تحمل الذاكرة الإنسانية لحظات سعيدة نعتز بها، لكنها تحتفظ أيضاً بتجارب مؤلمة قد تلازم أصحابها سنوات طويلة وتؤثر في نومهم وعملهم وعلاقاتهم. ولذلك لفت الأنظار خبر علمي عن عقار جديد يخلصك من الذكريات المؤلمة، أو بالأدق يخفف الشحنة العاطفية السلبية المرتبطة بها، وفق نتائج دراسة كندية.
في هذا المقال نعرض تفاصيل الدراسة كما نُشرت، ثم نشرح كيف تتكون الذكريات العاطفية في الدماغ، ودور هرمون الكورتيزول، ومفهوم إعادة توطيد الذاكرة، ونتعرف إلى عقار الميتيرابون واستخداماته الطبية، والطرق العلاجية المعتمدة للتعامل مع الصدمات، والجدل الأخلاقي حول تعديل الذاكرة.
تفاصيل الدراسة الكندية
كيف تتكون الذكريات العاطفية؟
الذاكرة ليست صندوقاً تُحفظ فيه الأحداث كما هي، بل عملية بيولوجية معقدة تشارك فيها مناطق عدة من الدماغ. ومن أهم هذه المناطق الحُصين الذي يسهم في تكوين الذكريات الجديدة وتنظيمها، واللوزة الدماغية التي ترتبط بمعالجة المشاعر، خاصة الخوف والقلق. وعندما يمر الإنسان بحدث مشحون عاطفياً، تعمل اللوزة على تعزيز تسجيله في الذاكرة، ولهذا نتذكر المواقف المخيفة أو المؤلمة بوضوح أكبر من الأحداث العادية.
دور هرمونات التوتر
عند التعرض لموقف ضاغط، يفرز الجسم هرمونات التوتر، ومنها الأدرينالين والكورتيزول الذي تنتجه الغدة الكظرية. ويؤدي الكورتيزول وظائف حيوية كثيرة، منها تنظيم مستوى السكر في الدم والاستجابة للالتهابات، كما يؤثر في عمل الدماغ وفي طريقة تخزين الذكريات واسترجاعها. وتشير أبحاث عدة إلى أن ارتفاعه في أثناء الحدث أو بعده قد يقوي ترسيخ الجانب العاطفي من الذكرى.
مفهوم إعادة توطيد الذاكرة
كان العلماء يعتقدون قديماً أن الذكرى بعد ترسيخها تصبح ثابتة لا تتغير، لكن أبحاثاً حديثة نسبياً طرحت فكرة إعادة التوطيد، ومفادها أن الذكرى عندما نستدعيها تصبح لفترة قصيرة قابلة للتعديل، ثم يعيد الدماغ حفظها من جديد. وهذه الفكرة هي الأساس الذي قامت عليه الدراسة الكندية، إذ حاول الباحثون التأثير في مستوى الكورتيزول في أثناء استدعاء الذكرى، لمعرفة ما إذا كان ذلك يغير طريقة إعادة حفظ جانبها العاطفي.
ما هو عقار الميتيرابون؟
الميتيرابون دواء معروف في الطب منذ عقود، يعمل على تثبيط إنزيم في الغدة الكظرية يشارك في المرحلة الأخيرة من تصنيع الكورتيزول، فيؤدي إلى خفض مستواه في الجسم. ولا يُستخدم هذا الدواء أصلاً لعلاج الذكريات المؤلمة، بل له استخدامات طبية محددة يقررها الأطباء المختصون.
الاستخدامات الطبية المعروفة
- اختبارات تشخيصية: يُستخدم في بعض الفحوص لتقييم عمل الغدة النخامية والغدة الكظرية.
- متلازمة كوشينغ: وهي حالة يرتفع فيها الكورتيزول ارتفاعاً مزمناً، وقد يُستخدم الدواء ضمن خطة علاجها تحت إشراف طبي دقيق.
لماذا يجب الحذر؟
بما أن الكورتيزول هرمون ضروري للحياة، فإن خفضه دون إشراف طبي قد يسبب مشكلات صحية، وقد تظهر للدواء آثار جانبية متعددة، ولذلك لا يجوز استخدامه إلا بوصفة طبية ومتابعة متخصصة. والنتائج التي توصلت إليها الدراسة لا تعني أنه أصبح علاجاً معتمداً للذكريات المؤلمة، فهي نتائج تجريبية أولية أُجريت على عدد محدود من المتطوعين.
قراءة في حدود الدراسة
عند قراءة مثل هذه الأخبار من المفيد الانتباه إلى عدة نقاط تحدد مدى إمكان تعميم النتائج:
- عدد المشاركين في الدراسة صغير نسبياً، ومن الرجال فقط، مما يحد من تعميم النتائج على النساء وعلى فئات أخرى.
- الذكريات المستخدمة في التجربة مرتبطة بقصة سمعها المشاركون في المختبر، وهي تختلف كثيراً عن الصدمات الحقيقية العميقة.
- تحتاج النتائج إلى تكرار في دراسات أكبر وأطول قبل التفكير في أي تطبيق علاجي.
- تخفيف الشحنة العاطفية لا يعني محو الحدث من الذاكرة، فالمشاركون تذكروا الجوانب العادية من القصة.
اضطراب ما بعد الصدمة والعلاجات المعتمدة
يأتي الاهتمام بأبحاث الذاكرة العاطفية في سياق البحث عن علاجات أفضل لاضطراب ما بعد الصدمة، وهو حالة نفسية قد تصيب بعض من تعرضوا لأحداث شديدة كالحروب والحوادث والاعتداءات والكوارث الطبيعية.
أبرز أعراض اضطراب ما بعد الصدمة
- استرجاع متكرر وغير إرادي للحدث المؤلم، أو كوابيس متعلقة به.
- تجنب الأماكن أو الأشخاص أو الأحاديث التي تذكّر بالحدث.
- تغيرات سلبية في المزاج والأفكار، كالشعور بالذنب أو الانفصال عن الآخرين.
- فرط التيقظ، كسرعة الانفعال وصعوبة النوم والتركيز والفزع لأبسط الأصوات.
العلاجات النفسية
تعتمد الإرشادات العلاجية في كثير من الدول على العلاج النفسي بوصفه خط العلاج الأول، ومن أبرز أساليبه العلاج المعرفي السلوكي المركز على الصدمة، الذي يساعد المريض على فهم أفكاره ومشاعره المرتبطة بالحدث وتعديلها، والعلاج بالتعرض المطول الذي يواجه فيه المريض الذكريات بطريقة تدريجية آمنة، وعلاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة عبر حركة العين. كما قد يصف الطبيب النفسي أدوية معينة بحسب حالة كل مريض.
أبحاث دوائية أخرى
لم يكن الميتيرابون الدواء الوحيد الذي درسه الباحثون في هذا المجال، فقد اهتمت أبحاث أخرى بأدوية تؤثر في هرمونات التوتر أو في نشاط الجهاز العصبي، مثل بعض حاصرات بيتا، لمعرفة ما إذا كانت تستطيع تخفيف قوة الذكريات العاطفية عند استدعائها. وما زالت هذه الأبحاث في معظمها في إطار التجريب، ولم تتحول إلى علاج روتيني.
الجدل الأخلاقي حول تعديل الذاكرة
تثير فكرة التدخل الدوائي في الذكريات أسئلة أخلاقية وفلسفية مهمة، ناقشها باحثون في أخلاقيات الطب والعلوم العصبية:
- الهوية الشخصية: تُعد الذكريات، حتى المؤلمة منها، جزءاً من تكوين الإنسان وتجربته، فهل يغير تعديلها شيئاً من هويته؟
- الدروس المستفادة: قد تحمل الذكريات المؤلمة دروساً تحمي الإنسان من تكرار الأخطاء أو الأخطار.
- إساءة الاستخدام: يخشى بعضهم أن تُستخدم هذه التقنيات مستقبلاً لأغراض غير علاجية.
- الشهادة والعدالة: قد يؤثر تعديل ذكريات الضحايا والشهود في قدرتهم على الإدلاء بشهاداتهم.
وفي المقابل يرى مؤيدو هذه الأبحاث أن الهدف ليس محو الماضي، بل تخفيف المعاناة النفسية الشديدة التي تعطل حياة بعض الناس، وأن ذلك يشبه في جوهره ما يحاول العلاج النفسي فعله بوسائل أخرى.
عادات تساعد على التعامل مع الذكريات المؤلمة
إلى جانب العلاج المتخصص عند الحاجة، يذكر المختصون في الصحة النفسية عادات يومية قد تساعد الإنسان على التعايش مع الذكريات الصعبة وتخفيف أثرها، ومنها:
- الحديث مع شخص موثوق: فالتعبير عن المشاعر بدلاً من كبتها قد يخفف ثقلها.
- الكتابة التعبيرية: تشير بعض الدراسات إلى أن الكتابة عن التجارب المؤلمة بطريقة منظمة قد تساعد على معالجتها.
- النوم المنتظم: إذ يرتبط النوم الجيد بتنظيم المشاعر ومعالجة الذكريات.
- النشاط البدني: الذي يساعد على تخفيف التوتر وتحسين المزاج.
- تمارين التنفس والاسترخاء: التي قد تخفف الاستجابة الجسدية للقلق عند تذكر الحدث.
- تجنب الهروب إلى المواد الضارة: كالكحول والمهدئات غير الموصوفة، لأنها قد تزيد المشكلة على المدى البعيد.
دور المحيط الاجتماعي
يؤدي الدعم الاجتماعي دوراً مهماً في التعافي من التجارب الصعبة، فوجود أسرة متفهمة وأصدقاء يصغون دون إصدار أحكام يمنح الشخص إحساساً بالأمان. ويُنصح المحيطون بمن مر بصدمة بالصبر عليه، وعدم الضغط عليه للحديث قبل أن يكون مستعداً، وتشجيعه بلطف على طلب المساعدة المتخصصة إذا طالت معاناته.
أسئلة شائعة
هل يمحو الميتيرابون الذكريات؟
لا، فالدراسة تشير إلى أنه قد يخفف الشحنة العاطفية السلبية المرتبطة ببعض الذكريات عند استدعائها، لا أنه يمحو الأحداث نفسها، وهي نتائج تجريبية أولية.
هل يمكن تناول هذا الدواء للتخلص من ذكرى مؤلمة؟
لا يجوز ذلك إطلاقاً دون إشراف طبي، فهو دواء يخفض هرموناً حيوياً وله استخدامات محددة وآثار جانبية، ومن يعاني من ذكريات مؤلمة مستمرة ينبغي أن يراجع طبيباً نفسياً أو معالجاً مختصاً.
متى ينبغي طلب المساعدة النفسية؟
عندما تؤثر الذكريات المؤلمة في النوم أو العمل أو العلاقات لفترة طويلة، أو تصاحبها أعراض مثل الكوابيس المتكررة والتجنب والقلق الشديد، فإن استشارة مختص خطوة مهمة، وطلب المساعدة علامة وعي لا ضعف.
لماذا نتذكر المواقف المؤلمة أكثر من غيرها؟
لأن الدماغ يمنح الأحداث المشحونة عاطفياً أولوية في التسجيل بمشاركة اللوزة الدماغية وهرمونات التوتر، وهي آلية يُعتقد أنها نشأت لحماية الإنسان من تكرار التعرض للخطر.
خلاصة
تكشف الدراسة الكندية عن الميتيرابون جانباً من الأبحاث الساعية إلى فهم العلاقة بين هرمونات التوتر والذاكرة العاطفية، وتفتح باباً لاحتمالات علاجية مستقبلية. لكنها تبقى خطوة أولى محدودة، والعلاجات النفسية المعتمدة هي الطريق الأساسي حالياً للتعامل مع آثار الصدمات، مع ضرورة عدم استخدام أي دواء إلا بإشراف طبي. ويبقى الأمل معقوداً على أن تسهم الأبحاث القادمة في تطوير علاجات أكثر فعالية وأماناً لمن يعانون آثار التجارب القاسية.
.png)
