يقضي الإنسان نحو ثلث عمره نائمًا، ومع ذلك ظل الرقاد لقرون طويلة لغزًا غامضًا، حتى أتاحت أجهزة تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ للعلماء أن يراقبوا ما يحدث في أثناء الليل. ومن هنا نشأ تقسيم مراحل النوم وفق إشارات الدماغ وحركة العينين ونشاط العضلات.
بعد عرض التقسيم الذي يقدمه المقال، نشرح في هذا الموضوع كيف تطور تصنيف مراحل النوم، والتقسيم الحديث المعتمد اليوم، والدورات الليلية المتعاقبة، ووظائف كل مرحلة، والعوامل التي تؤثر في جودة النوم، مع نصائح عملية لنوم صحي وأبرز اضطراباته الشائعة.
مراحل النوم كما يرصدها تخطيط الدماغ
- مرحلة التيقظ او النعاس وهي المرحلة التي يكون فيها الانسان شبه نائم اي بين الاستيقاظ والنوم ، تتحرك العيون ببطْ ، ويتم احياناً في مثل هذه المرحلة الاحساس بالسقوط نتيجة الحركة المفاجئة للسيقان.
- النوم الخفيف وتتوقف حركة العينين فيها ، تتباطئ نبضات القلب ، تنخفض حرارة الجسم ، تتباطئ موجات الدماغ.
- النوم العميق 1 وهنا تتباطئ موجات الدماغ ،وتتكون من موجات (20%،40%DELTA) واخرى اسرع ، يصعب الايقاظ في هذه المرحلة وعند الاستيقاظ يحدث ارتباك لبعض الدقائق .
- النوم العميق 2 يصعب في هذه المرحلة الايقاظ ( تتباطئ الموجات اكثر من 50%DELTA) .
- مرحلة حركة العينين السريعة ، وهي المرحلة التي تحدث بها الاحلام ، وترتج العين فيها بسرعة تحت الجفون ، يزداد بغير انتظام التنفس وضربات القلب تصبح اسرع ، ويزداد الضغط دون حركة من العضلات.
كيف يدرس العلماء النوم؟
يعتمد العلماء في دراسة هذه الحالة على فحص يسمى تخطيط النوم المتعدد، يجري عادة في مختبر خاص للنوم، حيث توضع على رأس الشخص أقطاب لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ، وأخرى حول العينين لتسجيل حركتهما، وثالثة على الذقن لقياس توتر العضلات، إضافة إلى أجهزة لمراقبة التنفس ونبض القلب ونسبة الأكسجين في الدم وحركة الساقين. ومن خلال قراءة هذه الإشارات معًا يحدد المختصون المرحلة التي يمر بها النائم في كل لحظة.
ويظهر نشاط الدماغ في التخطيط على شكل موجات تختلف في سرعتها وارتفاعها، فالموجات السريعة منخفضة الارتفاع تميز اليقظة والانتباه، بينما تزداد الموجات بطئًا وارتفاعًا كلما تعمق النوم، وأبطؤها الموجات التي تسمى موجات دلتا، وهي التي أشار إليها المقال في حديثه عن الطور العميق.
تطور تصنيف مراحل النوم
اعتمد الباحثون لعقود على تصنيف وضعه الباحثان ريشتشافن وكيلز في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وكان يقسمه إلى أربع مراحل من النوم غير المصحوب بحركة العينين السريعة، إضافة إلى مرحلة حركة العينين السريعة، وهو قريب من التقسيم الذي يعرضه المقال. ثم أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب النوم دليلًا محدثًا في عام 2007، دمج المرحلتين الثالثة والرابعة في مرحلة واحدة تسمى النوم العميق أو نوم الموجات البطيئة، لأن الفروق بينهما لم تكن ذات أهمية سريرية كبيرة.
التقسيم الحديث المعتمد اليوم
- المرحلة الأولى: مرحلة انتقالية قصيرة بين اليقظة والنوم، يسهل فيها الاستيقاظ، وقد يشعر فيها الإنسان بارتعاشات مفاجئة أو إحساس بالسقوط.
- المرحلة الثانية: نوم خفيف تشغل نسبة كبيرة من الليل لدى البالغين، وتظهر فيها في تخطيط الدماغ أنماط مميزة تسمى المغازل النومية والمركبات الكافية، ويُعتقد أن لها دورًا في تثبيت بعض أنواع الذاكرة.
- المرحلة الثالثة: الطور العميق الذي تسوده موجات دلتا البطيئة، ويصعب فيه الإيقاظ، ومن يُوقظ خلاله قد يشعر بالارتباك والثقل لدقائق.
- نوم حركة العينين السريعة: مرحلة يصبح فيها نشاط الدماغ قريبًا من اليقظة، وتتحرك العينان بسرعة تحت الجفنين، وترتخي معظم عضلات الجسم ارتخاءً شبه تام، وتكثر فيها الأحلام الحية.
الدورات الليلية المتعاقبة
لا يمر الإنسان بهذه المراحل مرة واحدة بالترتيب ثم يستيقظ، بل يتنقل بينها في دورات متكررة، تستغرق الدورة الواحدة في المتوسط نحو تسعين دقيقة، مع اختلاف من شخص لآخر ومن دورة لأخرى. ويمر النائم البالغ عادة بأربع إلى ست دورات في الليلة الواحدة.
ومن الملاحظات المهمة أن الطور العميق يتركز في النصف الأول من الليل، بينما تطول فترات نوم حركة العينين السريعة في النصف الثاني منه، قرب الصباح. ولهذا فإن تقصير ساعات الراحة بالاستيقاظ المبكر جدًا قد يحرم الإنسان من جزء كبير من مرحلة الأحلام، بينما يؤثر السهر المتأخر في الطور العميق الذي يحتاجه الجسم للتعافي.
وظائف كل مرحلة
الطور العميق والتعافي الجسدي
يرتبط الطور العميق بحسب ما تشير إليه الأبحاث بعمليات التعافي الجسدي، وإفراز هرمون النمو، وتقوية الجهاز المناعي، كما يرتبط بتثبيت بعض أنواع الذاكرة والمعلومات المكتسبة خلال النهار. ويحصل الأطفال والمراهقون على نسبة أكبر من الطور العميق مقارنة بكبار السن، وتقل هذه النسبة تدريجيًا مع التقدم في العمر.
نوم حركة العينين السريعة والعقل
يعتقد كثير من الباحثين أن هذه المرحلة تؤدي دورًا في معالجة العواطف، وتنظيم الذكريات، وتعلم المهارات، والإبداع، وإن كانت وظائفها الدقيقة لا تزال موضع بحث. أما ارتخاء العضلات فيها فيُفسَّر بأنه آلية تمنع الإنسان من تنفيذ حركات أحلامه فعليًا.
عوامل تؤثر في جودة الراحة الليلية
- الساعة البيولوجية: وهي نظام داخلي يتأثر بالضوء والظلام، وينظم أوقات النعاس واليقظة.
- الضوء الصادر عن الشاشات: الذي قد يؤخر الشعور بالنعاس إذا استُخدمت الأجهزة قبل الخلود إلى الفراش مباشرة.
- الكافيين: الموجود في القهوة والشاي ومشروبات الطاقة، ويمتد أثره ساعات عدة بعد تناوله.
- الوجبات الثقيلة: قبل الخلود إلى الفراش مباشرة، خاصة الدسمة والحارة.
- القلق والتوتر: اللذان يصعبان الإغفاء ويزيدان الاستيقاظ الليلي.
- بيئة غرفة النوم: من حيث الحرارة والإضاءة والضوضاء وراحة الفراش.
- العمل بنظام المناوبات: الذي يربك الساعة البيولوجية.
كم ساعة يحتاج الإنسان من النوم؟
تختلف الحاجة إلى الراحة الليلية باختلاف العمر، فالرضع يحتاجون إلى ساعات طويلة جدًا، ويحتاج الأطفال والمراهقون إلى نوم أطول من البالغين. أما البالغون فتوصي الهيئات المختصة بأن يحصلوا على سبع ساعات أو أكثر في الليلة بانتظام. ولا يتعلق الأمر بعدد الساعات فقط، بل بجودته وانتظام مواعيده أيضًا.
نصائح لنوم صحي
- حافظ على مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، حتى في أيام العطل.
- اجعل غرفة النوم مظلمة وهادئة ومعتدلة الحرارة.
- ابتعد عن الشاشات قبل الذهاب إلى الفراش بفترة كافية.
- قلل الكافيين في ساعات ما بعد الظهر والمساء.
- مارس النشاط البدني بانتظام، مع تجنب التمارين الشاقة قبل الخلود إلى الفراش مباشرة.
- تعرض لضوء النهار في الصباح لتنظيم الساعة البيولوجية.
- إذا لم تستطع الإغفاء بعد مدة، فانهض وافعل شيئًا هادئًا ثم عد إلى الفراش عند الشعور بالنعاس.
أجهزة تتبع النوم المنزلية
انتشرت في السنوات الأخيرة الساعات الذكية والأساور وتطبيقات الهاتف التي تقدر مراحل النوم اعتمادًا على حركة الجسم ونبض القلب، وتعرض للمستخدم رسومًا بيانية عن نومه العميق والخفيف ونوم الأحلام. وهذه الأجهزة مفيدة في ملاحظة العادات العامة، كمواعيد الرقاد ومدته، لكن دقتها في تحديد المراحل أقل من تخطيط النوم في المختبر، لأنها لا تقيس نشاط الدماغ مباشرة. ولذلك يُنصح بعدم القلق الزائد من أرقامها، والرجوع إلى الطبيب عند وجود أعراض حقيقية.
اضطرابات النوم الشائعة
من أشهرها الأرق، وهو صعوبة الإغفاء أو الاستمرار فيه، وانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم الذي يرتبط غالبًا بالشخير الشديد والتوقف المتكرر للتنفس، ومتلازمة تململ الساقين، والخدار أو النوم القهري. ويُنصح بمراجعة الطبيب إذا استمرت مشكلات النوم، أو صاحبها نعاس شديد في النهار، أو لاحظ أحد أفراد الأسرة توقف التنفس ليلًا.
أسئلة شائعة
لماذا أشعر بالسقوط عند بداية النوم؟
هي ظاهرة شائعة تسمى الارتعاش النومي، تحدث في المرحلة الانتقالية بين اليقظة والنوم، وغالبًا ما تكون طبيعية وغير مقلقة.
هل نحلم في كل مراحل النوم؟
تكثر الأحلام الحية والقصصية في مرحلة حركة العينين السريعة، لكن قد تحدث أحلام أو أفكار أقل وضوحًا في المراحل الأخرى أيضًا.
هل القيلولة مفيدة؟
القيلولة القصيرة قد تحسن اليقظة والتركيز لدى كثيرين، أما الطويلة أو المتأخرة في النهار فقد تؤثر في نوم الليل لدى بعض الأشخاص.
أخطاء شائعة تفسد جودة الرقاد
يقع كثير من الناس في عادات يومية تخل بتسلسل المراحل دون أن ينتبهوا، ومن أبرزها السهر المتقطع في عطلة نهاية الأسبوع ثم محاولة تعويضه بالنوم الطويل، والاعتماد على المنبهات في ساعات المساء، واستعمال الهاتف في السرير حتى لحظة الإغفاء. كما أن الأكل الثقيل قبيل الرقاد قد يسبب اضطرابًا في الهضم يقطع الطور العميق. والقاعدة العامة أن الانتظام في مواعيد الخلود إلى الفراش والاستيقاظ أهم من عدد الساعات وحده، لأن الساعة البيولوجية تعمل على أفضل وجه حين تستقر على إيقاع ثابت.
خلاصة
كشفت أجهزة تخطيط الدماغ أن الرقاد ليس حالة واحدة ساكنة، بل رحلة منظمة تمر بمراحل متعددة تتكرر في دورات خلال الليل، وقد تطور تصنيفها من خمس مراحل إلى أربع في التقسيم الحديث. ولكل مرحلة وظائف مهمة للجسم والعقل، والحفاظ على نوم كافٍ ومنتظم من أهم أسس الصحة الجسدية والنفسية.
.png)
