من روائع البيان في قوله تعالى (و إذا سألك عبادي عني)

تحمل آية الدعاء في سورة البقرة، التي تبدأ بقوله تعالى (و إذا سألك عبادي عني)، لطائف بيانية عميقة يتوقف عندها المفسرون وعلماء البلاغة طويلًا، لأنها تصور قرب الله من عباده وسرعة إجابته لهم بأسلوب فريد يختلف عن نظائره في القرآن الكريم.

بعد عرض أبرز اللطائف التي ذكرها أهل البيان، نتناول في هذه الصفحة موقع الآية بين آيات الصيام، ومعنى القرب الإلهي كما شرحه العلماء، وشروط الدعاء وآدابه، وأسباب تأخر الإجابة، مع أجوبة عن أسئلة يكثر طرحها.

لطائف بيانية في الآية

روائع البيان في قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني

من روائع البيان في قوله تعالى
 
(( و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ))
ذكر علماء اللغة و البيان عنها ما يلي:
1-   أنها الآية الوحيدة التي خالفت بقية الآيات التي تبدأ بسؤال الناس للنبي الكريم ، حيث كلها تأتي بصيغة ((يسألونك)) مثل ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه .. يسألونك عن الخمر و الميسر ...، يسألونك عن الأنفال ... ، و يسألونك عن اليتامى ... ، يسألونك ماذا أحل لهم ... ، و يسألونك ماذا ينفقون... ، يسألونك عن الساعة أيان مرساها ... ، و يسألونك عن الروح ... ، و يسألونك عن الجبال ... ))  إلا هذه الآية ! فمن عظمة الله أنه سبق المؤمنين بالسؤال و هم لم يسألوا بعد! و كأنه سؤال افتراضي ، فإن الله هو الذي وضع السؤال و بادر بالإجابة من قبل أن يُسأل تحننا منه وحباً بالدعاء و بسرعة الإجابة ! فانظر إلى واسع رحمته!
2-   على غرار (( و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا )) كان القياس أن يقول (و إذا سألك عبادي عني فقل ربي قريب يجيب دعوة الداع ) لكنه تبارك و تعالى تكفل بالإجابة بنفسه وقال (( فإني قريب أجيب دعوة الداع )) فابتدأ جوابه بأنه قريب للدلالة على حفاوته بالدعاء و بالسائلين .. فلم يتحدث بضمير الغائب عن ذاته فلم يقل ((يجيب دعوة الداع)) لأنه يدل على البعد و العلو ، بل نسبها لنفسه للدلالة على دنوه و قربه من السائلين !
3-   أنه تعالى لم يعلق الإجابة بالمشيئة كأن يقول (أجيبه إن شئت) ، بل قطع و أكد بأنه يجيب دعوة الداع.
4-   أنه قدم جواب الشرط على فعل الشرط ، فلم يقل (إذا دعان أستجب له) و ذلك للدلالة على قوة الإجابة و سرعتها.
5-   أنه قال ((أجيب دعوة الداع إذا دعان)) و لم يقل (أجيب دعوة الداع إن دعان)  و في هذا معانٍ بلاغية غاية في الدقة، منها أنه استخدم أداة الشرط ((إذا)) و لم يستخدم أداة الشرط ((إن)) ، فما الفرق بينهما؟
السبب أن (إن) تستخدم للأحداث المتباعدة و المحتملة الوقوع و المشكوك فيها و النادرة و المستحيلة ، كقوله ((قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)) و قوله ((و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)) لأن الأصل عدم اقتتال المؤمنين ، و قوله ((ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)) ، و لم يقل (إذا) استقر مكانه و قد علمنا أن الجبل دك دكاً! و كقوله ((قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا)). بينما (إذا) تعني المضمون حصوله أو كثير الوقوع ، مثل قوله ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)) لأن الموت واقع لا محالة ! و قوله ((و ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم)) و قوله ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم)) و قوله ((فإذا قضيت الصلاة)) ، و لذلك نرى أن كل أحداث يوم القيامة تأتي ب (إذا) و لم تأت بـ (إن) ، مثال ذلك قوله ((إذا زلزلت الأرض زلزالها)) و قوله ((إذا الشمس كورت و إذا النجوم انكدرت و إذا الجبال سيرت ...)) و قوله ((إذا وقعت الواقعة)) و غيرها  من  احداث يوم القيامة حيث لم تأت أيا ًمنها بأداة الشرط (إن) لأنها تحتمل الندرة و عدم الوقوع.

و من روعة هذا البيان هو حينما تأتيان معاً في موضع واحد فيستخدم (إذا) للكثرة و (إن للندرة) مثل قوله تعالى ((إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. و إن كنتم جنبا )) فجاء بأ (إذا) للوضوء لأنه كثير الوقوع و (إن) للجنب لأنه نادر الحصول ، و مثل قوله ((فإذا أحصن فإن أتين بفاحشةٍ)) فالإحصان متكرر و الفاحشة من النوادر!

فمن هذا نفهم أن المعنى من قوله تعالى ((إذا دعانِ)) أنه يشير إلى كثرة الدعاء و بأنه دعاء متكرر مستمر كثير و ليس نادراً قليلاً ! لأن الله يغضب إن لم يدعَ ، و القلب الذي لا يدعو قلبٌ قاسٍ ، ألم تر إلى قوله تعالى ((فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون ، فلولا إذ جاءهم باسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم)) و قوله ((و لقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون)).

6-   ثم لاحظ أنه قال ((أجيب دعوة الداع)) و لم يقل ((أجيب الداع)) ! لأن الدعوة هي المستجابة و ليس شخص الداع ، و في هذا إشارة دقيقة جداً إلى مكانة الدعوة بغض النظر عن شخصية الداع!
7-   قال ((عبادي)) بالياء و لم يقل ((عبادِ))  فما الفرق؟
((عبادي)) تشير إلى عدد أكبر من ((عباد)) فالياء تعني أن مجموعة العباد أكثر ، أي يجيبهم كلهم على اختلاف ايمانهم و تقواهم ، كقوله تعالى للدلالة على الكثرة ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)) و المسرفون كثر ، و كقوله ((قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)) لأن أكثرهم يجادل ،  أما للقلة فيقول ((فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)) و هؤلاء قلة ، و قوله ((وقل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم)) و المتقون قلة !
8-   لاحظ أنه قال : ((أجيب دعوة الداع)) و كان القياس أن يقول (أجيب دعوتهم)! و ذلك للدلالة على أنه يجيب دعوة كل داع و ليس فقط دعوة السائلين ، فوسع دائرة الدعوة و لم يقصرها على السائلين.
9-   قال ((فإني قريب)) و لم يقل (أنا قريب) و هذا توكيد بـ (إن) المشددة للتوكيد ، لأن أنا غير مؤكدة.

10 - أن الآية توسطت آيات الصوم ، وهذا يعني أن الدعاء ديدن الصائم و أن للصائم دعوة لا ترد كما ورد في الأثر ( ما لم تكن بقطيعة رحم).
الدعاء شعار الصائمين ، ومن عظمة الدعاء و منزلته عند الله أن الله أحاطه بآيات الصوم الذي قال عنه في الحديث القدسي ((الصوم لي و أنا أجزي به) لأن الصوم من شعائر الإخلاص لله لأنه شَعيرة غير ظاهرة الأثر على صاحبها ما لم يرائي.

موقع الآية بين آيات الصيام

جاءت هذه الآية في سورة البقرة وسط الآيات التي تتحدث عن أحكام الصيام، فقد سبقتها آيات فرض الصوم وبيان شهر رمضان، وتلتها آية تتحدث عن أحكام ليالي الصيام. ويرى كثير من المفسرين أن هذا الموضع ليس عفويًا، بل فيه إشارة إلى أن للصائم دعوة مرجوة القبول، وأن شهر الصيام موسم للتقرب إلى الله والإكثار من الدعاء.

تنوع الروايات في سبب النزول

تذكر كتب التفسير روايات في سبب نزولها، منها أن بعض الصحابة سألوا عن قرب الله، وهل يناجونه أم ينادونه. ويشير المحققون إلى أن في أسانيد بعض هذه الروايات كلامًا، لكن معنى الآية واضح لا يتوقف على سبب النزول.

معنى القرب في الآية

يشرح العلماء أن القرب المذكور هنا قرب علم وإحاطة وسماع وإجابة، فالله سبحانه يسمع دعاء عبده ويعلم حاله، ولا يحتاج الداعي إلى وسيط بينه وبين ربه. ويبين المفسرون أن هذا القرب الخاص بالداعين يمنح المؤمن طمأنينة، ويدفعه إلى مناجاة ربه في كل وقت وحال.

دلالة حذف الياء

من الملاحظات اللغوية في الآية كتابة كلمتي الداع ودعان دون ياء في رسم المصحف، وهي ظاهرة لها نظائر في القرآن الكريم، ويتحدث عنها علماء الرسم والقراءات، فبعض القراء يثبت الياء في النطق وبعضهم يحذفها. وقد التمس بعض المتأملين لهذا الحذف لطائف بلاغية، كالإشارة إلى الخفة والسرعة، مع أن الأصل فيه اتباع الرسم العثماني.

آداب الدعاء وشروطه

  1. الإخلاص: بأن يكون الدعاء لله وحده دون رياء.
  2. حضور القلب: واليقين بالإجابة مع حسن الظن بالله.
  3. البدء بالحمد والثناء: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
  4. الإلحاح وعدم الاستعجال: فلا يقول الداعي دعوت فلم يُستجب لي.
  5. تحري أوقات الإجابة: كالثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وعند الإفطار.
  6. طيب المطعم: إذ يذكر العلماء أن أكل الحرام من موانع الإجابة.

لماذا تتأخر الإجابة أحيانًا؟

يبين العلماء أن الإجابة لا تعني دائمًا تحقق الطلب بعينه في الحال، فقد يؤخرها الله لحكمة، أو يدفع عن الداعي من السوء مثلها، أو يدخرها له أجرًا في الآخرة. ولهذا ختمت الآية بالدعوة إلى الاستجابة لله والإيمان به، في إشارة إلى أن العلاقة بين العبد وربه علاقة متبادلة، فمن استجاب لأوامر الله كان أحرى بأن يُستجاب له.

أسئلة شائعة

في أي سورة وردت هذه الآية؟

وردت في سورة البقرة، ضمن الآيات التي تتناول أحكام الصيام.

هل يجوز الدعاء بغير العربية؟

يرى كثير من العلماء جواز الدعاء خارج الصلاة بأي لغة يحسنها الداعي، والأولى العربية لمن أتقنها.

هل يُشترط رفع اليدين في الدعاء؟

رفع اليدين من آداب الدعاء الواردة في مواضع كثيرة، وليس شرطًا لصحته.

خلاصة

تكشف هذه الآية الكريمة عن رحمة الله وقربه من عباده بأسلوب بياني فريد، حيث تولى الجواب بنفسه دون واسطة، وأكد الإجابة دون تعليق. وموقعها بين آيات الصيام يفتح للمؤمن بابًا واسعًا للرجاء، ويدعوه إلى الإكثار من الدعاء مع الاستجابة لأوامر ربه والثقة بحكمته.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !