تُعد الاشباح الضاجة (Poltergeists) من أكثر الموضوعات إثارة في عالم الظواهر الخارقة والحكايات الغامضة، إذ ترتبط في الروايات الشعبية بأصوات طرق مفاجئة، وتحرك أشياء من أماكنها، وصرخات لا يُعرف مصدرها. وقد شغلت هذه الحكايات الناس في ثقافات متعددة، وألهمت كثيرًا من الأفلام والروايات.
نستعرض في هذه المقالة ما يُروى عن هذه الظاهرة، ثم نشرح أصل التسمية، وأشهر الحالات التي تناقلتها وسائل الإعلام، والتفسيرات التي يطرحها العلماء والمتشككون، والعوامل النفسية والبيئية التي قد تقف وراء هذه التجارب.
ما يُروى عن الأشباح الضاجة
![]() |
| تحريك الاشياء عن بعد |
أصل التسمية ومعناها
كلمة بولترجايست مأخوذة من اللغة الألمانية، وهي مركبة من جزأين: الأول فعل يعني إحداث الضجيج أو الطرق بصوت عالٍ، والثاني كلمة تعني الروح أو الشبح. فالمعنى الحرفي للكلمة هو الروح الصاخبة أو الشبح المزعج، ومن هنا جاءت الترجمة العربية الشائعة الأشباح الضاجة.
وتختلف هذه الظاهرة في الروايات عن قصص الأشباح التقليدية في أنها لا تركز على رؤية كائن أو طيف، بل على آثار مادية مسموعة أو ملموسة، كالطرق على الجدران، وسقوط الأواني، وفتح الأبواب وإغلاقها، وتحرك الأثاث، وأحيانًا رمي الحجارة أو الأشياء الصغيرة. ولهذا يصفها الباحثون بأنها ظاهرة مرتبطة بالمكان والأشخاص أكثر من ارتباطها بشكل محدد.
الظاهرة في الحكايات القديمة
لا تقتصر قصص الأصوات الغامضة والأشياء المتحركة على العصر الحديث، فقد وردت حكايات مشابهة في نصوص تاريخية أوروبية من القرون الوسطى وما بعدها، كما تعرف ثقافات أخرى روايات عن بيوت مسكونة تصدر منها أصوات وتتحرك فيها الأشياء. ويعكس هذا الانتشار الواسع ميل الإنسان في كل مكان إلى تفسير ما يعجز عن فهمه بقوى خفية.
أشهر الحالات المتداولة
تناقلت الصحف والكتب عددًا من الحالات التي نُسبت إلى الأشباح الضاجة، ومن أشهرها حالة إنفيلد في شمال لندن في أواخر السبعينيات، حين أبلغت أسرة عن أصوات طرق وتحرك أثاث في منزلها، وجذبت القصة اهتمام الصحفيين والباحثين في الظواهر الخارقة، ثم تحولت لاحقًا إلى مادة لأفلام ومسلسلات. غير أن القصة أثارت أيضًا جدلًا كبيرًا، إذ رأى بعض المتابعين أن جزءًا من الأحداث كان من صنع أفراد في الأسرة، وظل الخلاف حولها قائمًا.
وتتكرر في كثير من هذه الحالات ملاحظة لافتة، وهي وجود طفل أو مراهق في المنزل، وهو ما يشير إليه المقال من اعتقاد قديم بارتباط هذه الظاهرة بالبيوت التي يسكنها مراهقون. وقد استند المتشككون إلى هذه الملاحظة لترجيح أن بعض الحالات كانت نتيجة مزاح أو سعي إلى لفت الانتباه، بينما رآها المؤمنون بالظاهرة دليلًا على طاقة خاصة لدى هذه الفئة العمرية.
دور الإعلام في تضخيم القصص
تسهم وسائل الإعلام أحيانًا في تضخيم هذه الحكايات، فالقصة المثيرة تجذب القراء والمشاهدين، وقد يُنشر الخبر الأول بتفاصيل مبالغ فيها، بينما لا تحظى المراجعات والتحقيقات اللاحقة التي تكشف تفسيرات عادية بالاهتمام نفسه. ولهذا تبقى الصورة الشائعة عن كثير من الحالات أكثر غموضًا مما تظهره التحقيقات الدقيقة.
التفسيرات المطروحة للظاهرة
تتعدد التفسيرات التي قدمها الباحثون لهذه الظاهرة، وتتراوح بين تفسيرات علمية طبيعية وأخرى تنتمي إلى مجال علم النفس الموازي الذي لا يحظى بقبول واسع في الأوساط العلمية. ومن أبرز هذه التفسيرات:
فرضية التحريك الذهني
اقترح بعض الباحثين في علم النفس الموازي، ومنهم الأمريكي ويليام رول، أن هذه الظواهر قد تنتج عن قدرة لا واعية لدى شخص حي على تحريك الأشياء، وأطلقوا عليها اسم التحريك النفسي التلقائي المتكرر. وهذه هي الفكرة التي يشير إليها المقال الأصلي. لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه الفرضية لم تثبت بتجارب علمية محكمة قابلة للتكرار، ولذلك يرفضها أغلب العلماء.
التفسيرات الطبيعية والبيئية
- أصوات البناء: تتمدد المواد الخشبية والمعدنية وتنكمش مع تغير الحرارة والرطوبة فتصدر أصوات طقطقة.
- أنابيب المياه والتدفئة: قد تحدث ضربات قوية تُعرف بالمطرقة المائية عند إغلاق الصمامات فجأة.
- الحيوانات الصغيرة: كالقوارض والطيور التي تتحرك داخل الجدران والأسقف.
- الاهتزازات الخارجية: الناتجة عن حركة المرور الثقيلة أو القطارات القريبة أو الأعمال الإنشائية.
- التيارات الهوائية: التي قد تحرك الأبواب والستائر في المنازل القديمة.
العوامل الصحية والنفسية
يشير بعض الباحثين إلى أن التعرض لغاز أول أكسيد الكربون المنبعث من أجهزة التدفئة التالفة قد يسبب صداعًا وتشوشًا وأحيانًا هلاوس سمعية وبصرية، وقد ارتبطت حالات من الإحساس بوجود كائنات غامضة في بعض البيوت بهذا السبب. كما يذكر الباحثون أن الأصوات منخفضة التردد التي لا تسمعها الأذن بوضوح قد تثير لدى بعض الأشخاص شعورًا بعدم الارتياح أو القلق.
ويضاف إلى ذلك أثر الإيحاء والتوقع، فإذا اعتقد سكان منزل أنه مسكون، فإنهم يميلون إلى تفسير كل صوت عادي على أنه دليل على وجود شبح، ويتذكرون الأحداث التي تؤكد اعتقادهم وينسون ما يخالفه، وهو ما يسميه علماء النفس الانحياز التأكيدي.
الأشباح الضاجة في الثقافة الشعبية
ألهمت هذه الظاهرة عددًا كبيرًا من الأعمال الفنية، ومن أشهرها فيلم أمريكي من ثمانينيات القرن العشرين حمل اسم الظاهرة نفسها وحقق نجاحًا كبيرًا، ثم تبعته أفلام ومسلسلات وألعاب استلهمت فكرة البيت الذي تتحرك فيه الأشياء من تلقاء نفسها. وأسهمت هذه الأعمال في ترسيخ صورة الظاهرة في أذهان الجمهور، حتى صار كثيرون يعرفونها من الشاشة أكثر مما يعرفونها من الحكايات الأصلية.
البيوت المسكونة في التراث العربي
يعرف التراث العربي حكايات كثيرة عن البيوت المهجورة التي تصدر منها أصوات ليلية، وعن الأماكن التي يتجنبها الناس لاعتقادهم بأنها مسكونة. وغالبًا ما نُسبت هذه الأحداث في المخيلة الشعبية إلى الجن لا إلى أرواح الموتى، وهو فرق مهم بين التصور العربي والتصور الأوروبي الذي يربط الأشباح غالبًا بأرواح بشر ماتوا في المكان.
وفي التصور الإسلامي يؤمن المسلمون بوجود الجن بوصفه عالمًا غيبيًا، لكن العلماء يحذرون من المبالغة في نسبة كل حادث غريب إليه، ومن الانسياق وراء الدجالين الذين يستغلون خوف الناس لتحقيق مكاسب مادية. ويؤكد كثير من أهل العلم أن الأولى هو البحث عن الأسباب الظاهرة أولًا، والاستعانة بالأذكار المشروعة والطمأنينة بدلًا من الهلع.
لماذا تجذبنا قصص الغموض والرعب
يرى علماء النفس أن الإنسان يجد في قصص الرعب متعة خاصة لأنها تتيح له تجربة الخوف في بيئة آمنة، فيرتفع لديه مستوى الإثارة والانتباه دون أن يتعرض لخطر حقيقي. كما تثير هذه القصص الفضول تجاه المجهول، وتمنح الناس موضوعًا مشتركًا للحديث والتساؤل. ولهذا تبقى حكايات البيوت المسكونة حاضرة في المجالس والكتب والأفلام جيلًا بعد جيل، مهما تقدمت التفسيرات العلمية.
ومع ذلك ينبغي التفريق بين الاستمتاع بهذه القصص بوصفها أدبًا وتسلية، وبين تصديقها والعيش في خوف دائم بسببها، فالخوف المفرط قد يؤثر في النوم والصحة النفسية، خاصة لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى من يشرح لهم الفرق بين الخيال والواقع بهدوء.
نصائح لمن يسمع أصواتًا غريبة في منزله
إذا لاحظت أصواتًا متكررة أو حركة غير مفهومة في منزلك، فمن المفيد اتباع خطوات عملية قبل الوصول إلى أي استنتاج:
- فحص أجهزة التدفئة والغاز والتأكد من سلامتها، وتركيب جهاز إنذار لأول أكسيد الكربون.
- مراجعة شبكة المياه والأنابيب مع فني مختص.
- البحث عن آثار القوارض أو الحشرات في الأسقف والجدران.
- تسجيل أوقات الأصوات وظروفها لملاحظة أي ارتباط بالحرارة أو حركة المرور.
- استشارة مختص نفسي إذا صاحب ذلك قلق شديد أو اضطراب في النوم.
أسئلة شائعة
ما معنى كلمة بولترجايست؟
هي كلمة ألمانية تعني الروح الصاخبة أو الشبح المزعج، وتُطلق على الظواهر المنسوبة إلى أصوات غامضة وتحرك أشياء دون سبب ظاهر.
هل أثبت العلم وجود الأشباح الضاجة؟
لا، لم تثبت الأبحاث العلمية المحكمة وجود هذه الظاهرة بوصفها قوة خارقة، ويرجح أغلب العلماء أن الحالات المروية تعود إلى أسباب طبيعية أو نفسية أو إلى خداع متعمد.
لماذا تُربط الظاهرة بالمراهقين؟
لأن كثيرًا من الحالات المروية حدثت في بيوت يسكنها أطفال أو مراهقون، وقد فسر المتشككون ذلك باحتمال المزاح أو طلب الاهتمام، بينما قدّم آخرون تفسيرات غير مثبتة علميًا.
خلاصة
الأشباح الضاجة ظاهرة تنتمي إلى عالم الحكايات والمعتقدات الشعبية، وتدور حول أصوات وحركات غامضة في البيوت. وبينما تبقى قصصها مثيرة ومحببة لعشاق الغموض، تشير التفسيرات العلمية إلى أسباب طبيعية ونفسية وبيئية كثيرة، مما يدعو إلى التفكير النقدي والفحص العملي قبل نسبة أي حدث إلى قوى خارقة.
.png)
