إجعـــل عملك لــوجــه الله تعــالى ..

من القيم الكبرى التي يقوم عليها الدين الإسلامي أن يجعل المسلم عمله لوجه الله تعالى، فلا يبتغي به مدح الناس ولا ثناءهم، لأن قيمة العمل عند الله ترتبط بالنية الصادقة قبل حجمه وظاهره. وتنتشر في التراث الشعبي قصص كثيرة تجسد هذا المعنى، ومنها قصة الملك الذي بنى مسجدًا والمرأة العجوز التي سقت دابة عطشى.

نورد في هذا المقال القصة كما تروى، ثم نتوسع في بيان معنى الإخلاص ومكانته، وخطر الرياء، وعلامات المخلص، وفضل الأعمال الصغيرة، والرحمة بالحيوان في الإسلام، ووسائل عملية لتجديد النية.

قصة الملك والمرأة العجوز

بناء المسجد في قصة اجعل عملك لوجه الله

يحكى أن ملك من الملوك أراد أن يبني مسجد في مدينته وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره، حيث يريد أن يكون هذا المسجد هو من ماله فقط دون مساعدة من أحد وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك، وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع إسمه عليه ، وفي ليلة من الليالي رأى الملك في المنام كأن ملك من الملائكة نزل من السماء فمسح إسم الملك عن المسجد وكتب إسم إمرأة. فلما إستيقظ الملك من النوم إستيقظ مفزوع وأرسل جنوده ينظرون هل إسمه مازال على المسجد، فذهبوا ورجعوا وقالوا: نعم، إسمك مازال موجود ومكتوب على المسجد.

 وقالوا له "حاشيته": هذه أظغاث أحلام ، وفي الليلة الثانية رأى الملك نفس الرؤيا، رأى ملك من الملائكة ينزل من السماء فيمسح إسم الملك عن المسجد ويكتب إسم إمرأة على المسجد. وفي الصباح إستيقظ الملك وأرسل جنودة يتأكدون هل مازال إسمه موجود على المسجد. ذهبوا ورجعوا وأخبروه أن إسمه مازال موجوداً على المسجد. تعجب الملك وغضب، فلما كانت الليلة الثالثة تكررت الرؤيا، فلما قام الملك من النوم وقد حفظ إسم المرأة التي كتب إسمها على المسجد.

 فأمر بإحضار هذه المرأة، فحضرت وكانت إمرأة عجوز فقيرة ترتعش، فسألها: هل ساعدت في بناء المسجد الذي أبنيه، فقالت العجوز: أيها الملك أنا إمرأة عجوز وفقيرة وكبيرة في السن وقد سمعتك تنهى عن أن يساعد أحد في بناءه، فلا يمكنني أن أعصيك!! فقال لها: أسألك بالله ماذا صنعت في بناء المسجد.

 قالت: والله ما عملت شيء قط في بناء هذا المسجد إلا، قال الملك: نعم إلا ماذا! قالت: إلا أنني مررت ذات يوم من جانب المسجد فإذا بأحد الدواب التي تحمل الأخشاب وأدوات البناء للمسجد مربوط بحبل إلى وتد في الأرض وبالقرب منه سطل به ماء وهذا الحيوان يريد أن يقترب من الماء ليشرب فلا يستطيع بسبب الحبل، والعطش بلغ منه مبلغ شديد فقمت وقربت سطل الماء منه فشرب من الماء، هذا والله الذي صنعت فقال الملك أييييه، عملتي هذا لوجه الله فقبل الله منك وأنا عملت عملي ليقال مسجد الملك فلم يقبل الله مني فأمر الملك أن يكتب إسم المرأة العجوزعلى هذا المسجد.

إنتهت القصة 
سبحـــان الله سبحـــان الله سبحـــان الله
لاتحتقر شيء من الأعمال، فما تدري ماهو العمل الذي قد يكون فيه سبب دخولك الجنة ونجاتك من النار ..!!

ملاحظة حول القصة

هذه القصة من الحكايات الوعظية المتداولة، ولا يعرف لها إسناد ثابت أو مصدر تاريخي موثق، شأنها شأن كثير من القصص الشعبية التي يرويها الوعاظ لتقريب المعاني. لكن المعنى الذي تحمله صحيح ومقرر في النصوص الشرعية، وهو أن الله يقبل العمل الخالص وإن كان صغيرًا، وأن العمل الذي يراد به الناس لا يرفع صاحبه عند الله مهما عظم.

معنى الإخلاص ومكانته

الإخلاص في اللغة تنقية الشيء وتصفيته من الشوائب، وفي الاصطلاح الشرعي هو أن يقصد المسلم بعمله وجه الله وحده، دون أن يشرك معه رغبة في ثناء الناس أو مكانة دنيوية. وقد عد العلماء الإخلاص شرطًا لقبول العبادات، إلى جانب موافقة العمل للشرع. ومن أشهر ما ورد في ذلك الحديث النبوي الذي رواه البخاري ومسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وقد افتتح به الإمام البخاري صحيحه تنبيهًا على أهمية النية في كل عمل.

النية تحول العادة إلى عبادة

من لطائف هذا الباب أن النية الصالحة قد تحول الأعمال اليومية المباحة إلى قربات يؤجر عليها الإنسان، فالأكل بنية التقوي على الطاعة، والعمل بنية كفاية الأسرة والاستغناء عن الناس، والنوم بنية النشاط للعبادة، كلها تصبح أعمالًا مأجورة إذا صحبتها النية الحسنة.

خطر الرياء

الرياء أن يعمل الإنسان العمل الصالح ليراه الناس فيمدحوه، وقد حذرت منه النصوص تحذيرًا شديدًا، وسماه بعض العلماء الشرك الخفي، لأنه يتسلل إلى القلب دون أن يشعر صاحبه أحيانًا. ومن صوره:

  • تحسين العبادة وإطالتها أمام الناس وتقصيرها في الخلوة.
  • الحرص على إعلان الصدقات والتبرعات لنيل السمعة.
  • طلب العلم أو تعليمه للتفاخر والجدال.
  • نشر الأعمال الخيرية على وسائل التواصل بقصد الإعجاب والشهرة.

ويفرق العلماء بين الرياء المذموم وبين إظهار العمل بقصد القدوة الحسنة أو تشجيع الآخرين على الخير، فهذا قد يكون محمودًا إذا صلحت النية وأمن صاحبه على نفسه من العجب.

هل يترك الإنسان العمل خوفًا من الرياء؟

ينبه أهل العلم إلى أن ترك العمل الصالح خوفًا من الرياء مدخل من مداخل الشيطان، فالمطلوب أن يعمل الإنسان ويجاهد نيته، لا أن يترك الخير بحجة عدم الإخلاص. وقد نقل عن بعض السلف أن ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجلهم شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.

فضل الأعمال الصغيرة

تعلمنا القصة ألا نحتقر شيئًا من المعروف، فقد تكون شربة ماء لحيوان عطشان أعظم عند الله من بناء ضخم شيد للمفاخرة. وقد ورد في السنة الصحيحة ما يؤكد هذا المعنى، ومنه الحديث المشهور عن رجل وجد كلبًا يلهث من شدة العطش، فنزل إلى بئر وملأ خفه ماء فسقاه، فشكر الله له فغفر له. ومثل ذلك ما ورد من الحث على التبسم في وجه الأخ، وإماطة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة، وكلها أعمال يسيرة عظيمة الأثر.

الرحمة بالحيوان في الإسلام

تبرز القصة جانبًا مهمًا من أخلاق الإسلام، وهو الرحمة بالحيوان. فقد دعت النصوص إلى الإحسان إليه، ونهت عن تعذيبه أو تحميله ما لا يطيق أو حبسه دون طعام وشراب. وتحدث الفقهاء عن وجوب نفقة الحيوان على مالكه، وعن آداب الذبح التي تقلل ألمه. وفي هذا تأكيد على أن الرحمة في الإسلام شاملة تتجاوز الإنسان إلى سائر المخلوقات.

علامات المخلص

  1. استواء عمله في السر والعلن قدر الإمكان.
  2. عدم تأثره الكبير بمدح الناس أو ذمهم.
  3. حرصه على إخفاء بعض أعماله الصالحة كالصدقة وقيام الليل.
  4. فرحه بالخير إذا جرى على يد غيره كما يفرح به إذا جرى على يده.
  5. استمراره في العمل حتى لو لم يعلم به أحد.
  6. خوفه من عدم القبول مع اجتهاده في الطاعة.

وسائل عملية لتجديد النية

  • التوقف لحظة قبل البدء بأي عمل واستحضار وجه الله فيه.
  • تخصيص جزء من الأعمال الصالحة يكون سرًا بين العبد وربه.
  • الدعاء بأن يرزق الله الإخلاص ويطهر القلب من الرياء.
  • تذكر أن الناس لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، وأن ثناءهم زائل.
  • مراجعة النفس بعد العمل، والاستغفار من أي شائبة دخلت عليه.
  • قراءة سير الصالحين الذين عرفوا بالإخلاص وإخفاء الطاعات.

الإخلاص في العمل اليومي والمهني

لا يقتصر الإخلاص على العبادات الخاصة كالصلاة والصيام والصدقة، بل يمتد إلى حياة المسلم كلها. فالموظف الذي يتقن عمله ولو لم يراقبه أحد، والطالب الذي يجتهد في دراسته طلبًا للعلم النافع، والطبيب الذي يرفق بمرضاه، والتاجر الذي يصدق في بيعه، كل هؤلاء يمارسون الإخلاص في صورته العملية. وقد ورد في السنة أن الله يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه، وهو توجيه يربط بين صدق النية وجودة الأداء.

أثر الإخلاص في النفس

يمنح الإخلاص صاحبه راحة نفسية عميقة، لأنه يحرره من القلق الدائم بشأن نظرة الناس وتقييمهم، فيعمل مطمئنًا بأن جهده محفوظ عند من لا يضيع عنده شيء. كما يجعله أكثر ثباتًا عند الجحود أو عدم التقدير، لأنه لم ينتظر الشكر من أحد أصلًا.

ومن ثمرات الإخلاص كذلك البركة في العمل وإن كان قليلًا، وحسن القبول في قلوب الناس، فكم من عمل متواضع خالص بقي أثره طويلًا، وكم من مشروع ضخم أريد به التفاخر فنسيه الناس سريعًا.

أسئلة شائعة

هل القصة صحيحة تاريخيًا؟

لا يعرف لها مصدر موثق، وهي من القصص الوعظية المتداولة، لكن مغزاها صحيح تدل عليه النصوص الشرعية الثابتة.

هل يأثم من فرح بمدح الناس لعمله الصالح؟

يذكر العلماء أن الفرح بالثناء الذي يأتي دون قصد ولا طلب لا يبطل العمل، وقد يكون من عاجل بشرى المؤمن، أما العمل من أجل هذا الثناء فهو الرياء المذموم.

ما الفرق بين الإخلاص والصدق؟

الإخلاص تصفية النية لله، والصدق أن يوافق الظاهر الباطن وأن يبذل الإنسان جهده في العمل، وهما متلازمان في السلوك الصالح.

خلاصة

تحمل قصة الملك والمرأة العجوز رسالة واضحة: إن الله ينظر إلى القلوب والنيات قبل الصور والأحجام. فالعمل الصغير الخالص قد يرفع صاحبه درجات، والعمل الكبير الذي يراد به الناس قد لا ينفعه شيئًا. ولذلك يحتاج المسلم إلى مجاهدة نيته باستمرار، وألا يحتقر من المعروف شيئًا، وأن يرحم الخلق جميعًا.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !