تُعد قصة نجاح شركة نوكيا من أكثر قصص الأعمال إثارة في العالم، فهي شركة فنلندية بدأت في القرن التاسع عشر بصناعة الورق، ثم تحولت عبر عقود إلى أكبر صانع للهواتف المحمولة في العالم، قبل أن تواجه تحديات كبرى مع ظهور الهواتف الذكية، وتعيد بناء نفسها شركةً لمعدات الشبكات والاتصالات.
بعد عرض القصة كما وردت، يقدم المقال تسلسلاً تاريخياً أدق لمراحل الشركة، وأسباب صعودها، والتحديات التي واجهتها، والتحول الذي قامت به، والدروس المستفادة لرواد الأعمال والشركات.
تعد شركة "نوكيا " من أكبر وأهم شركات الهاتف المحمول في العالم, وتعد كذلك ثالث أكبر شركة في العالم،في الحقيقة ان قصة نجاح شركة نوكيا من اكثر القصص المثيرة للجدل والتي تعد نقلة نوعية في تاريخ الشركة التي كانت تمارس نشاط وأنتقلة الى نشاط أخر أكثر نشاطاً .
لقد قامت شركة نوكيا في الأساس على بيع ورق التواليت ، ولكن في خطوة مفاجئة قررت الشركة وبعد اتحادها مع شركتين أخريين أصغر منها تحت مسمى "مجموعة شركات نوكيا"، تحويل نشاطها بأتجاه قطاع الاتصالات ،وقد استطاعة وخلال فترة بسيطة من احتلال مكانة مرموقة فيما بين شركات الاتصالات ، كذلك قامت بأنشاء 12 مصنع ، وغزت منتوجاتها 130 دولة من دول العالم .
تنقسم عمليات الشركة إلى 3 نشاطات مختلفة: أجهزة الاتصالات وأنظمتها, وأجهزة الهواتف النقالة, وأجهزة الحاسب الآلي ومتفرعاته وتتميز نوكيا بأجهزتها الرقمية عالية الجودة, والتي تطورت بشكل مذهل في فترة قصيرة جدا, والسبب في ذلك تكاثر المنافسين, ما أدى إلى ابتكارات بسرعة تفوق الوصف أسهمت في تعزيز موقع شركة نوكيا ، مع استمرار المنافسة فيما بينها وبين شركتي اريكسون و موتورولا.
وتركيز نوكيا على الأبحاث و التطوير. ويقال إن كل 4 من موظفيها واحد منهم يعمل في الأبحاث والدراسات والتطوير, ما يؤكد أهمية هذا الموضوع لشركة نوكيا ، مؤسس هذه الشركة العريقة شخص فنلندي كان يعمل مهندساً ويدعى فريديريك ايدستام ، عمل في مصنع لإنتاج الورق وتصنيع الخشب, ثم أسس مكاناً متواضعاً له في المجال نفسه على نهر "نوكيا " في فنلندا.
وعلى الرغم من أن الشركة بدأت تحقق تقدماً بطيئاً ، ثم ازدهرت أعمالها إلا أنها لم تعرف النجاح سوى بعد العام 1960 عندما بدأت بتنويع نشاطاتها وتوسيع مجال أعمالها.
وقد اتجه مؤسسها إلى هذا المجال بعدما كان في ألمانيا يدرس الهندسة في المناجم والتنقيب، وبينما كان يزور مصنعاً محلياً لاحظ وجود آلية جديدة في تلك الأيام تحول الخشب إلى لب يساعد في صناعة الورق. وبمجرد ملاحظته لحجم العمل الكبير في المصنع توقع أن يكون لهذا المجال شأن كبير في المستقبل.
ولم يكد يصل إلى فنلندا حتى أوصى على هذه الآلة وفتح مصنعه الذي تكلمنا عنه، وأصبح مصنع ايدستام ( نوكيا ) لاحقا أهم مصنع ورق تواليت في أوروبا ، في هذه الأثناء, وبالتحديد عام 1898 , تم افتتاح مصنع " The Finnish Rubber Work " وكان مصنعاً للضبانات المطاطية للأحذية.
وقد كانت هذه الشركة جارة شركة ايدستام ، وتم اختيار الموقع بعدما مر مديران من شركة المطاط في المكان الذي تقع فيه شركة نوكيا فأعجبا به وقررا فتح المصنع في هذه المنطقة, بخاصة أنها كانت مزودة بالطاقة الكهربائية الهيدروليكية , وكان ذلك نادراً في ذلك الوقت.
بعد صناعة الضبانات, بدأت الشركة بتصنيع الأحذية المطاطية ودواليب السيارات وكل ما يدخل في صناعة المطاط من لوازم سيارات, قرطاسيه, معاطف وكرات, الخ. فتحت في هذه الأثناء شركة Finnish Cable Works في هلسنكي العام 1912, وبدأ حينها الطلب على الكابلات بعد اكتشاف الكهرباء ومن بعدها التلغراف والهاتف. مما دفع الشركة للنمو بسرعة بعدما بدأت بعدد ضئيل من الموظفين.
واشترت شركة Finnish Rubber Workغالبية أسهم شركةFinnish Cable Works . ثم اتحدت الشركات الثلاث لتأسيس مجموعة شركات نوكيا وكان ذلك عام 1967 وقد تم الأتفاق على أن يكون بيورن و يسترلند رئيس Finnish Cable Works رئيساً للمجموعة.
كان و سترلند شخصاً طموحا جدا أيضا, وكان قبل عملية الدمج قد أسس من خلال شركته قسما للالكترونيات, واتخذ من أجهزة الاتصال مشروعاً لعمله في هذا القسم . وبهذا وضعت شركة Finnish Cable Works الشعار الرئيسي لصناعة مهمة كان المستقبل يخيفها. وبدأت الأبحاث المضنية والمعقدة لتطوير هذه الأجهزة, وبدأ حينها استعمال أساليب PCM وهي اختصار لكلمةPulse Code Modulation وهو أسلوب موجة الاتصال النابضة, وكانت نوكيا أول شركة تطرح هذه الأجهزة على مستوى عالً .
فتحت هذه الصناعة آفاقاً مهمة لمجموعة شركات نوكيا وكان عام 1970 بداية انطلاقها عالمياً في مجال أجهزة الاتصال, فانطلقت إلى الاتحاد السوفييتي, في ذلك الحين , وبعدها إلى العالم، وكان أهم زبائنها شركات الغاز والبترول وسكك الحديد, ومن بعدها المؤسسات العسكرية, بخاصة من ناحية الراديو النقال في الموجات.
من أفضل استراتيجيات نوكيا إقامة علاقة ممتاز مع الجامعات والمدارس لإيمانها بأن
النشء الجديد يملك من الحس والأفكار والمخيلة أكثر من أي شيء آخر, فكانت تشجعهم على العمل معها في أوقات الصيف والعطلات, وتوظف الخريجين الذين لديهم الاستعداد للابتكار والتطور.
ومن أهم ماحققته شركة نوكيا تعد بداية السبعينات هو أفضل مراحلها في تصميم هواتف رقمية ( Digital ) وكان أول جهاز هاتف يحمل اسم 200 Nokia DX. ويعود الفضل في تطور نوكيا إلى أن فنلندا كانت البلد الوحيد الذي كان يشجع التنافس في مجال الصناعة ويدعمها بكل السبل المتاحة.
وخلال الثمانينات احتلت نوكيا مكانة مهمة على خارطة الصناعة العالمية, واحتلت المركز الثالث في أوربا العام 1988 في مجال صناعة التلفزيون. اختلف الوضع في التسعينات وواجهت نوكيا الكثير من الصعوبات بسبب الركود الاقتصادي, وكانت أجهزة الهاتف المتحرك أهم عمود يدعم الشركة خلال هذه الصعوبات , لكنها استطاعت الاستمرار في أحلك الظروف.
شعار نوكيا ينبع من " ربط الناس ببعضهم بعضاً " . وقد حققت مبيعات بلغت 6, 52 مليار مارك فنلندي عام 1997. ونظام نوكيا GSM يباع في 72 شركة اتصالات في 36 دولة, ولديها 4 قارات ويعمل لديها أكثر من 38000 موظف.
فكرة بسيطة وطموح عظيم واتحاد قوي بين شركات ثلاث حولت نوكيا من مصنع صغير لورق التواليت إلى شركة عملاقة لها باع طويل وفضل كبير في ربط الناس ببعضهم بعضاً في لحظات.
تأسست نوكيا عام 1865 على يد المهندس فريدريك إيدستام الذي أنشأ مصنعاً لإنتاج لب الخشب في جنوب غرب فنلندا، ثم انتقل النشاط إلى ضفاف نهر نوكيانفيرتا، ومنه جاء اسم الشركة واسم البلدة التي نشأت حولها. وكانت صناعة الورق ومشتقاته نشاطها الرئيسي في العقود الأولى.
في عام 1967 اندمجت نوكيا مع شركتين فنلنديتين هما شركة المطاط الفنلندية وشركة الكابلات الفنلندية، فتكونت مجموعة صناعية متنوعة الأنشطة تنتج الورق والإطارات والأحذية المطاطية والكابلات والإلكترونيات. وكان قطاع الكابلات والإلكترونيات هو البذرة التي نما منها نشاط الاتصالات لاحقاً.
في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات قررت الإدارة التركيز على الاتصالات والتخلي تدريجياً عن الأنشطة الأخرى. وقد استفادت الشركة من وجودها في منطقة الشمال الأوروبي التي كانت سباقة في تطوير شبكات الهاتف المحمول المشتركة بين دولها.
أسهمت الشركة في تطوير وتسويق تقنيات الجيل الثاني القائمة على معيار GSM، وجرت أول مكالمة على شبكة GSM تجارية في فنلندا عام 1991 باستخدام معدات من إنتاجها.
بفضل التصميم العملي، وسهولة الاستخدام، وطول عمر البطارية، والانتشار الواسع في الأسواق الناشئة، أصبحت أكبر صانع للهواتف المحمولة في العالم في أواخر التسعينيات، واحتفظت بهذه المكانة سنوات عديدة. وما زال كثيرون يتذكرون طرازات شهيرة بمتانتها ولعبة الثعبان ونغمة الرنين المميزة.
مع ظهور الهواتف الذكية ذات الشاشات اللمسية ومتاجر التطبيقات في النصف الثاني من العقد الأول من الألفية، تراجعت حصتها تدريجياً. ويرى محللون أن من أسباب ذلك تأخرها في التكيف مع تحول المنافسة من العتاد إلى أنظمة التشغيل والتطبيقات، وتعقيد هيكلها الداخلي. وفي عام 2011 أعلنت شراكة مع مايكروسوفت لاعتماد نظام ويندوز فون، ثم باعت قطاع الهواتف المحمولة إلى مايكروسوفت في صفقة أُتمت عام 2014.
بعد بيع قطاع الهواتف، ركزت الشركة على معدات البنية التحتية للاتصالات، واستحوذت على شركة ألكاتيل لوسنت عام 2016، فأصبحت من أبرز موردي معدات الشبكات في العالم، بما فيها شبكات الجيل الخامس. أما الهواتف التي تحمل اسم نوكيا في السنوات الأخيرة فتنتجها شركة فنلندية أخرى بموجب ترخيص لاستخدام العلامة التجارية.
بدأت بصناعة لب الخشب والورق عموماً، وكانت منتجاتها الورقية متنوعة، ولم تكن مقتصرة على نوع واحد.
نعم، وهي اليوم شركة رائدة في معدات الشبكات وتقنيات الاتصالات وتراخيص براءات الاختراع.
تجسد مسيرة الشركة الفنلندية قدرة المؤسسات على التحول والنهوض من جديد، فمن مصنع للورق إلى قمة سوق الهواتف، ثم إلى عملاق في البنية التحتية للاتصالات. وهي درس حي في أهمية التكيف المستمر مع التغير التقني.