يحظى الغراب بمكانة خاصة بين الطيور، فهو في نظر كثير من علماء سلوك الحيوان واحد من أذكى الكائنات التي تطير، إذ يستطيع حل المشكلات واستعمال الأدوات وتذكر الوجوه والأماكن لفترات طويلة. وقد ارتبط هذا الطائر الذكي في الثقافة العربية والإسلامية بقصة ابني آدم، كما ارتبط في الأدب بصور متناقضة بين الشؤم والحكمة.
في هذا المقال نعرض ما ورد عن تجارب العلماء على الغربان، ثم نتوسع في التعريف بفصيلة الغرابيات وأنواعها، وأسباب تفوقها العقلي، وأبرز سلوكياتها الاجتماعية، مع وقفة عند حضورها في التراث العربي.
تجارب تكشف ذكاء الغراب

التعريف بالغراب وفصيلة الغرابيات
ينتمي الغراب إلى فصيلة الغرابيات، وهي فصيلة كبيرة من رتبة الجواثم تضم إلى جانب الغربان طيورًا أخرى مثل العقعق وأبي زريق والزاغ. وتنتشر هذه الفصيلة في معظم قارات العالم تقريبًا، وتتكيف مع بيئات متنوعة تمتد من الغابات والجبال إلى الصحارى والمدن المزدحمة. ويتميز أفرادها عمومًا بمنقار قوي متين، وأرجل صلبة، وريش يغلب عليه السواد اللامع في كثير من الأنواع، وإن كانت بعض الأنواع تحمل ألوانًا رمادية أو بيضاء أو زرقاء.
أشهر الأنواع
- الغراب الأسحم أو الغراب الشائع: من أكبر الجواثم حجمًا، واسع الانتشار في نصف الكرة الشمالي.
- الغراب البلدي أو الأبقع: وهو الغراب الرمادي الظهر الذي ذكرته التجربة الثانية في المقال، ويكثر في بلاد الشام ومصر وأجزاء من أوروبا.
- غراب كاليدونيا الجديدة: يعيش في جزر بالمحيط الهادئ، وصار مشهورًا في الأوساط العلمية لقدرته على صنع أدوات من الأغصان وأوراق النباتات.
- غراب الزرع أو الغداف: يعيش في جماعات كبيرة ويتغذى في الحقول الزراعية.
الغذاء ونمط الحياة
الغراب طائر قارت يأكل كل شيء تقريبًا؛ فيتناول الحبوب والثمار والحشرات والديدان والبيض وصغار الحيوانات، كما يتغذى على الجيف وبقايا الطعام التي يتركها الإنسان. وهذه المرونة الغذائية من أهم أسباب نجاحه في العيش قرب المدن، حيث يستغل مكبات النفايات والحدائق والأسواق. ويعيش كثير من الغربان في أزواج مستقرة قد تدوم سنوات، ويتعاون الزوجان في بناء العش ورعاية الصغار.
لماذا يعد الغراب من أذكى الطيور؟
يرى الباحثون أن ذكاء الغربان لا يقتصر على حادثة عابرة، بل يظهر في مجموعة واسعة من القدرات التي اختبرت في المختبر والطبيعة على حد سواء. ومن اللافت أن نسبة حجم الدماغ إلى حجم الجسم عند الغرابيات مرتفعة مقارنة بمعظم الطيور، وأن منطقة الدماغ الأمامي المرتبطة بالتفكير المعقد متطورة لديها بدرجة ملحوظة، وهو ما يفسر جزئيًا قدرتها على التخطيط والتعلم.
استعمال الأدوات وصنعها
تعد قدرة بعض الغربان على تشكيل الأدوات من أبرز ما لفت أنظار العلماء، فغراب كاليدونيا الجديدة مثلًا يقطع أغصانًا رفيعة ويشذبها ليستخرج بها اليرقات من شقوق الأشجار. وتشير التجارب إلى أن بعض الأفراد قادرة على ثني سلك ليصبح خطافًا، كما وصف المقال، وهي مهارة كانت تعد في الماضي من خصائص الرئيسيات العليا.
الذاكرة والتعرف على الوجوه
أظهرت دراسات ميدانية أن الغربان تستطيع تمييز وجوه أشخاص بعينهم، خاصة إذا ارتبطوا بتجربة مزعجة لها، فتطلق نداءات تحذير عند رؤيتهم وقد تنقل هذا التحذير إلى أفراد آخرين من الجماعة. كما تخبئ أنواع كثيرة منها الطعام في مواضع متفرقة، ثم تعود إليه بعد أيام أو أسابيع، بل إنها قد تغير مكان المخبأ إذا لاحظت أن طائرًا آخر يراقبها.
حل المشكلات والتخطيط
في تجارب معروفة، استطاعت غربان أن تلقي حصى في وعاء ماء ليرتفع سطحه فتصل إلى قطعة طعام طافية، وهو سلوك يذكر بحكاية الغراب والجرة الشهيرة في أدب الحكايات. كما نجحت أفراد في حل ألغاز متعددة الخطوات تتطلب استعمال أداة للوصول إلى أداة أخرى، مما يدل على قدر من التفكير المتسلسل.
الحياة الاجتماعية للغربان
تتمتع الغربان بحياة اجتماعية غنية، فهي تتواصل بمجموعة متنوعة من الأصوات تختلف بحسب الموقف، فهناك نداءات للتحذير وأخرى للتجمع أو الإعلان عن وجود طعام. وتلجأ كثير من الأنواع إلى المبيت الجماعي في أعداد كبيرة خلال فصل الشتاء، وهو سلوك يرجح العلماء أنه يوفر الحماية ويسهل تبادل المعلومات عن مصادر الغذاء.
ومن أكثر ما يثير الاهتمام ما يسميه بعض الباحثين تجمعات الغربان حول الغراب النافق؛ إذ تتجمع أعداد منها حول جثة أحد أفرادها وتطلق أصواتًا عالية. ويفسر العلماء ذلك غالبًا بأنه وسيلة لمعرفة مصدر الخطر وتجنب المكان، لا طقس دفن بالمعنى الحرفي. والجدير بالذكر أن سلوك الاهتمام بالموتى لوحظ أيضًا عند حيوانات أخرى كالفيلة وبعض الرئيسيات، لذا فإن تميز الغراب في هذا الباب يقوم على ذكائه وقوة ملاحظته أكثر مما يقوم على كونه المخلوق الوحيد الذي يفعل ذلك.
الغراب في التراث العربي والإسلامي
ورد ذكر الغراب في القرآن الكريم في سياق قصة ابني آدم، حيث بعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليعلم القاتل كيف يواري جسد أخيه، فكان ذلك درسًا في الندم وفي أن الإنسان قد يتعلم من أصغر المخلوقات. وقد توقف المفسرون عند هذا الموضع واستخرجوا منه معاني التواضع للعلم والاعتبار بآيات الله في خلقه.
أما في الأدب العربي فقد ارتبط الغراب عند الشعراء الجاهليين بالفراق والرحيل، فشاع تعبير غراب البين، أي الغراب الذي ينذر بافتراق الأحبة. كما ضربت به الأمثال في الحذر وحدة البصر، وقيل في المثل أحذر من غراب. وهذه الصورة الأدبية لا تعني بطبيعة الحال أن للطائر صلة حقيقية بما يقع للناس من خير أو شر، فالتشاؤم بالطيور من عادات الجاهلية التي نهى عنها الإسلام.
علاقة الغراب بالإنسان
يعيش الغراب قريبًا من الإنسان منذ القدم، فيستفيد من بقايا طعامه، ويؤدي في المقابل دورًا بيئيًا مهمًا في تنظيف البيئة من الجيف والتخلص من بعض الحشرات الضارة. غير أنه قد يسبب أحيانًا أضرارًا للمحاصيل الزراعية، وقد تصبح بعض الأنواع الدخيلة مصدر إزعاج في مدن ساحلية حين تتكاثر بأعداد كبيرة.
- يسهم في نشر بذور بعض النباتات من خلال تخزين الثمار ونسيان بعضها.
- يعد مؤشرًا مفيدًا لدى الباحثين لدراسة صحة البيئة الحضرية.
- يستخدم نموذجًا علميًا لفهم تطور الذكاء خارج عالم الثدييات.
أسئلة شائعة
هل الغراب أذكى الطيور على الإطلاق؟
يضع كثير من الباحثين الغرابيات، إلى جانب بعض أنواع الببغاوات، في مقدمة الطيور من حيث القدرات العقلية، ولا يوجد ترتيب قاطع متفق عليه، لكن الغربان تبقى من أبرز الأمثلة على ذكاء الطيور.
هل يدفن الغراب موتاه فعلًا؟
المعروف علميًا أن الغربان تتجمع حول الطائر النافق وتصدر أصواتًا، ويرجح أن الغرض هو التعرف على الخطر. أما الدفن بمعناه الحرفي فليس سلوكًا موثقًا بصورة منتظمة لديها.
كم يعيش الغراب؟
يختلف العمر بحسب النوع والبيئة، فكثير من الغربان البرية لا يعيش طويلًا بسبب المخاطر، بينما قد تعمر بعض الأفراد سنوات عديدة إذا توافرت لها ظروف آمنة.
خلاصة
يجمع الغراب بين المرونة في الغذاء والمهارة في استعمال الأدوات وقوة الذاكرة والحياة الاجتماعية المعقدة، مما يجعله نموذجًا فريدًا لذكاء الطيور. وتؤكد تجارب العلماء ما لاحظه الإنسان منذ القدم من فطنة هذا الكائن، كما تذكرنا قصته في القرآن بأن في كل مخلوق آية تدعو إلى التأمل والتعلم.
