كلمة ابركادبرا (Abracadabra) من أشهر الكلمات المرتبطة بالسحر في الثقافة العالمية، يرددها السحرة في عروض الخفة كما يرددها الأطفال في ألعابهم. ويعرض المقال الأصلي ما قيل عن أصلها وارتباطها بشخصية أبراكساس، وفي هذه الإضافة نتتبع تاريخ الكلمة في المصادر القديمة، ونشرح شكلها المثلثي الشهير، ونعرف بأبراكساس في الفكر الغنوصي، ونتحدث عن تحولها إلى رمز في فنون الخداع البصري والأدب والسينما، مع موقف عام من التمائم، وأسئلة شائعة وخلاصة.
أصل الكلمة وصلتها بأبراكساس
أقدم ذكر معروف للكلمة
يعود أقدم توثيق معروف لكلمة أبراكادابرا إلى قصيدة طبية لاتينية تعرف باسم كتاب الطب، تنسب إلى الطبيب الروماني سيرينوس سامونيكوس الذي عاش في أواخر القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الميلادي تقريباً. وقد وصف فيها طريقة لعلاج الحمى، يرجح أنها حمى الملاريا، تقوم على كتابة الكلمة على قطعة من الرق أو الورق وتعليقها في عنق المريض. وهذا يبين أن الكلمة استخدمت في بدايتها ضمن الطب الشعبي القائم على التمائم، قبل أن تتحول إلى لفظ يرتبط بعروض السحر.
الشكل المثلثي للتعويذة
كانت الكلمة تكتب في شكل مثلث مقلوب، بحيث تكتب كاملة في السطر الأول، ثم يحذف منها حرف في كل سطر تال حتى يبقى حرف واحد في الأسفل. وكان المعتقد السائد عند من استخدموها أن المرض يتناقص ويضعف كما تتناقص حروف الكلمة. وهذه الفكرة تعكس نمطاً معروفاً في السحر الشعبي القديم يربط بين الشكل المكتوب والأثر المرجو، وهو نمط لا يستند بطبيعة الحال إلى أي أساس علمي.
نظريات حول أصل الكلمة
لا يوجد اتفاق بين الباحثين على أصل الكلمة، وتتعدد الآراء التي تطرح في الموسوعات وكتب تاريخ اللغة، ومن أبرزها:
- الأصل الآرامي: ويربطها بعبارة تعني تقريباً أنا أخلق كما أتكلم، أو ما في معناها، وهو التفسير الأكثر تداولاً في الكتابات الشعبية.
- الأصل العبري: ويربطها بكلمات عبرية تشير إلى الأب والابن والروح، أو بعبارات أخرى، وهو تفسير يضعفه بعض اللغويين.
- الصلة بأبراكساس: إذ يرى بعضهم أنها تحريف لاسم أبراكساس الذي كان ينقش على التمائم القديمة.
- الكلمة الصوتية: ويرى فريق آخر أنها كلمة مصطنعة اختيرت لإيقاعها الصوتي المميز وغرابتها، شأنها شأن كثير من ألفاظ التعاويذ.
ويحسن بالقارئ أن يتعامل مع هذه التفسيرات بوصفها فرضيات، لأن الأدلة اللغوية المباشرة محدودة، ولأن الكلمات السحرية كثيراً ما تتعرض للتحريف عبر الأجيال.
من هو أبراكساس؟
أبراكساس، ويكتب أيضاً أبراساكس، اسم ورد في بعض مذاهب الغنوصية، وهي تيارات دينية فلسفية انتشرت في القرون الأولى للميلاد في حوض المتوسط، وكانت تقوم على فكرة المعرفة الباطنية الخلاصية. وتذكر المصادر أن الغنوصي باسيليدس في الإسكندرية جعل أبراكساس اسماً لقوة عليا في منظومته الكونية. وقد لاحظ القدماء أن مجموع القيم العددية لحروف الاسم في الحساب اليوناني يساوي ثلاثمئة وخمسة وستين، أي عدد أيام السنة، فربطوا الاسم بالزمن والسماوات.
أحجار أبراكساس
عثر الأثريون على عدد كبير من الأحجار الكريمة والتمائم المنقوشة التي تسمى أحجار أبراكساس، وتصور كائناً مركباً برأس ديك وجسم إنسان وساقين على شكل حيتين، يحمل درعاً وسوطاً. ويختلف الباحثون في تفسير هذا الرمز، كما يختلفون في مدى ارتباط هذه التمائم بالغنوصيين أنفسهم أو بالسحر الشعبي العام في ذلك العصر.
كيف تحول إلى شيطان؟
مع انتشار المسيحية وتراجع الغنوصية، صنف كتاب أوروبيون لاحقون كثيراً من الشخصيات الوثنية والغنوصية ضمن الشياطين، فظهر أبراكساس في بعض كتب علم الشياطين في العصور الوسطى وعصر النهضة بصورة كائن شرير. وفي القرن العشرين كتب عنه عالم النفس السويسري كارل يونغ في نص رمزي، كما ظهر في رواية دميان للأديب هرمان هيسه رمزاً لإله يجمع الخير والشر.
الكلمة في التاريخ الأوروبي اللاحق
ظلت الكلمة تستخدم في أوروبا تميمة ضد الأمراض قروناً طويلة، ويذكر أن بعض الناس لجأوا إليها في أوقات الأوبئة، وقد أشار الروائي الإنجليزي دانيال ديفو إلى انتشار مثل هذه التمائم في كتابه عن طاعون لندن. ومع تقدم الطب الحديث تراجعت هذه الممارسات، وتحولت الكلمة شيئاً فشيئاً إلى لفظ يستعمل على سبيل المزاح أو التسلية.
أليستر كراولي والتنويع على الكلمة
استخدم الكاتب البريطاني أليستر كراولي، المعروف بكتاباته في التنجيم والسحر، صيغة معدلة من الكلمة في كتاباته الرمزية، وأعطاها دلالات خاصة بمنظومته الفكرية، وهو ما أسهم في حضورها في أدبيات الحركات الباطنية الحديثة.
من التميمة إلى خشبة المسرح
في العصر الحديث صارت أبراكادابرا كلمة السر التقليدية لسحرة المسرح، أي فناني الخدع البصرية وخفة اليد، يقولونها لحظة ظهور الأرنب من القبعة أو اختفاء المنديل. ويدرك الجمهور اليوم أن هذه العروض فن ترفيهي قائم على المهارة وتوجيه الانتباه والأدوات المصممة بذكاء، لا على قوى خارقة. وتشبهها في هذا الدور عبارات أخرى مثل هوكس بوكس في الإنجليزية، وعبارة افتح يا سمسم الشهيرة في حكاية علي بابا من ألف ليلة وليلة.
الكلمة في الثقافة الشعبية
- تظهر في أفلام الرسوم المتحركة وكتب الأطفال بوصفها كلمة سحرية مرحة.
- استخدمت عنواناً لأغان وأعمال فنية متعددة.
- يرى كثير من القراء صدى لها في التعاويذ الخيالية التي تظهر في روايات الفانتازيا الحديثة.
- تستخدم مجازاً في الكلام اليومي للدلالة على حل سريع يبدو كأنه سحر.
موقف عام من التمائم والتعاويذ
تقف الأديان السماوية عموماً موقفاً ناقداً من الاعتماد على التمائم والطلاسم لجلب النفع أو دفع الضر، وقد حذر علماء المسلمين من تعليق التمائم التي تحتوي على كلمات مجهولة المعنى أو طلاسم، وأكدوا أن الشفاء بيد الله وأن الأخذ بالأسباب المشروعة كالتداوي واجب. كما أن الطب الحديث يؤكد أن علاج الأمراض، ومنها الملاريا التي ارتبطت بها الكلمة قديماً، يكون بالتشخيص الصحيح والأدوية الفعالة والوقاية من البعوض.
الكلمات السحرية في الثقافات المختلفة
لا تنفرد أبراكادابرا بهذه المكانة، فلكل ثقافة تقريباً ألفاظ ارتبطت في المخيلة الشعبية بالسحر والغموض. ففي التراث العربي نجد في الحكايات الشعبية عبارات تفتح الكنوز وتستدعي الجن، وفي الحكايات الأوروبية كلمات يرددها السحرة والساحرات في القصص الخرافية. ويلاحظ دارسو الفولكلور أن هذه الألفاظ تشترك غالباً في سمات متشابهة، منها الإيقاع المتكرر، والغرابة الصوتية، والغموض في المعنى، وكأن غموض الكلمة جزء من هيبتها. كما أن تكرارها في الحكايات يرسخها في الذاكرة الجماعية، فتنتقل من جيل إلى جيل حتى بعد أن تفقد صلتها بالمعتقدات الأصلية.
ويرى بعض الباحثين أن هذه الألفاظ تؤدي في الحكايات وظيفة سردية واضحة، فهي تعلن لحظة التحول وتنقل المستمع من العالم المألوف إلى عالم العجائب.
أسئلة شائعة
ما معنى كلمة أبراكادابرا؟
لا يوجد معنى مؤكد لها، وتطرح لها تفسيرات آرامية وعبرية وأخرى تربطها باسم أبراكساس، ويرى بعض الباحثين أنها كلمة صوتية مصطنعة.
متى ظهرت الكلمة لأول مرة؟
أقدم ذكر معروف لها في قصيدة طبية لاتينية منسوبة إلى سيرينوس سامونيكوس في حدود القرنين الثاني والثالث الميلاديين.
هل لأبراكساس علاقة بالآلهة المصرية؟
يربط بعض الكتاب صورته بالرموز المصرية والإغريقية التي امتزجت في الإسكندرية، لكن الأدق أنه اسم ظهر في الفكر الغنوصي والتمائم في العصر الروماني.
خلاصة
بدأت كلمة أبراكادابرا رحلتها تميمة مكتوبة على شكل مثلث لعلاج الحمى في العصر الروماني، وتعددت النظريات حول أصلها وصلتها بأبراكساس الغنوصي، ثم انتقلت عبر القرون من الطب الشعبي إلى كتب علم الشياطين، وأخيراً إلى خشبة مسرح الخدع البصرية وثقافة الأطفال. وهي اليوم مثال لافت على كيف تتغير دلالات الكلمات عبر التاريخ.
.png)

