تنتشر بين الحين والآخر عناوين مثيرة عن قرب اندلاع حرب عالمية جديدة، ومن أشهرها المقال المتداول بعنوان طبول الحرب العالمية الثالثة تدق، المنسوب إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر. وقد انتشر هذا النص على نطاق واسع في المنتديات ومواقع التواصل العربية قبل سنوات. في هذه الصفحة نعرض النص كما نُشر في أرشيف الموقع، ثم نقدم خلفية عن شخصية كيسنجر وأفكاره المعروفة، ونتحقق من مصدر التصريح المزعوم، ونشرح مفهوم الحرب العالمية والردع النووي، ونقدم نصائح للتحقق من الأخبار المثيرة قبل تصديقها ونشرها.
النص المتداول المنسوب إلى كيسنجر
من هو هنري كيسنجر؟
هنري كيسنجر دبلوماسي وأكاديمي أمريكي، وُلد في ألمانيا عام 1923 لأسرة يهودية هاجرت إلى الولايات المتحدة هرباً من الاضطهاد النازي، ودرس في جامعة هارفارد ثم درّس فيها. وشغل منصب مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية في عهدي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وتوفي عام 2023 عن عمر ناهز المئة عام.
ويُعد كيسنجر من أبرز ممثلي المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن الدول تتصرف وفق مصالحها وموازين القوى أكثر مما تتصرف وفق المبادئ الأخلاقية المجردة. وارتبط اسمه بملفات كبرى، منها الانفتاح الأمريكي على الصين في أوائل السبعينيات، وسياسة الانفراج مع الاتحاد السوفييتي، ومفاوضات إنهاء حرب فيتنام، ودبلوماسية الجولات المكوكية في الشرق الأوسط بعد حرب أكتوبر 1973. وتبقى سياساته موضع جدل واسع بين من يراه رجل دولة بارعاً ومن ينتقد دوره في نزاعات عديدة.
هل التصريح المنسوب إليه صحيح؟
عند البحث عن أصل النص، يتبين أنه منسوب إلى موقع يحمل اسم ديلي سكويب، وهو موقع معروف بنشر مقالات ساخرة وأخبار ملفقة على سبيل التهكم، لا صحيفة يومية في نيويورك كما يذكر النص المتداول. ولم تنقل وسائل الإعلام الكبرى أو الوكالات المعروفة هذه المقابلة، كما أن أسلوبها يختلف كثيراً عن الأسلوب الحذر الذي عُرف به كيسنجر في كتبه ومقابلاته. ولذلك يرى كثير من المتابعين ومدققي الأخبار أن المقابلة غير حقيقية، وأن انتشارها جاء نتيجة ترجمتها ونقلها دون التحقق من طبيعة المصدر.
ما الذي قاله كيسنجر فعلاً عن النظام الدولي؟
في كتبه المعروفة مثل الدبلوماسية والنظام العالمي، تحدث كيسنجر عن ضرورة إقامة توازن بين القوى الكبرى، وحذر في مناسبات مختلفة من مخاطر التنافس غير المنضبط بين الولايات المتحدة والصين، داعياً إلى الحوار بين البلدين لتجنب صدام كارثي. وهذا الطرح يختلف جذرياً عن الصورة التي يقدمها النص المتداول.
مفهوم الحرب العالمية
تُطلق تسمية الحرب العالمية على النزاعات التي تشارك فيها معظم القوى الكبرى وتمتد إلى قارات عدة، وقد عرف القرن العشرون حربين من هذا النوع: الأولى بين عامي 1914 و1918، والثانية بين عامي 1939 و1945، وكانت الثانية الأكثر دموية في تاريخ البشرية، وانتهت باستخدام السلاح النووي لأول مرة ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان.
وبعد الحرب الثانية أنشئت الأمم المتحدة عام 1945 بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين، ثم دخل العالم مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وهي مرحلة شهدت أزمات خطيرة كأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، لكنها لم تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين القوتين.
الردع النووي
يفسر كثير من الباحثين غياب حرب شاملة بين القوى الكبرى منذ عام 1945 بما يسمى الردع النووي، أي أن امتلاك كل طرف قدرة على الرد المدمر يجعل بدء الحرب انتحاراً للجميع. ويُعرف هذا المفهوم أحياناً بالدمار المتبادل المؤكد. غير أن الخبراء يحذرون من أن الردع لا يلغي مخاطر سوء التقدير أو الحوادث، ولذلك تُعقد اتفاقيات للحد من التسلح وتُنشأ خطوط اتصال ساخنة بين العواصم الكبرى.
نظريات المؤامرة وجاذبيتها
يتضمن النص المتداول عناصر مألوفة في خطاب نظريات المؤامرة، كالحديث عن خطة سرية للسيطرة على العالم، وحكومة عالمية خفية، وأسلحة لا يعرف عنها أحد. ويرى علماء النفس الاجتماعي أن مثل هذه الروايات تجذب الناس لأنها تقدم تفسيراً بسيطاً ومتماسكاً لأحداث معقدة ومؤلمة، وتمنح القارئ إحساساً بأنه يعرف ما يخفيه الآخرون. لكن الواقع السياسي الدولي أكثر تعقيداً، إذ تتشكل الأحداث من تفاعل مصالح دول ومؤسسات وشعوب متعددة، ومن قرارات تتأثر بالمفاجآت والأخطاء، لا من مخطط واحد محكم يديره شخص أو جهة بعينها.
لماذا تنتشر الأخبار الملفقة؟
يشرح الباحثون في الإعلام أسباباً عدة لانتشار هذا النوع من النصوص، منها:
- أنها تلامس مخاوف حقيقية لدى الناس من الحروب والصراعات.
- أنها تنسب الكلام إلى شخصية مشهورة فتكتسب مصداقية زائفة.
- أنها تؤكد قناعات مسبقة لدى بعض القراء، فيصدقونها دون تمحيص.
- أن الترجمة من لغة إلى أخرى تحذف أحياناً الإشارة إلى طبيعة المصدر الساخرة.
- أن سرعة المشاركة على مواقع التواصل تسبق التحقق.
كيف تتحقق من الأخبار المثيرة؟
- ابحث عن المصدر الأصلي للخبر، وتأكد من طبيعته: هل هو وكالة أنباء معروفة، أم موقع ساخر، أم مدونة مجهولة؟
- تحقق مما إذا كانت وسائل إعلام موثوقة متعددة قد نقلت الخبر نفسه.
- انتبه إلى اللغة الانفعالية المبالغ فيها، فهي علامة شائعة في الأخبار المضللة.
- راجع مواقع تدقيق الأخبار التي تتابع الشائعات المنتشرة.
- تحقق من التاريخ، فبعض الأخبار القديمة يعاد نشرها وكأنها جديدة.
- فكر قبل المشاركة، فنشر الخبر غير المؤكد يسهم في تضليل الآخرين.
أسئلة شائعة
هل قال كيسنجر إن الحرب العالمية الثالثة قادمة؟
لا يوجد مصدر موثوق ينقل عنه المقابلة المتداولة، وأصلها يعود إلى موقع معروف بالمحتوى الساخر، أما آراؤه المنشورة فكانت تدعو إلى إدارة التنافس بين القوى الكبرى وتجنب الصدام.
ما الفرق بين الأخبار الساخرة والأخبار الكاذبة؟
الأخبار الساخرة تُكتب بقصد التهكم والنقد ويعرف قراؤها الأصليون طبيعتها، لكنها تتحول إلى أخبار مضللة حين تُنقل خارج سياقها وتُقدم على أنها حقيقة.
لماذا لم تقع حرب عالمية ثالثة حتى الآن؟
يرجع الباحثون ذلك إلى عوامل منها الردع النووي، والترابط الاقتصادي بين الدول، ووجود المؤسسات الدولية وقنوات الدبلوماسية، دون أن يعني ذلك زوال الخطر تماماً.
ما أشهر كتب كيسنجر؟
من أشهر مؤلفاته كتاب الدبلوماسية الذي يستعرض تاريخ العلاقات الدولية، وكتاب النظام العالمي، وكتاب عن الصين، إلى جانب مذكراته عن سنوات عمله في الحكومة الأمريكية.
خلاصة
النص المتداول عن طبول الحرب العالمية الثالثة المنسوب إلى كيسنجر يعود أصله إلى موقع ساخر، ولا تؤيده مصادر موثوقة، بينما تكشف كتابات الرجل المعروفة عن رؤية تدعو إلى توازن القوى وتجنب الصدام. ويبقى هذا المثال درساً في أهمية التحقق من المصادر قبل تصديق الأخبار المثيرة ونشرها، خاصة حين تتعلق بقضايا مصيرية تمس مشاعر الناس.
.png)
