شكّل رحيل ستيف جوبز في أكتوبر 2011 حدثاً لافتاً في عالم التكنولوجيا، وانتشرت بعده على الإنترنت صور وتصاميم كثيرة تستلهم منتجات شركته، ومنها صورة متداولة تُظهر قبر ستيف جوبز مؤسس شركة أبل على هيئة جهاز آيبود. وفي هذا المقال نعرض ما تداولته المواقع عن تلك الصورة، ثم نقدم سيرة موجزة لجوبز وأثره في صناعة التقنية.
ستتعرف في الأقسام التالية على أبرز محطات حياة جوبز، والمنتجات التي ارتبط اسمه بها، وفلسفته في التصميم والإدارة، إضافة إلى ملاحظات حول التعامل مع الصور الساخرة المنتشرة على الشبكة.
الصورة المتداولة للقبر
قبر ستيف جوبز على شكل«آي بود»
سيرة موجزة لستيف جوبز
وُلد ستيفن بول جوبز عام 1955 في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، ونشأ في كنف أسرة تبنته بعد ولادته، وتربى في منطقة أصبحت لاحقاً تُعرف بوادي السيليكون، حيث كان محاطاً بالمهندسين وشركات الإلكترونيات الناشئة. وقد التحق بالجامعة لفترة قصيرة ثم تركها، لكنه واصل حضور بعض الدروس التي أثارت اهتمامه، ومنها دروس في فن الخط قال لاحقاً إنها أثرت في اهتمامه بجمال الحروف على شاشات الحواسيب.
تأسيس أبل والانطلاقة الأولى
في عام 1976 أسس جوبز مع صديقه المهندس ستيف وزنياك شركة أبل، وبدأت الشركة نشاطها بتجميع حواسيب في مرآب منزل أسرة جوبز وفق الرواية الشائعة. وحقق جهاز أبل 2 نجاحاً كبيراً، وأسهم في نقل الحاسوب الشخصي من هواية للمتخصصين إلى منتج يصل إلى المنازل والمدارس. ثم أطلقت الشركة عام 1984 جهاز ماكنتوش الذي اشتهر بواجهة رسومية وفأرة، مما جعل استخدام الحاسوب أيسر على غير المتخصصين.
الخروج من أبل ثم العودة إليها
بعد خلافات داخل الإدارة غادر جوبز أبل عام 1985، فأسس شركة نكست للحواسيب، واستثمر في استوديو بيكسار للرسوم المتحركة الذي حقق لاحقاً نجاحات كبيرة بأفلام مثل حكاية لعبة. وفي أواخر عام 1996 اشترت أبل شركة نكست، فعاد جوبز إليها، ثم تولى قيادتها في وقت كانت تمر فيه بأزمة صعبة، ونجح في إعادتها إلى طريق النمو.
المنتجات التي غيرت السوق
ارتبط اسم جوبز بسلسلة من المنتجات التي لم تكتف بتحقيق مبيعات ضخمة، بل غيرت عادات الناس في التعامل مع التقنية:
- آي ماك: حاسوب مكتبي بتصميم ملون مميز أُطلق في أواخر التسعينيات، وكان من أولى علامات نهوض الشركة بعد عودته.
- آيبود: مشغل موسيقى رقمي ظهر عام 2001، وتبعه متجر آيتونز الذي غيّر طريقة شراء الموسيقى وأسهم في تنظيم سوق الأغاني الرقمية.
- آيفون: هاتف ذكي كُشف عنه عام 2007، واعتمد على شاشة لمس واسعة ونظام تشغيل سهل، وأسهم في رسم ملامح الهواتف الذكية الحديثة.
- متجر التطبيقات: فتح الباب أمام المطورين لبيع برامجهم مباشرة للمستخدمين، فنشأت صناعة كاملة حوله.
- آيباد: حاسوب لوحي طُرح عام 2010 وأعاد إحياء فئة الأجهزة اللوحية.
لماذا ارتبط القبر الساخر بجهاز آيبود؟
يُعد آيبود من أكثر منتجات أبل رمزية، لأنه كان أول نجاح جماهيري ضخم للشركة خارج عالم الحواسيب، وتحولت عجلة التحكم الدائرية فيه إلى أيقونة بصرية يعرفها الجميع. ولذلك ليس غريباً أن يختار مصممو الصورة المتداولة هذا الجهاز تحديداً، وأن يتلاعبوا باسمه، مستخدمين أسلوب التسمية الذي اشتهرت به منتجات الشركة، أي إضافة حرف i في بداية الاسم.
فلسفة جوبز في التصميم والإدارة
اشتهر جوبز بإصراره على البساطة، وكان يرى أن المنتج الجيد هو الذي يستطيع المستخدم التعامل معه دون قراءة دليل طويل. كما عُرف باهتمامه الشديد بالتفاصيل، حتى تلك التي لا يراها المستخدم داخل الجهاز، وبحرصه على التكامل بين العتاد والبرمجيات، فكانت أبل تصمم الجهاز ونظام تشغيله معاً.
سمات بارزة في أسلوبه
- التركيز: تقليص عدد المنتجات والتركيز على عدد محدود منها يُتقن بصورة كاملة.
- العروض التقديمية المؤثرة: اشتهر بمؤتمرات الإطلاق التي يقدم فيها المنتجات بأسلوب قصصي مشوق.
- الجمع بين التقنية والفنون: كان يؤكد أن قوة أبل تكمن في التقاء التكنولوجيا بالعلوم الإنسانية.
- الصرامة: وصفه كثير ممن عملوا معه بأنه شديد المطالب وصعب الإرضاء، وهو جانب أثار جدلاً حول أسلوبه القيادي.
جوبز وصناعة الرسوم المتحركة
لا تكتمل صورة جوبز دون الحديث عن دوره في استوديو بيكسار، الذي اشتراه من قسم الرسومات الحاسوبية التابع لشركة لوكاس فيلم في منتصف الثمانينيات. ففي البداية كانت الشركة تبيع حواسيب متخصصة في معالجة الصور، ثم تحولت تدريجياً إلى إنتاج الأفلام القصيرة والإعلانات، قبل أن تقدم عام 1995 فيلم حكاية لعبة، الذي يُعد أول فيلم روائي طويل منفذ بالكامل بتقنية الرسوم الحاسوبية.
وتوالت بعد ذلك أفلام الاستوديو الناجحة التي حظيت بإعجاب النقاد والجمهور، وفي عام 2006 استحوذت شركة ديزني على بيكسار، فأصبح جوبز من كبار المساهمين في ديزني وعضواً في مجلس إدارتها. وتكشف هذه التجربة جانباً مهماً من شخصيته، وهو قدرته على المراهنة على أفكار جديدة والصبر عليها حتى تؤتي ثمارها.
إرث مستمر بعد الرحيل
استمرت أبل بعد وفاة مؤسسها في تطوير منتجاتها وتوسيع خدماتها، وأصبحت من أعلى الشركات قيمة في العالم. ويرى كثير من المحللين أن الثقافة التي أرساها جوبز، القائمة على الاهتمام بالتصميم وتجربة المستخدم والتكامل بين الأجهزة، ما زالت حاضرة في عمل الشركة. كما ألهمت سيرته عدداً كبيراً من رواد الأعمال، وتناولتها كتب وأفلام وثائقية وروائية عديدة، أشهرها السيرة التي كتبها الصحفي والتر إيزاكسون بتكليف منه.
المرض والرحيل
أعلن جوبز في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة إصابته بنوع نادر من سرطان البنكرياس، وخضع للعلاج ثم أجرى عملية زراعة كبد في عام 2009. وفي أغسطس 2011 تنحى عن منصب الرئيس التنفيذي، وخلفه تيم كوك الذي كان يشغل منصب مدير العمليات في الشركة، وهو الاسم الصحيح للخليفة الذي ورد في بعض الأخبار المتداولة باسم مختلف. وتوفي جوبز في الخامس من أكتوبر 2011 عن ستة وخمسين عاماً، بعد يوم واحد من كشف الشركة عن هاتف آيفون 4S.
ردود الفعل العالمية
عبّر ملايين المستخدمين حول العالم عن تأثرهم بوفاته، فوضع كثيرون الزهور والرسائل أمام متاجر أبل، وانتشرت على الشبكات الاجتماعية رسائل التأبين والتصاميم الفنية المستوحاة من منتجاته، ومنها الصورة الساخرة موضوع هذا المقال. كما نعته شخصيات بارزة في عالم التقنية والسياسة، وأشادت بإسهامه في تغيير صناعات الحوسبة والموسيقى والهواتف والرسوم المتحركة.
وفي العالم العربي تابع المستخدمون الخبر باهتمام كبير، وتناقلت المواقع والمنتديات مقالات عن سيرته، وأشار كثيرون إلى أن والده البيولوجي من أصل سوري، وهي معلومة معروفة وردت في سيرته، مما أضفى على قصته بعداً خاصاً لدى القراء العرب.
كيف نتعامل مع الصور المتداولة؟
كثير من الصور التي تنتشر بعد الأحداث الكبرى تكون تصاميم فنية أو ساخرة أنشأها مستخدمون، ثم تُنقل على أنها حقيقية. ويرجح أن صورة القبر على هيئة آيبود من هذا النوع، إذ تحمل طابع الدعابة التقنية أكثر من كونها صورة لموقع دفن فعلي. ولتجنب الوقوع في نشر معلومات غير دقيقة، يُستحسن:
- البحث عن المصدر الأصلي للصورة وتاريخ نشرها الأول.
- مراجعة وسائل إعلام موثوقة للتأكد من صحة ما تعرضه.
- الانتباه إلى العلامات التي تدل على التعديل الرقمي.
- التمييز بين المحتوى الساخر والمحتوى الإخباري عند إعادة النشر.
- استخدام أدوات البحث العكسي عن الصور لمعرفة النسخ الأقدم منها وسياق ظهورها وأول من نشرها.
أسئلة شائعة
من خلف ستيف جوبز في قيادة أبل؟
خلفه تيم كوك الذي تولى منصب الرئيس التنفيذي في أغسطس 2011 بعد استقالة جوبز، وكان قبلها مسؤولاً عن العمليات وسلاسل الإمداد في الشركة.
ما أشهر عبارة ارتبطت بجوبز؟
اشتهر خطابه في حفل تخرج جامعة ستانفورد عام 2005، الذي تحدث فيه عن تجاربه الشخصية والموت والشغف، واختتمه بدعوة الطلاب إلى البقاء جائعين للمعرفة وألا يكفوا عن المغامرة، وهي العبارة التي تتردد كثيراً حتى اليوم.
هل صورة القبر على شكل آيبود حقيقية؟
لا تتوفر أدلة موثوقة على أنها صورة لقبر حقيقي، والأرجح أنها تصميم فني ساخر انتشر بعد الوفاة، شأنها شأن كثير من التصاميم التي ظهرت في تلك الفترة.
خلاصة
تعكس الصورة الساخرة التي انتشرت بعد وفاة ستيف جوبز مدى حضور منتجات أبل في الثقافة الشعبية، حتى صار جهاز مثل آيبود رمزاً يستخدمه الناس في التعبير عن الحزن والدعابة معاً. وقد ترك جوبز إرثاً كبيراً بدأ بتأسيس أبل مع وزنياك، ومر بالخروج منها وتأسيس نكست والاستثمار في بيكسار، ثم العودة لقيادة الشركة نحو منتجات غيرت حياة الملايين. ومع الاحتفاء بهذا الإرث، يبقى التحقق من الصور والأخبار المتداولة عادة ضرورية لكل قارئ.
.png)
