سجود التلاوة من العبادات الخفيفة على النفس العظيمة الأثر، يؤديه المسلم حين يقرأ أو يسمع آية من آيات السجدة في القرآن الكريم، فيخر ساجدًا خضوعًا لله تعالى. في هذا المقال نعرض مواضع سجود التلاوة الذي يبكي الشيطان كما أوردها الكاتب، ثم نتوسع في تعريف هذه السجدة وحكمها عند الفقهاء، وصفتها، وما يقال فيها، والفرق بينها وبين سجود الشكر والسهو، مع الإشارة إلى أن تفاصيل الأحكام يُرجع فيها إلى أهل العلم.
مواضع السجدة في القرآن الكريم
تعريف سجود التلاوة
هو سجدة واحدة يؤديها المسلم عند تلاوة آية من آيات السجدة أو الاستماع إليها، سواء كان في الصلاة أو خارجها. وسميت بذلك لأن سببها التلاوة، وهي من السنن التي حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وفي هذه الآيات في الغالب ذكر لسجود المخلوقات لله، أو أمر بالسجود، أو مدح للساجدين، أو ذم للمستكبرين عن السجود، فيناسب أن يبادر القارئ إلى الفعل الذي تتحدث عنه الآية.
سبب تسميتها بالسجدة التي يبكي لها الشيطان
ورد في صحيح مسلم حديث معناه أن ابن آدم إذا قرأ آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي متحسرًا، لأن ابن آدم أُمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمر هو بالسجود فأبى فاستحق النار. ويذكّر هذا المعنى بقصة إبليس حين امتنع عن السجود لآدم عليه السلام استكبارًا، فصار السجود رمزًا لطاعة العبد وتواضعه، والامتناع عنه علامة على الكبر الذي كان أصل معصية إبليس.
حكم سجود التلاوة عند الفقهاء
اختلف الفقهاء في حكم هذه السجدة على قولين مشهورين:
- قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: أنها سنة مؤكدة يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها، واستدلوا بما روي من أن بعض الصحابة قرأ آية السجدة فلم يسجد.
- قول الحنفية: أنها واجبة على التالي والسامع.
كما اختلفوا في عدد مواضعها؛ فالمشهور عند كثير من العلماء أنها خمس عشرة سجدة، بينما عدّها بعض المذاهب أربع عشرة، ووقع الخلاف خصوصًا في السجدة الثانية من سورة الحج وسجدة سورة ص. وهذا الخلاف من سعة الفقه الإسلامي، ويتبع المسلم في ذلك ما يطمئن إليه من أقوال أهل العلم.
صفة سجود التلاوة
خارج الصلاة
يكبر المسلم ثم يسجد سجدة واحدة، ويقول فيها ما يقوله في سجود الصلاة من التسبيح والدعاء، ثم يرفع. واختلف العلماء في اشتراط التكبير عند الرفع والتسليم بعده، فمنهم من قال بهما ومنهم من لم يشترطهما.
داخل الصلاة
إذا مر المصلي بآية سجدة كبر وسجد، ثم كبر ورفع وأكمل قراءته وصلاته، ولا يحتاج إلى سجود سهو بسبب هذه السجدة. وإذا كان مأمومًا تابع إمامه في السجود، فإن سجد الإمام سجد معه، وإن لم يسجد لم يسجد.
شروطها
يرى جمهور الفقهاء أنه يشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة، بينما ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تشترط فيها الطهارة لأنها ليست صلاة كاملة، ولكل قول أدلته.
ما يقال في السجدة
يستحب للساجد أن يسبح ربه كما يسبح في الصلاة، ونقلت كتب السنة أدعية مأثورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها في سجود التلاوة، مضمونها تعظيم الله الذي خلق الوجه وصوّره وشق سمعه وبصره، وسؤاله أن يكتب للعبد بهذه السجدة أجرًا ويحط عنه وزرًا ويتقبلها منه. ويمكن الرجوع إلى كتب الأذكار الموثوقة لمعرفة الألفاظ الواردة بدقة.
الفرق بينه وبين سجود الشكر والسهو
- سجود التلاوة: سببه قراءة آية سجدة أو سماعها.
- سجود الشكر: يؤدى عند حصول نعمة متجددة أو اندفاع نقمة، وهو سجدة واحدة خارج الصلاة.
- سجود السهو: سجدتان يؤديهما المصلي لجبر نقص أو زيادة أو شك وقع في صلاته، وتكونان قبل السلام أو بعده بحسب الحالة.
مكانة السجود في العبادة عمومًا
السجود أعلى مراتب الخضوع الجسدي، إذ يضع المرء أشرف أعضائه وهو الوجه على الأرض تذللًا لخالقه، ولهذا كان ركنًا في كل ركعة من الصلاة، وكان موضعًا للدعاء والتضرع. وتصف آيات قرآنية كثيرة المخلوقات كلها بأنها تسجد لله كل بطريقته، من الشمس والقمر والنجوم إلى الشجر والدواب، فإذا سجد القارئ عند آيات السجدة انسجم مع هذا الكون الساجد كله. ويذكر المفسرون أن تنوع موضوعات آيات السجدة، بين الأمر والخبر والمدح والذم، يدل على أن المقصود منها إيقاظ القلب وتحريكه نحو الطاعة العملية لا مجرد القراءة.
آداب وفوائد
من آداب هذه السجدة استحضار الخشوع ومعنى الآية التي سجد عندها القارئ، فإن السجود أقرب ما يكون فيه العبد من ربه كما يذكر العلماء. ومن فوائدها تعويد النفس على المبادرة إلى الطاعة، وتجديد معنى العبودية في القلب كلما مر القارئ بموضع سجدة، وإحياء سنة ربما يغفل عنها كثير من الناس أثناء تلاوتهم الخاصة، وتعليم الأبناء إياها عمليًا حين يقرؤون معهم القرآن في البيت.
أسئلة شائعة
هل يسجد من سمع آية السجدة دون أن يقصد الاستماع؟
فرّق بعض الفقهاء بين المستمع الذي يقصد الإنصات فيُستحب له السجود، والسامع الذي مر عرضًا فلا يتأكد في حقه، ويُرجع في التفصيل إلى كتب الفقه وأهل العلم.
كم سجدة يسجد إذا تكررت الآية؟
إذا كرر القارئ آية السجدة في مجلس واحد فيرى كثير من الفقهاء أن سجدة واحدة تكفيه، وإن سجد عند كل تكرار فلا حرج عند بعضهم، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.
هل يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي؟
للعلماء في ذلك أقوال، فمنهم من أجازه لأنه من ذوات الأسباب، ومنهم من منعه، والأفضل سؤال أهل العلم الموثوقين.
ماذا لو قرأ آية السجدة وهو في مكان لا يتيسر فيه السجود؟
لا حرج عليه عند جمهور العلماء الذين يرونها سنة، ويمكنه أن يسجد إذا تيسر له ذلك في وقت قريب.
خلاصة
سجود التلاوة عبادة يسيرة تحمل معاني عميقة من الخضوع لله ومخالفة طريق إبليس الذي أبى السجود استكبارًا. وقد اتفق العلماء على مشروعيتها واختلفوا في وجوبها وعدد مواضعها وبعض شروطها، وفي ذلك سعة. والأهم أن يحرص المسلم على إحياء هذه السنة بخشوع، وأن يرجع في تفاصيل أحكامها إلى أهل العلم الموثوقين.
.png)
.jpg)