تحمل قصة مساعدة الأخرين التي نرويها هنا معنى جميلًا يتكرر في تجارب كثير من الناس، وهو أن المعروف لا يضيع، وأن اللطف الذي نقدمه دون انتظار مقابل قد يعود إلينا في وقت لا نتوقعه. فبطل الحكاية شاب بسيط لم يكن يملك واسطة ولا مالًا، لكنه امتلك قلبًا طيبًا.
بعد سرد أحداث القصة، نتوقف في هذه الصفحة عند قيمة العطاء في الإسلام، وما تقوله أبحاث علم النفس عن أثر مساعدة الناس في سعادة الإنسان، وأفكار عملية لتعويد الأبناء على هذا الخلق.
أحداث القصة
بسم الله الرحمن الرحيم ،،
وذهب حسب الموعد وأبلغ موظف الإستعلامات بإسمه فقال له الأخير وهو ينهض إحتراماً: أهلاً وسهلاً ياسيد سعيد، شرفتنا يا سيد سعيد، تفضل لأوصلك إلى غرفة رئيس مجلس الإدارة، ضحك سعيد وقال للرجل: يا صديقي أنت قد خلطت بيني وبين شخص آخر!! أنا مجرد شخص بسيط طالب وظيفة!، سأله الرجل: ألست الأستاذ سعيد أحمد فريد ؟! وعندك موعد الساعة الخامسة؟! أجاب سعيد : نعم أنا هو !! فقال الرجل مبتسماً: إذا أنا لست مخطأ ياسيدى وموعدك مع السيد رئيس مجلس الإدارة الذي أوصانا باستقبالك بحفاوة تليق بمقامك، ذهب سعيد مع الموظف وهو مشدوه فدخل إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة الفخم وما أن عرف موظف الإستعلامات عنه حتى نهض جميع من في المكتب إحتراماً له،، لم يصدق سعيد ما يرى ولم يفهم مالذي يحدث وكان متيقناً أن هناك إلتباساً قد حصل وسرعان ماسيدرك الجميع هذا الإلتباس وسيطرد شر طردة،، فلو كان إبن وزير لما أستقبل بهذه الحفاوة..
فمد يده في جيبه وأخرج محفظته وأخرج منها كل مافيها من نقود وأعطانى إياها، إستغربت وأخبرته أني لا أستطيع قبولها ولكن بعد إصراره الشديد أخذتها وسألته كيف أردها لك؟! فأخبرني أنه لايريدها ولكن إذا من الله عليّ فيجب أن أجعلها صدقة جارية وأن أساعد كل يوم شخصاً محتاجاً دون أن أعرف من هو، فقلت له أخبرني إسمك على الأقل فقال لي أن إسمه أحمد فريد، ويلقبونه أصدقائه بأبو سعيد، وعندما تركته وذهبت وجدت أنه نسي صورة له بين النقود فإحتفظت بها كذكرى عن هذا الرجل الكريم،، و مضيت إلى المدينة وتوظفت وترقيت وأسست شركتي الخاصة، وإزدهرت أعمالي وبحثت عن والدك في كل مكان فلم أجده، وأقسمت أن أحفظ أمانته ماحييت ومن يومها وأنا أساعد كل يوم شخصاً لا أعرفه فتارة أجلس في محطات الباص وتارة في المساجد وتارة في المستشفيات، ويشهد الله أنه لم يمض يوم واحد إلا وقد ساعدت محتاجا، وكلما شكرني قلت له عليك أن تشكر أبو سعيد فلولاه لما كنت قادراً على مساعدتك، فاعلم ياولدي أن المرحوم أباك شريك لي في كل خير عملته وكل صدقة أعطيتها!!
دمعت عين سعيد وقال: رحم الله والدي كان دوماً يحضني على مساعدة الآخرين ويقول لي ياولدي ساعد خلق الله فيجزيك خالقهم عنك خير جزاء في حياتك أو مماتك أو أولادك من بعدك، ولا تستخف بأي عمل خير مهما صغر، فقد يغير حياة إنسان دون أن تدري، نهض الثري وعيناه تدمع هو الآخر وقال: والله إني لم أفحص طلب توظيف لأي أحد بنفسي منذ عشرين سنة ولدي أشخاص معنيين بذلك إلا أن هاجزاً دفعني أن أطلب من المدير كل ملفات التوظيف الجديدة وأنا نفسي لا أدري لماذا، وأخذت أتفحصها واحداً واحداً،، وما أن وقعت عيني على صورتك حتى عرفتك فوراً، فأنت صورة طبق الأصل عن المرحوم والدك والحمد لله أني سأستطيع أن أرد جميله وفضله، واعلم أنك قد تعينت عندي وفي مكتبي الخاص، وسأحرص على أن أجعل منك إنساناً ناجحاً يفخر بك المرحوم والدك ..
قيمة العطاء في الإسلام
يحتل قضاء حوائج الناس مكانة عظيمة في التعاليم الإسلامية، فقد حث القرآن الكريم على التعاون على البر والتقوى، ووصف المؤمنين بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم حاجة. ووردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تبين أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وأن تفريج كربة المسلم سبب لتفريج كرب صاحبه يوم القيامة.
صور متعددة للمعروف
- مساعدة المحتاج بالمال أو الطعام أو الكساء.
- بذل الجاه والشفاعة الحسنة لقضاء مصالح الناس.
- تقديم النصيحة والمشورة الصادقة.
- إماطة الأذى عن الطريق وإرشاد الضال.
- الكلمة الطيبة والابتسامة في وجه الآخرين.
ماذا يقول علم النفس؟
تشير دراسات في علم النفس الإيجابي إلى أن الأشخاص الذين يساعدون غيرهم بانتظام يشعرون في الغالب بقدر أكبر من الرضا والمعنى في حياتهم. ويطلق بعض الباحثين على الشعور الدافئ الذي يعقب العطاء اسم نشوة المساعد. كما تربط أبحاث أخرى بين التطوع والعلاقات الاجتماعية الداعمة وتحسن الحالة النفسية، مع التنبيه إلى أن هذه النتائج ارتباطية في كثير منها ولا تعني أن العطاء علاج لكل مشكلة.
لماذا يسعدنا العطاء؟
- لأنه يعزز إحساس الإنسان بقيمته وقدرته على التأثير.
- لأنه يقوي الروابط مع الآخرين ويقلل الشعور بالعزلة.
- لأنه يصرف الذهن عن الهموم الشخصية مؤقتًا.
- لأنه ينسجم مع القيم الأخلاقية التي يؤمن بها المرء.
دروس من الحكاية
التوكل لا يعني التواكل
تذكر سعيد وصية أبيه بالتوكل على الله، لكنه لم يجلس في بيته منتظرًا، بل قدّم أوراقه وذهب إلى المقابلة وبذل ما في وسعه، ثم رضي بما قسمه الله.
الإحسان دون انتظار مقابل
لم يساعد بطل القصة غيره طمعًا في وظيفة أو منصب، بل فعل ذلك بدافع إنساني خالص، فكانت النتيجة أجمل مما توقع.
الأخلاق رأس مال حقيقي
في عالم يكثر فيه الحديث عن الواسطة والمحسوبية، تذكّرنا القصة بأن السمعة الطيبة والأخلاق الحسنة قد تفتح أبوابًا لا تفتحها الشهادات وحدها.
كيف نربي أبناءنا على المساعدة؟
- أن يكون الوالدان قدوة عملية في مساعدة الجيران والأقارب.
- إشراك الأطفال في أعمال تطوعية بسيطة تناسب أعمارهم.
- مدح السلوك الإيجابي عند حدوثه وتشجيعه.
- قراءة القصص التي تحمل قيم الإيثار والرحمة ومناقشتها معهم.
أسئلة شائعة
هل يجب أن أساعد كل من يطلب مني؟
العطاء محمود، لكن ينبغي أن يكون بحكمة، فلا يضر الإنسان بنفسه أو بمن يعول، ولا يساعد على باطل.
هل للمعروف الصغير قيمة؟
نعم، فقد حثت النصوص على عدم احتقار أي معروف ولو كان كلمة طيبة أو ابتسامة.
كيف أبدأ في العمل التطوعي؟
يمكن البدء بالجمعيات الخيرية الموثوقة في الحي، أو المبادرات المدرسية والجامعية، أو مساعدة كبار السن في المحيط القريب.
خلاصة
تعلّمنا حكاية سعيد أن الخير يعود إلى أهله، وأن الإنسان قد يجني ثمرة معروف قدمه وهو لا يتذكره. ومع ما تقرره التعاليم الإسلامية وتؤكده تجارب الناس، يبقى مد يد العون للآخرين طريقًا إلى رضا الله وسعادة النفس وبناء مجتمع متراحم.

