كائنات اسطورية " التنين حسب اساطير الشعوب"

يُعد التنين من أشهر الكائنات الأسطورية في تاريخ البشرية، فقد ظهر في حكايات شعوب متباعدة جغرافياً لم يكن بينها تواصل يذكر، من بلاد الرافدين إلى الصين، ومن الجزيرة العربية إلى شمال أوروبا وأمريكا الوسطى. وتختلف صورته من ثقافة إلى أخرى، فهو أحياناً مخلوق مدمر يجب قتله، وأحياناً كائن حكيم يجلب المطر والخير.

نقدم في هذا المقال ما ورد عن التنين في أساطير العرب والإغريق والأوروبيين والصينيين واليابانيين، ثم نتوسع في حضوره في حضارات أخرى كبلاد الرافدين والهند وأمريكا الوسطى، ونعرض النظريات التي تفسر انتشار أسطورته، وصورته في الأدب والسينما المعاصرة.

التنين في أساطير الشعوب


التنين عند العرب في الأساطير
التنين عند العرب
التنين عند العرب

ورد في لسان العرب أن "التِّنِّينُ ضرْب من الحيّات من أَعظمها كأَكبر ما يكون منها، وربما بعث الله عز وجل سحابةً فاحتملته، وذلك فيما يقال، والله أَعلم، أَن دوابّ البحر يشكونه إلى الله تعالى فيرْفَعُه عنها؛ قال أَبو منصور: وأَخبرني شيخ من ثِقاتِ الغُزاة أَنه كان نازلاً على سِيف بَحْرِ الشام، فنظر هو وجماعة أَهل العَسْكر إلى سحابةٍ انقَسَمت في البحر ثم ارتفعت، ونظرنا إلى ذَنَبِ التِّنِّين يَضطرب في هَيْدب السحابةَ، وهَبَّت بها الريحُ ونحن نَنظر إليها إلى أَن غابت السحابةُ عن أَبصارِنا. وجاء في بعض الأَخبار: أَن السحابة تحمل التِّنّين إلى بلاد يَأْجوج ومَأْجوج فتَطرحه فيها، وأَنهم يجتمعون على لحمِه فيأْكلونه".

_________________________________________

التنين الأزرق في الأساطير
التنين الازرق
التنين عند الإغريق


يعود أول ذكر للتنين في الحضارة الأغريقية إلى الإلياذة، حيث وصف أجاممنون بأن له تنينا أزرقًا على حزام سيفه ورمز تنين ذا ثلاث رؤوس على الدرع الذي يلبسه على الصدر.
 ودراغون تعني في اللغة الأغريقية "ذلك الذي يرى"، أو "ذلك الذي يومض" (ربما في إشارة إلى حراشفه العاكسة للضوء).
وفي سنة 217 م، ناقش فيلوستراتوس (Philostratus) التنين في الهند في "حياة أبولونيوس من تيانا" (Apollonius of Tyana). في ترجمة مكتبة لوب الكلاسيكية ذكر بأن "كانت الأنياب، من جميع النواحي، أشبه بأنياب الخنازير الكبيرة، ولكنها أنحل وملتوية ومسننة مثل أسنان سمك القرش".
_________________________________________

        التنين عند الأوروبيين

توجد التنانين في التراث الشعبي والأساطير الأوربية وهي متداخلة بين الثقافات في أوربة. ومع أن للتنانين أجنحة، إلا أنها تكون عموما مختبئة في كهوف تحت الأرض، مما يجعلها كائنا قديما لعنصر الأرض.

_________________________________________
التنين عند الصينيين

التنين الصيني في الأساطير القديمة
التنين الصيني
يمكن للتنانين الصينية والشرقية عموما أن تتخذ شكل الإنسان، وعادة ما تكون خيرة، في حين أن التنانين الأوروبية تكون عادة حاقدة وإن كان هناك بعض الاستثناءات (تنين ويلز الأحمر هو أحد تلك الاستثناءات). وتوجد بعض التنانين الشرقية الحاقدة كما في الأساطير الفارسية، والروسية مثلا.

وللتنين شعبية خاصة في الصين، فالتنين ذو المخالب الخمسة كان رمزا لأباطرة الصين مع طائر العنقاء رمزا للامبراطورة الصينية. وأزيار التنين التي يرتديها ويحركها العديد من الناس هي أمر شائع في المهرجانات الصينية.

_________________________________________
التنين عند اليابانيين

التنين حسب أساطير الشعوب المختلفةتدمج أساطير التنانين اليابانية الأساطير المحلية مع القصص المستوردة من الصين، وكوريا والهند. ومثل التنانين الآسيوية الأخرى، فإن التنانين اليابانية هي آلهة المياه المرتبطة بهطول الأمطار والمسطحات المائية، وتوصف عادة بأنها مخلوقات أفعوانية كبيرة، بدون أجنحة، ذات أقدام بمخالب. وقد كتب غولد ، أن التنين الياباني "يمتلك ثلاثة مخالب".

التنين في حضارات أخرى

بلاد الرافدين

تحفل أساطير السومريين والبابليين بكائنات تجمع بين صفات الأفعى والطائر والأسد. ومن أشهر الرموز في هذا الإطار الكائن المسمى موشخوشو، الذي يظهر على جدران بوابة عشتار في بابل بجسد مغطى بالحراشف ورأس أفعواني وقوائم أمامية تشبه أقدام القطط وخلفية تشبه مخالب الطيور. وفي ملحمة الخلق البابلية تظهر تيامات، إلهة المياه المالحة البدائية، في صورة وحش هائل يصارعه الإله مردوخ، ثم يشطر جسدها ليصنع منه السماء والأرض، وكثيراً ما يصفها الباحثون المعاصرون بأنها تنين أو أفعى عظيمة.

الهند

تروي النصوص الفيدية القديمة قصة صراع الإله إندرا مع كائن أفعواني هائل يدعى فريترا، كان يحبس المياه ويمنعها عن الأرض، فلما قتله إندرا تدفقت الأنهار من جديد. ويرتبط هذا المعنى بفكرة عامة في كثير من الأساطير، وهي أن هذا المخلوق يتحكم في المياه، سواء بحبسها أو بإطلاقها.

أمريكا الوسطى

عرفت شعوب أمريكا الوسطى القديمة، كالأزتك والمايا، إلهاً على هيئة أفعى مكسوة بالريش، اشتهر عند الأزتك باسم كيتزالكواتل، وارتبط بالريح والمعرفة والحضارة. ورغم أنه لا يطابق الصورة الأوروبية المعروفة، فإن الباحثين يضعونه غالباً ضمن عائلة الكائنات الأفعوانية الأسطورية العظيمة.

أساطير الشمال الأوروبي

في الأساطير الإسكندنافية يظهر الوحش نيدهوغ الذي يقضم جذور شجرة العالم، كما تحكي الملاحم قصة البطل سيغورد الذي قتل فافنير الحارس لكنز من الذهب. وتتكرر في التراث الأوروبي صورة الوحش المجنح الجاثم على الكنوز داخل الكهوف، وهي صورة انتقلت لاحقاً إلى الأدب الحديث.

قصص البطولة ضد الوحوش في التراث الأوروبي

من أشهر القصص في التراث المسيحي الأوروبي حكاية القديس جورج الذي يُروى أنه قتل وحشاً كان يرهب إحدى المدن وأنقذ أميرة كانت ستقدم قرباناً له. وقد أصبحت هذه الحكاية موضوعاً متكرراً في اللوحات والأيقونات والتماثيل، وصار القديس جورج شفيعاً لعدة بلدان ومدن. وتحمل هذه القصص عادة معنى رمزياً هو انتصار الخير على الشر والنظام على الفوضى.

التنين في الشعارات والأعلام

يظهر التنين الأحمر على علم ويلز، وهو من الأعلام الوطنية القليلة في العالم التي تحمل كائناً أسطورياً. كما استُخدمت صورته في شعارات العائلات النبيلة والمدن الأوروبية، رمزاً للقوة واليقظة والحماية.

رمزيته في الشرق الأقصى

يختلف هذا الكائن في الصين وما حولها جذرياً عن نظيره الأوروبي، فهو كائن ميمون يرتبط بالماء والمطر والخصوبة والقوة الإمبراطورية، ولا يُصور غالباً بأجنحة، بل يطير بقدرته الذاتية. ويوصف عادة بجسد طويل كالأفعى، وقرون، ولحية، وأربع قوائم بمخالب.

عام التنين ورقصته

يحتل التنين مكانة بين الحيوانات الاثني عشر في دائرة الأبراج الصينية، ويُعد عامه عند كثير من الأسر الصينية فأل خير. وفي احتفالات رأس السنة القمرية تُقام رقصة شهيرة، حيث يحمل مجموعة من الراقصين مجسماً طويلاً على أعمدة ويحركونه بتموجات تحاكي حركة الكائن الأسطوري. كما يرتبط به مهرجان قوارب التنين الذي تتسابق فيه قوارب طويلة مزينة برؤوس التنانين.

كوريا وفيتنام

تشترك كوريا وفيتنام مع الصين في كثير من ملامح النموذج الشرقي، فهو هناك أيضاً حارس للمياه وجالب للمطر، ويظهر في الفنون والعمارة التقليدية والقصور الملكية، مع خصوصيات محلية في الحكايات الشعبية والرموز.

لماذا انتشرت أسطورة التنين في العالم؟

حاول الباحثون في الأنثروبولوجيا والأساطير تفسير تشابه صوره بين ثقافات متباعدة، وطرحوا عدة احتمالات قد تتكامل فيما بينها:

  • الخوف الفطري من الحيوانات المفترسة: يرى بعض الباحثين أن هذا الوحش يجمع في جسد واحد أكثر ما خافه الإنسان الأول، كالأفاعي والطيور الجارحة والسنوريات الكبيرة.
  • اكتشاف الأحافير: ربما عثر القدماء على عظام ضخمة لديناصورات أو ثدييات منقرضة ففسروها بأنها بقايا وحوش أسطورية.
  • رمزية الطبيعة: قد يمثل قوى طبيعية كالفيضانات والعواصف والبراكين التي كانت تفوق فهم الإنسان.
  • التبادل الثقافي: انتقلت بعض الحكايات عبر طرق التجارة والهجرات، فتأثرت الأساطير ببعضها.

التنين في الأدب والفن المعاصر

لم يختف من الخيال البشري بعد زوال الإيمان بالأساطير، بل انتقل إلى الروايات والأفلام والألعاب. ومن أشهر أمثلته سماوغ في رواية الهوبيت للكاتب البريطاني تولكين، الذي يجسد الصورة الأوروبية للتنين الجشع الحارس للذهب. وظهرت التنانين في عدد كبير من أعمال الخيال الملحمي والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو، بعضها مخيف وبعضها صديق للبطل، مما يعكس امتزاج الصورتين الشرقية والغربية.

تنين كومودو: الاسم الحقيقي الوحيد

يحمل حيوان حقيقي اسم التنين، وهو ورل كومودو الذي يعيش في جزر إندونيسية، ويُعد أكبر السحالي الحية في العالم. ولا علاقة له بالأساطير سوى الاسم الذي أُطلق عليه بسبب حجمه الكبير ومظهره المهيب.

الحراشف والنار والأجنحة

تتكرر في الصور الأوروبية ثلاث سمات: الحراشف الصلبة التي تجعل الوحش منيعاً على السيوف والسهام، والأجنحة الضخمة الشبيهة بأجنحة الخفافيش، ونفث النار من الفم. أما في الرسوم الصينية واليابانية فتغيب الأجنحة والنار غالباً، ويحل محلها التحكم في السحب والمطر، وتحمل المخلوقات أحياناً لؤلؤة متوهجة ترمز إلى الحكمة والطاقة الروحية. وهذا التباين البصري يلخص بوضوح الفرق في النظرة إليه بين الثقافتين.

أسئلة شائعة

هل كان هذا المخلوق حيواناً حقيقياً؟

لا، التنين كائن أسطوري لا يوجد دليل على وجوده، وإن كانت بعض صوره قد استلهمت من حيوانات حقيقية كالأفاعي والتماسيح والسحالي.

ما الفرق الأساسي بين التنين الصيني والأوروبي؟

التنين الصيني غالباً خيّر يجلب المطر ويرمز للحكمة والسلطة، ولا يحتاج إلى أجنحة، أما الأوروبي فغالباً شرير مجنح ينفث النار ويحرس الكنوز.

ما معنى كلمة التنين في العربية؟

أطلق العرب الكلمة على ضرب عظيم من الحيات، كما ذكرت المعاجم، ثم صارت تستعمل للدلالة على الكائن الأسطوري المعروف في ثقافات العالم.

خلاصة

إنه كائن عابر للحضارات، تشكل في خيال شعوب كثيرة بصور متقاربة ومعان مختلفة، فهو في الغرب وحش يهزمه البطل، وفي الشرق قوة مقدسة تمنح المطر والبركة. وتكشف دراسة أساطيره عن مخاوف الإنسان القديمة وطموحاته ورؤيته للطبيعة، وما زال حضوره القوي في الأدب والفن المعاصر يؤكد أن الأساطير لا تموت، بل تتجدد بأشكال جديدة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !