تُعد صواريخ توماهوك كروز من أشهر الأسلحة الموجهة في العصر الحديث، وقد ارتبط اسمها بعدد من النزاعات منذ مطلع التسعينيات، حتى أصبحت رمزًا لمفهوم الضربات بعيدة المدى عالية الدقة. ويطرح هذا السلاح أسئلة عن تاريخ تطويره، وموقعه بين أنواع الصواريخ، وأثره في العقائد العسكرية والاتفاقيات الدولية.
نتناول في هذا المقال تعريف صواريخ كروز عمومًا والفرق بينها وبين الصواريخ الباليستية، ونستعرض تاريخ تطوير توماهوك وأجياله المختلفة، ومنصات إطلاقه، وعلاقته بمعاهدات الحد من التسلح، ونصحح بعض الأرقام المتداولة عنه، وذلك من منظور تثقيفي عام.
مواصفات الصاروخ وأنظمة توجيهه
![]() |
| بي جي ام - 109 توماهوك |
![]() |
| على اليسار صورة لطائرة B-52 مزودة بصواريخ كروز وعلى اليمين صورة لمدفعية ارضية يمكنها ان تطلق صواريخ كروز عدة صواريخ مرة واحدة على الهدف المحدد. |
![]() |
| على اليسار صورة توضح انطلاق صاروخ كروز من بارجة حربية وعلى اليمين صورة صاروخ منطلق من غواصة بحرية |
تعتمد صواريخ الكروز توماهوك على اربعة انظمة توجيه رئيسية وهي انظمة وهي :
الأنظمة الأربعة للتوجيه تعد من أكثر الوسائل الحديثة والمتطورة في توجيه الصواريخ لاصابة الهدف المحدد له فنظام التوجيه IGS يعتمد على تسارع الصاروخ ليبقي الصاروخ على مساره، اما نظام Tercom فهو يستخدم قاعدة بيانات ثلاثية الأبعاد مخزنة في الجزء الأمامي من الصاروخ لخطوط الكنتور الجغرافي للمنطقة التي يحلق فوقها ومرتبطة مع نظام الرادار على الصاروخ ليتمكن من مقارنة الخريطة الثلاثية الابعاد المخزنة مع البيانات الواردة له من الرادار اثناء الطيران تجاه الهدف ويمكن للصاروخ تجنب المرتفعات التي تواجهه اثناء طيرانه بفضل هذا النظام .
أما نظام التوجيهGPS فهو يستخدم نظام شبكة الأقمار الصناعية المخصصة لنظامGPS الحربية لترسل لجهاز الـ GPS المستقبل المثبت في الصاروخ موقعه على الكرة الأرضية ليرشده إلى الموقع المراد بدقة عالية.
|
ما المقصود بصاروخ كروز؟
صاروخ كروز أو الصاروخ الجوال سلاح موجه ذاتي الدفع يطير معظم مساره داخل الغلاف الجوي بسرعة ثابتة تقريبًا، مستعينًا بأجنحة توفر له قوة الرفع ومحرك نفاث يمده بالدفع، أي أنه يشبه في مبدأ طيرانه طائرة صغيرة بلا طيار. ويستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة وتتبع تضاريس الأرض، مما يجعل رصده أصعب بالرادارات الأرضية.
الفرق بينه وبين الصاروخ الباليستي
- المسار: يتبع الصاروخ الباليستي مسارًا قوسيًا يرتفع فيه إلى طبقات عليا ثم يهوي نحو هدفه بفعل الجاذبية، بينما يطير صاروخ كروز في مسار شبه أفقي ويمكنه المناورة وتغيير اتجاهه.
- السرعة: الباليستي أسرع بكثير في مرحلة الهبوط، أما معظم صواريخ كروز، ومنها توماهوك، فسرعتها دون سرعة الصوت.
- الدفع: يعتمد الباليستي على محرك صاروخي يعمل في المرحلة الأولى فقط، بينما يعمل محرك صاروخ كروز طوال الرحلة تقريبًا.
تاريخ التطوير
بدأ تطوير هذا السلاح في سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة، ضمن سعي البحرية الأمريكية إلى امتلاك صاروخ بعيد المدى يمكن إطلاقه من السفن والغواصات. وتولت تطويره في البداية شركة جنرال داينامكس، ثم انتقلت مسؤولية إنتاجه لاحقًا إلى شركة رايثيون. ودخل الخدمة في ثمانينيات القرن الماضي، وكان أول استخدام قتالي واسع له خلال حرب الخليج عام 1991، ثم استخدم في عمليات عسكرية عديدة بعد ذلك.
الأجيال والطرازات
- النسخ المبكرة: شملت طرازًا تقليديًا للهجوم البري، وطرازًا مضادًا للسفن سُحب من الخدمة لاحقًا، وطرازًا مزودًا برأس نووي.
- النسخة النووية: أُخرجت من الخدمة في البحرية الأمريكية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ضمن مراجعات السياسة النووية.
- الجيل الرابع: المعروف بالتكتيكي، وأضاف قدرات اتصال تسمح بإعادة توجيه الصاروخ أثناء الطيران إلى هدف آخر، والتحويم في منطقة ما بانتظار الأوامر.
- الجيل الخامس: يتضمن تحديثات في الاتصالات والملاحة، وأعاد قدرة مهاجمة الأهداف البحرية المتحركة في بعض نسخه.
منصات الإطلاق
يُطلق توماهوك أساسًا من السفن الحربية المزودة بأنظمة الإطلاق العمودي، ومن الغواصات عبر أنابيب الإطلاق أو خلايا عمودية خاصة. ويستعين عند الإطلاق بمعزز صاروخي يعمل بالوقود الصلب يدفعه في الثواني الأولى، ثم ينفصل لتنفتح الأجنحة ويبدأ المحرك النفاث عمله. وقد طُورت في الماضي نسخة برية أُطلقت من منصات متحركة، كما جرت تجارب على نسخة جوية لم تعتمد على نطاق واسع، واستُخدم بدلًا منها في القاذفات صاروخ كروز آخر مخصص للإطلاق الجوي.
توماهوك ومعاهدات الحد من التسلح
ارتبطت النسخة البرية من الصاروخ بمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام 1987، وقضت بإزالة فئة كاملة من الصواريخ الأرضية متوسطة وقصيرة المدى، فأُزيلت تلك النسخة بموجبها. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة عام 2019 عاد النقاش حول نشر صواريخ كروز برية، وطُورت منظومات أرضية جديدة قادرة على إطلاق هذا النوع من الصواريخ.
تصحيح بعض الأرقام المتداولة
تتباين الأرقام المنشورة عن هذا الصاروخ بحسب الطراز والمصدر، لكن المعلومات المتاحة في المراجع العامة تشير إلى ما يلي:
- يبلغ طوله نحو خمسة أمتار ونصف دون المعزز، وقطره قرابة نصف متر، وذلك بحسب ما تذكره المراجع العامة.
- الأرقام المتداولة بين نحو ثمانمئة وألف وستمئة كيلومتر تعبر في الحقيقة عن المدى الذي يقطعه الصاروخ لا عن ارتفاع طيرانه، فهو يحلق على ارتفاعات منخفضة نسبيًا، ويتجاوز مدى بعض أجياله الحديثة ألف كيلومتر.
- سرعته دون سرعة الصوت، وهي في حدود ثمانمئة إلى تسعمئة كيلومتر في الساعة تقريبًا.
- تتغير تكلفة الوحدة الواحدة بحسب الجيل وعقود الشراء، وتذكر التقارير العامة للأجيال الحديثة أرقامًا تتراوح تقريبًا بين مليون ومليوني دولار للوحدة.
أثره في التفكير العسكري الحديث
أسهم انتشار صواريخ كروز الدقيقة في تغيير طريقة تخطيط العمليات العسكرية، إذ أصبح بالإمكان استهداف منشآت بعيدة دون إرسال طائرات مأهولة إلى أجواء محمية بدفاعات جوية كثيفة، مما يقلل المخاطر على الطيارين. وفي المقابل دفع ذلك دولًا كثيرة إلى تطوير منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على رصد الأهداف المنخفضة، وإلى تحصين منشآتها الحيوية. كما أثار استخدامها نقاشات قانونية وأخلاقية حول الضربات عن بعد، وحول ضرورة حماية المدنيين والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني في اختيار الأهداف.
الدول المستخدمة
تُعد البحرية الأمريكية المستخدم الأكبر لهذا السلاح، كما تستخدمه البحرية الملكية البريطانية من غواصاتها، وأعلنت دول حليفة أخرى اعتزامها اقتناءه في السنوات الأخيرة ضمن خطط تحديث قدراتها البحرية.
أسئلة شائعة
لماذا سمي توماهوك بهذا الاسم؟
التوماهوك فأس صغيرة كانت تستخدمها شعوب أصلية في أمريكا الشمالية في الصيد والقتال، واختير الاسم ليرمز إلى سلاح خفيف وفعال.
هل يمكن اعتراض صواريخ كروز؟
نعم، فأنظمة الدفاع الجوي الحديثة والطائرات المقاتلة قادرة على اعتراضها، لكن طيرانها المنخفض ومساراتها المتعرجة يجعلان رصدها في الوقت المناسب أكثر صعوبة.
ما الفرق بين توماهوك والطائرة المسيرة؟
كلاهما يطير دون طيار، لكن صاروخ كروز مصمم لاستخدام واحد ينتهي بإصابة الهدف، بينما تعود معظم الطائرات المسيرة إلى قواعدها بعد أداء مهامها.
خلاصة
يمثل توماهوك نموذجًا بارزًا لتطور صواريخ كروز منذ الحرب الباردة، فقد انتقل من سلاح يحمل رؤوسًا نووية وتقليدية إلى منظومة تقليدية دقيقة تتلقى الأوامر أثناء طيرانها. ويرتبط تاريخه بالتحولات في معاهدات الحد من التسلح، ولذلك يبقى فهمه جزءًا من فهم التوازنات العسكرية والسياسية في العالم المعاصر.
.png)







