تنتشر على مواقع التواصل اختبارات قصيرة تعد بكشف خبايا الشخصية من خلال سؤال واحد، ومن أشهرها اختبار طوق النجاة الذي يطلب منك أن تختار من تمنحه فرصة النجاة من بين عدة شخصيات. وبعد أن عرضنا إجابة طوق نجاة ونتائج اختبار تحليل الشخصية كما وردت، نتوقف في هذه المقالة عند طبيعة هذه الاختبارات الترفيهية، والفرق بينها وبين المقاييس النفسية العلمية، ولماذا نشعر أحيانا بأن نتائجها تصفنا بدقة.
نتائج الاختبار بحسب اختيارك الأول
الاختبارات الترفيهية والمقاييس العلمية
من المهم أن يعرف القارئ أن اختبار طوق النجاة وأمثاله اختبارات تسلية في المقام الأول، لا تقوم على دراسات أو معايير علمية. أما المقاييس النفسية التي يستعملها المختصون فتمر بمراحل طويلة من التصميم والتجريب، ويُتحقق فيها من شرطين أساسيين:
- الصدق: أي أن يقيس الاختبار فعلا ما وضع لقياسه.
- الثبات: أي أن يعطي نتائج متقاربة إذا أعيد على الشخص نفسه في ظروف مشابهة.
ولذلك لا ينبغي أن يبني أحد قرارات مهمة في حياته أو علاقاته على نتيجة اختبار ترفيهي، مهما بدت مقنعة.
نماذج علمية لفهم الشخصية
من أشهر النماذج التي يعتمدها علماء النفس نموذج العوامل الخمسة الكبرى، الذي يصف الشخصية من خلال خمسة أبعاد هي الانفتاح على التجربة، ويقظة الضمير، والانبساط، والمقبولية أو الوداعة، والعصابية أو التقلب الانفعالي. ويقيس هذا النموذج كل بعد على مقياس متدرج بدلا من تقسيم الناس إلى أنماط جامدة، لأن الشخصية الإنسانية أكثر تعقيدا من أن تختصر في صنف واحد.
لماذا نصدّق نتائج هذه الاختبارات؟
تأثير بارنوم
يفسر علماء النفس شعورنا بدقة هذه النتائج بظاهرة تعرف بتأثير بارنوم أو تأثير فورر، وهي ميلنا إلى قبول أوصاف عامة على أنها خاصة بنا. فعبارات مثل تتأثر بآلام الآخرين أو تحب عائلتك أو تعيش الماضي أحيانا تنطبق على عدد كبير من الناس، لكن صياغتها تجعل القارئ يشعر بأنها كتبت له وحده.
الانتباه الانتقائي
يميل الإنسان إلى تذكر ما يوافق صورته عن نفسه وإهمال ما يخالفها، فإذا قرأ وصفا فيه عشر صفات وافقته منها ست، ركز عليها ونسي الأربع الباقية، فيخرج مقتنعا بأن الاختبار أصاب.
فوائد ممكنة للاختبارات الترفيهية
رغم افتقارها إلى الأساس العلمي، قد يكون لهذه الاختبارات بعض الفوائد إذا تعاملنا معها بوعي:
- تفتح باب الحوار بين الأصدقاء وأفراد الأسرة حول القيم والأولويات.
- تدفع إلى التأمل الذاتي وطرح أسئلة عن أسباب اختياراتنا.
- توفر تسلية خفيفة ومساحة للمرح في المجموعات.
- قد تكشف كيف يفكر كل شخص في المعضلات الأخلاقية كالموازنة بين الواجب والعاطفة.
المعضلات الأخلاقية في سؤال النجاة
يشبه اختبار طوق النجاة في بنيته ما يسميه الفلاسفة المعضلات الأخلاقية، حيث يضطر الإنسان إلى المفاضلة بين قيم متعارضة كالنفع العام والرحمة بالضعيف ورابطة الأسرة. ومن يختار الطبيب قد يفكر في من سينقذ آخرين، ومن يختار الطفلة قد يقدم المستقبل والبراءة، ومن يختار الأم الحامل قد يرى أنه ينقذ حياتين. وهذه الاعتبارات تكشف عن طريقة التفكير في لحظة السؤال أكثر مما تكشف عن الشخصية الثابتة.
كيف تستفيد من الاختبار في جلسة جماعية؟
يمكن تحويل هذا السؤال إلى نشاط حواري مفيد بين الأصدقاء أو الطلاب، بأن يطلب من كل مشارك أن يشرح سبب اختياره بدلا من الاكتفاء بقراءة النتيجة الجاهزة. فالنقاش حول الأسباب يكشف تنوع زوايا النظر، ويعلم الإصغاء واحترام الرأي المختلف، ويبين أن الناس قد يصلون إلى قرارات متباينة انطلاقا من نوايا حسنة جميعها. ويستعمل بعض المدربين أسئلة مشابهة في ورش العمل لكسر الجمود وتعزيز التعارف، مع التنبيه دائما إلى أنها أداة للحوار لا للتصنيف.
حدود التصنيف إلى أنماط
تقسيم الناس إلى نمط فولاذي وآخر حالم وثالث متزن قد يكون مسليا، لكنه يتجاهل أن الإنسان الواحد يجمع صفات متعددة تظهر بحسب الموقف. فقد يكون المرء عمليا في عمله وعاطفيا في بيته، ولذلك يفضل المختصون الحديث عن درجات من السمات بدلا من قوالب مغلقة.
أسئلة شائعة
هل يمكن الاعتماد على هذا الاختبار في معرفة الشخصية؟
لا، فهو اختبار للتسلية، ومن أراد فهما أعمق لشخصيته فيمكنه اللجوء إلى مختص نفسي يستعمل أدوات معتمدة.
لماذا تتغير إجابتي من وقت لآخر؟
لأن اختيارك يتأثر بحالتك المزاجية وظروفك الحالية وطريقة صياغة السؤال، وهذا دليل آخر على أن الاختبار لا يقيس سمة ثابتة.
ما أشهر المقاييس العلمية للشخصية؟
من أشهرها المقاييس المبنية على نموذج العوامل الخمسة، وهناك مقاييس سريرية أخرى لا تطبق إلا تحت إشراف مختص.
خلاصة
اختبار طوق النجاة لعبة نفسية ممتعة تفتح الحوار وتثير التأمل، لكنها لا تحدد الشخصية بدقة علمية. فالاستمتاع بها مقبول ما دمنا نتذكر أن الإنسان أوسع من أي وصف قصير، وأن فهم الذات يحتاج إلى أدوات أعمق ووقت أطول.
