أ ـ
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها --- والآنسات إذا لاحت مغانيها
بحسبها أنها في فضل رتبتها --- تعد واحدة والبحر ثانيها
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها --- في الحسن طورا وأطوارا تباهيها
ـ ب ـ
تنصب فيها وفود الماء معجلة --- كالخيل خارجة من حبل مجريها
كأنما الفضة البيضاء سائلة --- من السبائك تجري في مجاريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا --- مثل الجواشن مصقولا حواشيها
فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها --- وريق الغيث أحيانا يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانبها --- ليلا حسبت سماء ركبت فيها
ـ ج ـ
لا يبلغ السمك المحصور غايتها --- لبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأوساط مجنحة --- كالطير تنقض في جو خوافيها
لهن صحن رحيب في أسافلها --- إذا انحططن ويهوفي أعاليها
صور إلى صورة الدلفين يؤنسها --- منه انزواء بعينيه يوازيها
ـ د ـ
محفوفة برياض لا تزال ترى --- ريش الطواويس تحكيه ويحكيها
ودكتين كمثل الشعريين، غدت --- إحداهما بإزا الأخرى تساميها
إذا مساعي أمير المؤمنين بدت --- للواصفين فلا وصف يدانيها


شرح القصيدة:

معاني المفردات:
الآنسات: جمع آنسة، وهي الجارية الطيبة النفس، مغانيها: منازلها، يعني مقاصير النساء.
بحسبها: يكفيها، رتبتها: ترتيبها.
الغيرى: التي تغار من غيرها، تباهيها: تفاخرها بمحاسنها.
معجلة: مسرعة، من حبل مجريها: يقصد منطلقة في سباق.
الصبا: ريح طيبة تهب من الشرق، الحبك: الطرائق ويراد به تجعد الماء وتكسره حين تمر به الريح.
الجواشن: الدروع. الحواشي: الجوانب.
حاجب الشمس: ما يبدو من قرصها كالحاجب. ريق الغيث: المطر الصافي.
تراءت: ظهرت.
غايتها: نهايتها، قاصيها ودانيها: بعيدها وقريبها.
الأوساط المجنحة: الزعانف التي تشبه الأجنحة، تنقض: تهبط مسرعة، الخوافي: ريش الطائر الذي يلي ريش المقدمة.
الصحن: للدار وسطها، والمراد هيا قاع البركة. البهو: هو البيت المقدم على البيوت، والمراد به ما قرب من الشاطئ.
صور إلى صورة الدلفين: يشير إلى تمثال للدلفين كان مقاما على هذه البركة في مواجهة الصحن الذي أشار إليه في البيت السابق، ومعنى صور إليه: مائلات بأعينها إليه. يؤنسها: يطمئنها. انزواء بعينيه: تحويل نظره عنها، يوازيها: يقابلها.
تحكيه: تشبهه.
الشعريين: نجمين متقابلين في السماء. تساميها: تطاولها.
مساعي أمير المؤمنين: فعاله العظيمة.


 شرح الأبيات:


* المقطع ’’ أ ‘‘:

يصور الشاعر عجبه لما تتميز به البركة من حسن ظاهر يأخذ العين.. ولما يحف بها من منازل تموج بأسباب الأنس والسعادة.
ويؤكد هذا العجب بأن البحر على عظمته وروعته وجلاله يختلف عنها عند المقايسة والموازنة، ويلح على هذا المعنى، فيتخذ من نهر دجلة دليلا يؤيده، فيقول : إنه ينظر إليها وكأن الغيرة تحرق صدره، وتدفعه إلى منافستها في مجال الحسن .. ومباهاتها بنصيبه منه.
وإنما اختار دجلة وشحنه بهذه الغيرة وحركه إلى منافسة البركة ومباهاتها.. لأنها كانت (( بسر من رأى ))، وتلك مدينة بناها المعتصم على دجلة، وقدر أن تكون مقرا لجنده من الترك.

* المقطع ’’ ب ‘‘ :

يقف أمامها مصورا ماءها الغزير في قوة تدافعه وانصبابه، وفي صفائه ونقائه، وحين تمر الصبا به .. ثم حين تستقبلها الشمس طالعة، وبواكير الغيث صافية.. وأخيرا حين تتراءى النجوم على صفحتها ليلا .. فيقول : إن دفع المياه تنصب فيها في سرعة وعجلة كأنها الخيل أطلقت لها الأعنة، فمضت تركض ركضا، وهذه المياه في صفائها ونقائها كالفضة البيضاء زادها صهر سبائكها نقاء فازداد بياضها تألقا.

وحين تمر بها الصبا تترك على صفحتها اللامعة حزوزا تتفاوت في عمقها ووضوحها حتى تمحى عند الجانبين فتصبح كالدروع نرى بظاهرها طرائق وخطوطا تضعف حتى تمحى عند حواشيها وأطرافها.
وحين تشرق الشمس عليها يزداد تألقا كأن الشمس قد أسعدتها بالمضاحكة.
وحين يسقط المطر تترادف قطراته كأنها البكاء ويحبو لمعان البركة وتألقها كأنما تشارك في هذا الجو الحزين. وحين يقبل الليل تنعكس صور النجوم على صفحتها المصقولة فيحسب الرائي أن السماء كل ما فيها قد اتصلت بها وركبت فيها.

* المقطع ’’ ج ‘‘ :
ويرى الشاعر في البركة سمكا، يسبح ويمرح، منطلقا في البحيرة لا يستطيع أن يبلغ نهايتها لاتساعها وترامي أطرافها .. وهو يعلو ويهبط مستعينا بزعانفه التي تقع منه موقع الأجنحة فكأنه الطير حين تهوي بأجنحتها في جو السماء. وحين يهوي يجد في قاع البركة مكانا فسيحا كأنه صحن الدار.. وحين يعلو يجد في مقدمتها منتدى يجتمع فيه .. وقد مالت منه الرؤوس في طمأنينة وهو يتجه ببصره نحو تمثال لسمكة دولفين .. وقد أذهب خوفه من أن نظر الدولفين كان مصروفا عنه، غير موجه إليه.

* المقطع ’’ د ‘‘ :
وبعد أنهى الشاعر حديثه عن البركة نفسها: عن جمالها، ودقة صنعها، واندفاع الماء إليها وأثر الصبا بصفحتها، ومشاعرها ضحكا وبكاء .. وعن السمك السابح فيها صاعدا هابطا انتقل إلى ما حولها، فتلك الرياض الملونة وقد استدارت بها تشبه الطواويس جمالا وتلونا .. لا بل إن ريش الطواويس يشبهها.
وهاتان الدكتان المتقابلتان أشبه ما تكونان بالشعريين، وهما نجمان في السماء .
و لكن أفانين هذا الجمال التي عرضها الشاعر منفعلا بها، في تتابع أخاذ لا ترتفع إلى مستوى مساعي الخليفة وأعماله الجليلة .. وهو بهذا يمهد للانتقال إلى المدح وهو الغرض الأساسي للقصيدة ..ويسمي النقاد ذلك حسن تخلص.

يمكنك التعليق على هذا الموضوع تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

شكرا لك ولمرورك