يلاحظ كثير من الناس أن بعض أصدقائهم يأكلون بكميات كبيرة دون أن يزداد وزنهم، بينما يكتسب آخرون الوزن بسهولة رغم الحرص الشديد. وتثير ظاهرة النحافة الدائمة رغم الأكل الكثير تساؤلات حول دور الأيض والوراثة والنشاط اليومي والهرمونات في تحديد وزن الجسم.
بعد عرض فكرة معدل الأيض والوزن الذي يستقر عنده الجسم، نتناول في هذا المقال مكونات الطاقة التي يحرقها الإنسان يوميًا، ودور الجينات، والحالات الطبية التي قد تسبب النحافة، ونصائح لمن يرغب في زيادة وزنه بطريقة صحية، مع تصويب بعض المعتقدات الشائعة.
سر الأيض ووزن الجسم المفضل

إعــرف الســـــر: لماذا مهما أكل البعض يبقوا نحفاء!!
أين تذهب السعرات الحرارية؟
يستهلك الجسم الطاقة التي يحصل عليها من الطعام في عدة مسارات، ومجموعها يحدد ما إذا كان الوزن سيزداد أو ينقص أو يستقر:
- معدل الأيض الأساسي: وهو الطاقة اللازمة للوظائف الحيوية في حالة الراحة، كالتنفس وضخ الدم وعمل الدماغ وتجديد الخلايا، ويمثل الجزء الأكبر من الاستهلاك اليومي لدى معظم الناس.
- الأثر الحراري للطعام: طاقة يحرقها الجسم في هضم الطعام وامتصاصه، وتكون أعلى نسبيًا عند تناول البروتين.
- النشاط البدني المقصود: كالرياضة والمشي المنظم.
- النشاط غير الرياضي: ويشمل كل الحركات اليومية الصغيرة، كالوقوف والتنقل في البيت وتحريك الأطراف والتململ، وقد يختلف كثيرًا بين شخص وآخر.
لغز الحركة الخفية
يرى بعض الباحثين أن النشاط غير الرياضي قد يفسر جزءًا من الفروق بين من يكتسبون الوزن بسهولة ومن لا يكتسبونه، فبعض الناس يتحركون تلقائيًا أكثر عندما يأكلون كثيرًا، فيحرقون جزءًا من الفائض دون أن يشعروا. ولهذا قد يبدو الشخص النحيف كسولًا، لكنه في الواقع يتحرك طوال اليوم بطريقة غير ملحوظة.
نظرية الوزن المرجعي
ما أشار إليه المقال من وجود وزن يستقر عنده الجسم يعرف في الأدبيات العلمية بنظرية نقطة الضبط، ومفادها أن الجسم يحاول الدفاع عن نطاق معين من الوزن عبر تعديل الشهية ومعدل استهلاك الطاقة. فعند إنقاص الوزن بشدة قد تزداد الشهية ويقل الاستهلاك، وعند الإفراط في الأكل قد يحدث العكس لدى بعض الأشخاص. وتبقى هذه النظرية محل نقاش، ويرى كثير من الباحثين أن هذا النطاق ليس ثابتًا، بل يتأثر بالبيئة ونمط الحياة على المدى الطويل.
دور الوراثة
تشير دراسات التوائم والعائلات إلى أن الجينات تؤدي دورًا مهمًا في تحديد الوزن وتوزيع الدهون والشهية، فبعض الناس يرثون ميلًا إلى النحافة، وآخرون يرثون ميلًا إلى زيادة الوزن. لكن الوراثة لا تعمل وحدها، بل تتفاعل مع الغذاء والنشاط والنوم والضغوط النفسية، ولهذا قد يختلف وزن الأخوين رغم تشابه جيناتهما بسبب اختلاف أسلوب حياتهما.
متى تكون النحافة علامة على مشكلة صحية؟
النحافة الطبيعية التي يعيشها الشخص منذ صغره مع صحة جيدة ونشاط طبيعي لا تدعو للقلق غالبًا، لكن فقدان الوزن المفاجئ أو العجز عن اكتسابه رغم الأكل قد يكون علامة على حالة تحتاج إلى فحص، ومن ذلك:
- فرط نشاط الغدة الدرقية: يرفع معدل الأيض ويصاحبه غالبًا خفقان وتعرق ورجفة وعصبية.
- داء السكري غير المنضبط: قد يسبب فقدان الوزن مع عطش شديد وكثرة التبول.
- مشكلات الامتصاص: مثل الداء الزلاقي وأمراض الأمعاء الالتهابية.
- الطفيليات المعوية: خاصة لدى الأطفال.
- العوامل النفسية: كالقلق والاكتئاب واضطرابات الأكل.
ولذلك يُنصح بمراجعة الطبيب عند فقدان الوزن دون سبب واضح، أو إذا صاحبت النحافة أعراض أخرى كالتعب الشديد أو الإسهال المزمن أو اضطراب الدورة الشهرية لدى النساء.
الهرمونات والشهية
تنظم الشهية شبكة معقدة من الهرمونات والإشارات العصبية، فهرمون الغريلين الذي تفرزه المعدة يرتبط بالإحساس بالجوع، وهرمون اللبتين الذي تفرزه الخلايا الدهنية يرسل إلى الدماغ إشارات عن مخزون الطاقة، إضافة إلى هرمونات أخرى تفرزها الأمعاء بعد الأكل وتمنح الشعور بالشبع. ويختلف الناس في حساسيتهم لهذه الإشارات، فبعضهم يشعر بالشبع سريعًا ويتوقف عن الأكل تلقائيًا، حتى لو بدا للآخرين أنه يأكل كثيرًا في وجبة معينة. ومن هنا ينشأ وهم شائع، إذ نرى الصديق النحيف يأكل طبقًا كبيرًا في مناسبة ما، ولا نرى أنه قد يأكل قليلًا في بقية اليوم.
العمر وتغير الأيض
يلاحظ كثيرون أن قدرتهم على الأكل دون زيادة الوزن تتراجع مع التقدم في العمر، ويعزى ذلك جزئيًا إلى تراجع الكتلة العضلية وانخفاض النشاط البدني مع تغير نمط الحياة، كالانتقال إلى العمل المكتبي. ولذلك فإن النحافة في سن الشباب لا تضمن بقاءها مدى الحياة، والعادات الصحية تبقى مهمة للجميع.
تصويب بعض المعتقدات
- الإفطار: يفيد كثيرين في تنظيم الشهية، لكن الأبحاث الحديثة لم تحسم أنه يرفع معدل الأيض بشكل ملحوظ، والأهم هو جودة الطعام وكميته الإجمالية خلال اليوم.
- القهوة والشاي الأخضر: قد يرفع الكافيين استهلاك الطاقة بقدر بسيط ومؤقت، ولا يعد وسيلة فعالة وحدها للتحكم في الوزن.
- النحيف صحي دائمًا: ليس بالضرورة، فالنحيف قد يعاني من ضعف العضلات أو نقص التغذية أو ارتفاع الدهون في الدم إذا كان غذاؤه سيئًا.
نصائح لزيادة الوزن بطريقة صحية
يحتاج من يرغب في اكتساب بعض الكيلوغرامات إلى خطة تدريجية تقوم على زيادة معتدلة في الطاقة اليومية مع الحفاظ على جودة الغذاء، ويفضل أن يكون ذلك بمساعدة اختصاصي تغذية يحدد الاحتياجات بحسب العمر والنشاط والحالة الصحية.
- تناول وجبات منتظمة مع وجبات خفيفة مغذية بينها، كالمكسرات والتمر والزبادي.
- إضافة مصادر طاقة صحية للأطباق، مثل زيت الزيتون والأفوكادو والطحينة.
- الحرص على البروتين في كل وجبة، كالبيض والبقوليات واللحوم والأسماك والألبان.
- ممارسة تمارين المقاومة لبناء الكتلة العضلية بدل زيادة الدهون فقط.
- تجنب الاعتماد على الحلويات والوجبات السريعة لزيادة الوزن، لأنها تضر بالصحة على المدى البعيد.
- النوم الجيد وإدارة التوتر، فكلاهما يؤثر في الشهية.
أسئلة شائعة
لماذا لا يسمن بعض الناس مهما أكلوا؟
بسبب تداخل عدة عوامل، منها الوراثة، وارتفاع النشاط اليومي غير الملحوظ، واختلاف الشهية، وأحيانًا أسباب صحية تحتاج إلى فحص.
هل يمكن تغيير معدل الأيض؟
يمكن التأثير فيه بدرجة محدودة، وأهم وسيلة هي زيادة الكتلة العضلية بالتمارين، لأن العضلات تستهلك طاقة أكثر من الدهون.
متى أراجع الطبيب بشأن النحافة؟
عند فقدان الوزن المفاجئ، أو ظهور أعراض مصاحبة، أو تأخر نمو الأطفال مقارنة بأقرانهم.
خلاصة
النحافة المستمرة رغم كثرة الأكل ظاهرة تفسرها عوامل متشابكة، أبرزها الوراثة ومعدل الأيض والحركة اليومية غير الملحوظة. وهي في الغالب حالة طبيعية، لكنها قد تكون أحيانًا علامة على مشكلة صحية، لذا يبقى الفحص الطبي ضروريًا عند وجود تغيرات مفاجئة، مع الحرص على غذاء متوازن ونشاط منتظم.
