تاريخ قصة نجاح شركة تويوتا

انطلقت تويوتا من ورشة صغيرة داخل مصنع للأنوال في اليابان، لتصبح خلال عقود واحدة من أكبر شركات السيارات في العالم وأكثرها شهرة بالجودة والاعتمادية. وتُعد حكاية تاريخ قصة نجاح شركة تويوتا نموذجاً يُدرّس في كليات الإدارة لما تحمله من دروس في الصبر والتحسين المستمر.

بعد عرض المحطات الأساسية الواردة في المقال، نتعرف في هذه الصفحة إلى جذور العائلة المؤسسة، ونظام الإنتاج الشهير الذي ابتكرته الشركة، وفلسفة كايزن، ودخولها الأسواق العالمية، وريادتها في السيارات الهجينة، إضافة إلى التحديات التي واجهتها والدروس المستفادة لرواد الأعمال.

نشأة تويوتا ومحطات تطورها

شعار شركة تويوتا للسيارات

شركة تويوتا للمحركات (باليابانية: Toyota Motor Corporation) أو TMC اختصارا، هي شركة كبرى لصناعة السيارات يقع مقرها الرئيسي في مدينة "تويوتا" باليابان. بالإضافة إلى السيارات تقوم الشركة بتصنيع الشاحنات، الحافلات (الباصات)، وسيارات صناعية مختلفة.

تويوتا هي الشركة الأولى للسيارات في اليابان من حيث حجم الإنتاج والمبيعات، وهي المصنع الثاني على مستوى العالم بعد مجموعة جنرال موتورز الأمريكية. كما تعتبر تويوتا العلامة التجارية للسيارات الأكثر انتشارا في العالم، بالإضافة إلى أن شهرتها Corolla هي أكثر السيارات التي بيعت في العالم منذ إطلاقها وحتى الآن (أكثر من 23 مليون سيارة Corolla بيعت حتى الآن)

تضم مجموعة تويوتا كلا من لكزس، دايهاتسو، هينو(شاحنات)

التاريخ وقصة النجاح :

قام "كييتشيرو تويوتا"، بتأسيس الشركة عام 1933 م، كان الأخير قد عاد للتو من جولة في الولايات المتحدة، واختار مصنع الغزل الذي كان يملكه أبوه لإقامة ورشة لصناعة السيارات، استطاع أن يطلق أولى النماذج سنة 1935 م.

أثناء الحرب العالمية الثانية، قامت الحكومة اليابانية بإجبار الشركة على تصنيع الشاحنات لصالح القوات العسكرية. بعد نهاية الحرب قامت الشركة بإعادة تنظيم نفسها، قامت بإنتاج السيارات منذ 1947 م. إلا أزمة حلت عام 1947 م، وكادت أن تعصف بالشركة، تراكمت الديون عليها ولم يعد باستطاعة مالكها الالتزام بتسديد رواتب العاملين فيها، استقال "تويودا" في النهاية من منصب رئيس الشركة.

قام كل من "إيجي تويودا" و"شوإيتشي سائيتو"، والذين حلا محل "تويودا" على رأس الشركة، بالاستثمار في شراء وحدات تصنيع جديدة وفعالة، لتصنيع سيارات متطورة في وقت قياسي. عام 1954 م، وضعت الشركة نظـم تموين جديد: "كانيان"، استوحي من النظام التي كانت تقوم عليه المحلات التموين الكبرى آنذاك، كان يهدف إلى تخزين كميات معتبرة من القطع المصنعة التي تقتنيها لاستعمالها عند الحاجة. و في سنوات الخمسينيات قامت تويوتا بإطلاق العديد من النماذج، لسيارات، في السوق، من أشهرا "لاند كروزر" (Land-Cruiser) ذات الدفع الرباعي (1951) "كراون" (1955) والـ"كورونا" (1957 م).

في سنوات الستينيات، واصلت الشركة سياستها في إنشاء مصانع جديدة، حتى تلبي الطلب المتزايد على السيارات الاقتصادية. لاقت سيارة "كورولا" (Corolla) نجاحا كبيرا عندما تم إطلاقها سنة 1966 م، وامتد النجاح ليشمل دولا عديدة في العالم. مع حلول عام 1970 م، أصبحت "تويوتا" رابع (4) أكبر مصنع للسيارات في العالم.

شهدت سنة 1980 م تحولا كبيرا في عالم صناعة السيارات، فقد تفوقت اليابان لأول مرة على الولايات المتحدة، لتصبح أكبر مصنع للسيارات في العالم. قامت شركة "تويوتا" والتي أصبحت ثاني أكبر مصنع بعد "جنرال موتور" الأمريكية، بالتحالف مع غريمتها عام 1984 م، لإنشاء وحدات إنتاج جديدة في مدينة "لكسنتن" (Lexington) في ولاية كنتكي" (Kentucky). خلال السنوات العشر التي تلت، قامت "تويوتا" باستثمار أزيد من 6.5 بليون دولار في شمال أمريكا. جاءت النتائج سريعة، مع حلول سنة 2001 م، أصبحت الشركة تستحوذ على 10% من سوق السيارات في القارة، كان للنجاح التي عرفته موديلات "كامري" (Camry) دور كبير، فقد حاز هذا التصميم وللسنة الرابعة على التوالي على المرتبة الأولى في ترتيب السيارات الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة.

الجذور: من الأنوال إلى السيارات

تبدأ القصة مع ساكيتشي تويودا، المخترع الياباني الذي اشتهر بتطوير الأنوال الآلية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد ابتكر نولاً يتوقف تلقائياً عند انقطاع الخيط، وهي فكرة بسيطة لكنها عميقة، لأنها تمنع إنتاج قماش معيب وتتيح لعامل واحد مراقبة عدة آلات. وأصبحت هذه الفكرة لاحقاً أحد أعمدة فلسفة الإنتاج في الشركة. أما ابنه كييتشيرو تويودا فقد تأثر بصناعة السيارات في الغرب، فأسس قسماً للسيارات داخل شركة الأنوال العائلية في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم انفصل هذا القسم ليصبح شركة مستقلة عام 1937.

لماذا تويوتا وليس تويودا؟

اختارت العائلة اسماً تجارياً معدلاً قليلاً عن اسمها، ويُذكر أن من أسباب ذلك أن الاسم الجديد أسهل في النطق وأوضح صوتياً، وأن كتابته بالحروف اليابانية تتطلب عدداً من الضربات يُعد فألاً حسناً في الثقافة اليابانية، إضافة إلى الرغبة في فصل العمل التجاري عن الاسم العائلي.

نظام تويوتا للإنتاج

بعد الحرب العالمية الثانية كانت اليابان تعاني من شح الموارد وضيق السوق، ولم يكن بمقدور الشركة تقليد خطوط الإنتاج الأمريكية الضخمة. فطور مهندسوها، وفي مقدمتهم تاييتشي أونو، أسلوباً مختلفاً عُرف لاحقاً بنظام تويوتا للإنتاج، ويقوم على ركيزتين أساسيتين:

  • الإنتاج في الوقت المناسب: أي تصنيع ما يلزم فقط، بالكمية اللازمة، وفي الوقت اللازم، لتقليل المخزون والهدر.
  • الأتمتة ذات اللمسة البشرية: المستوحاة من نول ساكيتشي، وتعني أن تتوقف الآلة أو خط الإنتاج فور اكتشاف خلل، ليُعالج السبب قبل الاستمرار.

ومن أدوات هذا النظام بطاقات كانبان التي تنظم تدفق القطع بين مراحل الإنتاج، وقد استُلهمت فكرتها من طريقة إعادة ملء الرفوف في المتاجر الكبيرة. وانتشر هذا الأسلوب لاحقاً في العالم تحت اسم الإنتاج الرشيق، وطبقته شركات في قطاعات مختلفة من الصناعة إلى المستشفيات.

فلسفة كايزن والتحسين المستمر

تعني كلمة كايزن اليابانية التحسين أو التغيير نحو الأفضل، وتشير في ثقافة الشركة إلى التحسينات الصغيرة المستمرة التي يشارك فيها جميع العاملين، من المديرين إلى عمال الخطوط. فكل موظف مدعو إلى اقتراح طرق لتقليل الهدر وتحسين الجودة والسلامة. ومن الأدوات المرتبطة بهذه الفلسفة أسلوب الأسئلة الخمسة لماذا، الذي يكرر فيه الفريق السؤال عن سبب المشكلة حتى الوصول إلى جذرها بدلاً من معالجة أعراضها.

الانطلاق إلى العالم

بدأت الشركة تصدير سياراتها إلى الولايات المتحدة في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ولم تحقق النجاح المأمول في البداية، فتعلمت من التجربة وطورت سيارات أكثر ملاءمة للسوق الأمريكية. ومع أزمات النفط في السبعينيات ازداد الطلب على السيارات الصغيرة الاقتصادية في استهلاك الوقود، فاستفادت الشركات اليابانية من ذلك. وأصبحت كورولا من أكثر السيارات مبيعاً في تاريخ صناعة السيارات. وفي عام 1989 أطلقت الشركة علامتها الفاخرة لكزس لمنافسة السيارات الأوروبية الفارهة، كما أنشأت مصانع في دول عديدة لتقترب من أسواقها.

الريادة في السيارات الهجينة

في عام 1997 طرحت الشركة في اليابان سيارة بريوس، التي تُعد من أوائل السيارات الهجينة المنتجة على نطاق تجاري واسع، إذ تجمع بين محرك بنزين ومحرك كهربائي لتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات. وأسهمت هذه الخطوة في ترسيخ صورة الشركة رائدةً في تقنيات السيارات الصديقة للبيئة، وتوسعت لاحقاً في تقديم النسخ الهجينة من طرازات كثيرة.

تحديات واجهتها الشركة

لم تخلُ المسيرة من أزمات، فقد واجهت الشركة في بعض الفترات عمليات استدعاء واسعة لسيارات بسبب مشكلات فنية، مما أثر في سمعتها مؤقتاً ودفعها إلى مراجعة إجراءات الجودة. كما تأثرت سلاسل الإمداد بالكوارث الطبيعية كالزلزال والتسونامي الذي ضرب اليابان عام 2011، وبأزمات عالمية في توفر الرقائق الإلكترونية. وتواجه اليوم، كغيرها من شركات السيارات، تحدي التحول نحو السيارات الكهربائية والمنافسة الشديدة في هذا المجال.

ثقافة الجودة واحترام الإنسان

يلخص كثير من الباحثين فلسفة الشركة في مبدأين كبيرين: التحسين المستمر واحترام الإنسان. ويعني الاحترام هنا الثقة بقدرة العاملين على التفكير وحل المشكلات، لا معاملتهم كأدوات تنفذ الأوامر فقط. ومن الممارسات المعروفة في مصانعها حبل أو زر يستطيع أي عامل استخدامه لإيقاف الخط عند ملاحظة عيب، وهو أمر بدا غريباً لمديري المصانع التقليدية الذين يرون في توقف الخط خسارة. لكن الفكرة أن إيقاف الإنتاج لدقائق لإصلاح خلل أفضل من إنتاج مئات القطع المعيبة. كما يُشجع المديرون على الذهاب إلى موقع العمل الفعلي ورؤية المشكلة بأعينهم بدلاً من الاعتماد على التقارير وحدها.

دروس لرواد الأعمال

  1. الأفكار البسيطة قد تصنع ثورة إذا طُبقت بإتقان، كفكرة النول الذي يتوقف عند الخطأ.
  2. القيود والموارد المحدودة قد تكون دافعاً للابتكار بدلاً من أن تكون عائقاً.
  3. إشراك العاملين في التحسين يرفع الجودة ويعزز الانتماء.
  4. التعلم من الفشل في الأسواق الجديدة والتكيف مع احتياجات العملاء.
  5. التفكير طويل المدى والاستثمار في التقنيات المستقبلية قبل أن تصبح رائجة.

أسئلة شائعة

من مؤسس شركة تويوتا؟

يُعد كييتشيرو تويودا المؤسس الفعلي لصناعة السيارات في الشركة، بالاعتماد على الأساس الصناعي الذي بناه والده ساكيتشي تويودا في صناعة الأنوال.

ما المقصود بنظام الإنتاج في الوقت المناسب؟

هو أسلوب يهدف إلى إنتاج ما يحتاجه العميل فقط في الوقت المطلوب وبالكمية المطلوبة، لتقليل المخزون والهدر وكشف المشكلات بسرعة.

ما العلامات التجارية التابعة للمجموعة؟

من أبرزها لكزس للسيارات الفاخرة، ودايهاتسو للسيارات الصغيرة، وهينو للشاحنات والحافلات.

خلاصة

تمثل مسيرة تويوتا مزيجاً من الإرث الصناعي العائلي والابتكار الإداري والصبر الطويل، فقد حولت فكرة بسيطة عن الجودة إلى فلسفة إنتاج غيرت الصناعة العالمية. وتبقى دروسها في التحسين المستمر واحترام العاملين والتفكير بعيد المدى صالحة لكل من يسعى إلى بناء مؤسسة ناجحة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !