قليلة هي الأساطير التي شغلت الخيال البشري كما فعلت أسطورة أطلانطس (Atlantis)، تلك الجزيرة العظيمة التي قيل إنها كانت موطن حضارة متقدمة قوية ثم ابتلعها البحر في يوم وليلة. ومنذ أن دوّنها الفيلسوف اليوناني أفلاطون قبل أكثر من ألفي عام، تحولت إلى مادة خصبة للمغامرين والروائيين وصناع الأفلام والباحثين عن الأسرار.
بعد استعراض ما يُروى عن هذه القارة المفقودة وأبرز النظريات المتداولة حولها، نتناول هنا النص الأصلي عند أفلاطون وسياقه الفلسفي، وموقف المؤرخين القدماء منه، ثم نعرض التفسيرات التي يطرحها العلماء اليوم، ونوضح ما يقوله علم الجيولوجيا عن فكرة القارات الغارقة.
أطلانطس بين الأسطورة والروايات المتداولة
لقد قالت الأساطير حول هذه القارة أن قارة اطلنطس كانت قارة قوية عسكريا ، وقد سيطرة على كامل اوروبا ولم يقم بهزيمتها سوا شعب اليونان ، وقد اختار الإله (بوسيدون) إله البحر هذه القارة ، وتزوج بها امراة من البشر تسمى (كوليتو) ، وقد شيد لها منزلا في وسط هذه القارة ، وقد انجب خمسة توائم حسب الاسطورة كلهم ذكور احدهم كان اطلس إله السماء ، بالطبع الكلام منقول عن افلاطون .
وقد دمرت قارة اطلانطس العظيمة قبل 9000 عاما ، اي خلال العصر البرونزي ، وهنالك خلاف حول اسباب دمار قارة اتلانتس العظيمة حيث قال البعض إن الدمار قد حل بهم بسبب زلزال عظيم دمر القارة عن بكرة ابيها ، وهنالك من يعتقد ان الدمار الذي حل بهذه القارة بسبب الانحلال الاخلاقي والديني الموجود في القارة فغرقوا بذنوبهم ، كقوم (سادوم) وقوم (عامورية) حيث حل بهم غضب شديد وخسفت الارض بهم ، وهنالك من يعتقد بأن سبب دمار هذه القارة هو غرقها في البحر، وقد انتقل معظم سكان هذه القارة الناجيين الى اوروبا الغربية.
وهذا ما يؤكد بعض الدراسات التي تقول بأن هذه القارة جزء من الساحل الإسباني او الجزء الجنوبي من اسبانيا، وقد اعلن الروحاني (ادجار كليس) مؤخرا انه دخل السجلات (الاكاشية) وزار قارة اطلنطس وقال ان قارة اطلنطس قد غارة في الماء بعد انفجار ذري هائل وقال إن قارة اطلنطس تقع بالقرب من جزر الباهاما .
وقد اكد هذه الرواية ما زعمه احد الغطاسين المدعو (د. فالنتين) حيث ادعى انه وجد بقايا مرفأ قديم مغمور بالماء بالقرب من جزر الباهاما وقال ان هذه البقايا تعود لقارة اطلانطس.
![]() |
| احدى خرائط البحار كولومبوس ومثبت عليها رسم لقارة غير موجودة |
بعض الدلائل التي تشير إلى وجودها في أعماق المحيط الأطلسي
1-الخرائط التي درسها البحار الشهير (كولومبس) قبل اكتشافه لأمريكا كانت تحتوي على رسم لجزيرة كبيرة غير موجودة في الوقت الحالي يعتقد العلماء أنها أطلنطس نفسها.
2-عثر الباحثون على سور يصل طوله إلى 120 كيلومتراً في أعماق المحيط الأطلسي ولا يُعرف حتى الآن إن كان بقايا القارة المفقودة.
3-تيار الماء المعروف باسم (تيار الخليج) النابع من القارة الأمريكية والمتجه لقارة أوروبا يتفرع إلى جزأين في منتصف المحيط الأطلسي وكأنه يلتف على الأرض ! يعتقد العلماء أن هذا التفرع سببه وجود قارة أطلنطس قديماً.
![]() |
| صورة لقارة اطلنطس تحاكي وصف افلاطون |
أطلانطس في نص أفلاطون
وردت القصة في محاورتين من محاورات أفلاطون هما طيمايوس وكريتياس، وقد كتبهما في القرن الرابع قبل الميلاد. وفيهما يروي كريتياس أن المشرّع الأثيني صولون سمع القصة من كهنة مصريين في مدينة سايس، وأن هؤلاء الكهنة أخبروه عن جزيرة كبيرة تقع وراء أعمدة هرقل، وهو الاسم القديم لمضيق جبل طارق، حكمها ملوك أقوياء بسطوا نفوذهم على مناطق واسعة، قبل أن يتصدى لهم الأثينيون الأوائل ويهزموهم.
ويصف أفلاطون عاصمة أطلانطس وصفا تفصيليا، فهي مدينة دائرية تحيط بها حلقات متناوبة من اليابسة والماء، تتصل بقنوات ضخمة، وتزخر بالمعابد والقصور والموانئ، وفي قلبها معبد مكرس لإله البحر بوسيدون. ثم يذكر أن سكانها، بعد أن كانوا فضلاء، أصابهم الغرور والطمع، فحلت بهم الكوارث وغرقت الجزيرة في البحر خلال يوم وليلة.
الغاية الفلسفية من القصة
يرى كثير من دارسي الفلسفة اليونانية أن أفلاطون لم يقصد تقديم رواية تاريخية، بل صاغ حكاية رمزية تخدم أفكاره عن الدولة المثالية التي عرضها في كتاب الجمهورية، فأثينا القديمة في القصة تمثل المدينة الفاضلة المنضبطة، بينما تمثل أطلانطس القوة المتغطرسة التي يقودها الطمع إلى الهلاك. وكان أفلاطون معروفا باستخدام الأساطير وسيلة تعليمية لتوضيح أفكاره المجردة.
موقف القدماء من الحكاية
لم يجمع الكتّاب الإغريق والرومان على تصديق القصة، فقد تعامل معها بعضهم بوصفها تاريخا حقيقيا، بينما شكك فيها آخرون. ويُنسب إلى أرسطو، تلميذ أفلاطون، موقف متشكك منها كما نقل عنه الجغرافي سترابو، وإن كان المؤرخون يختلفون في دقة هذه النسبة. واللافت أنه لا توجد أي إشارة مستقلة إلى أطلانطس في المصادر المصرية أو اليونانية الأقدم من أفلاطون، وهو ما يعزز رأي من يعدها من ابتكاره.
كيف عادت الأسطورة إلى الواجهة؟
ظلت القصة حاضرة في التراث الأوروبي، لكنها اكتسبت شعبية واسعة في أواخر القرن التاسع عشر حين نشر السياسي الأمريكي إغناتيوس دونيلي كتابا زعم فيه أن أطلانطس كانت أصل الحضارات القديمة كلها، وأن الناجين منها نقلوا المعارف إلى مصر وأمريكا الوسطى. وقد رفض المؤرخون وعلماء الآثار هذه الأطروحة لافتقارها إلى الأدلة، لكنها أطلقت موجة من الكتب والنظريات التي ما زالت تتكاثر إلى اليوم.
حضور أطلانطس في الأدب والسينما
- ظهرت أطلال المدينة الغارقة في رواية الكاتب الفرنسي جول فيرن عن الغواصة نوتيلوس وقبطانها نيمو.
- استلهمتها روايات المغامرات والخيال العلمي والقصص المصورة بكثرة، وصارت رمزا للعالم المفقود.
- أنتجت استوديوهات الرسوم المتحركة والسينما أفلاما تدور حول البحث عن المدينة الغارقة.
- دخل اسمها في ألعاب الفيديو والمسلسلات، وأصبح مرادفا لأي حضارة غامضة ضائعة.
التفسيرات العلمية المقترحة
فرضية ثيرا والحضارة المينوية
من أكثر التفسيرات تداولا بين الباحثين أن القصة ربما استلهمت ذاكرة بعيدة عن الثوران البركاني الهائل لجزيرة ثيرا، المعروفة اليوم بسانتوريني في بحر إيجة، خلال العصر البرونزي. فقد دمر هذا الثوران أجزاء واسعة من الجزيرة، وتزامن مع تراجع الحضارة المينوية المزدهرة في جزيرة كريت المجاورة، وهي حضارة بحرية متقدمة اشتهرت بقصورها وتجارتها. ويرى أصحاب هذا الرأي أن ذكرى تلك الكارثة ربما انتقلت عبر الأجيال وتحولت مع الزمن إلى قصة أطلانطس، وإن كانت هذه الفرضية تظل اجتهادا لا دليلا قاطعا.
مواقع أخرى مقترحة
اقترح الباحثون والهواة عشرات المواقع، من جنوب إسبانيا وسواحل المغرب إلى جزر الأزور وجزر الكناري، بل حتى القارة القطبية الجنوبية. ولا يحظى أي منها بقبول علمي واسع، لأن أيا منها لم يقدم آثارا تتطابق مع وصف أفلاطون أو مع الزمن الذي حدده.
ماذا يقول علم الجيولوجيا؟
يوضح علم الصفائح التكتونية أن قاع المحيط الأطلسي يتكون من قشرة محيطية أحدث عمرا من القارات، وأنه يتسع ببطء شديد بسبب تباعد الصفائح عند حيد وسط الأطلسي، وهي سلسلة جبلية بركانية تمتد تحت الماء. ولا يدعم هذا الفهم وجود قارة كاملة غرقت في زمن قريب، لأن القشرة القارية أخف من أن تغوص فجأة في الوشاح. أما الهياكل الصخرية المنتظمة التي يُشار إليها قرب جزر الباهاما، والمعروفة بطريق بيميني، فيرى أغلب الجيولوجيين أنها تكوينات طبيعية من الصخور الشاطئية تتشقق بأشكال تبدو منتظمة.
تيار الخليج وحقيقة تفرعه
يتشكل مسار تيار الخليج وتفرعاته بفعل الرياح السائدة ودوران الأرض وتضاريس القاع وفروق الحرارة والملوحة بين المياه، ولا حاجة لافتراض وجود يابسة مفقودة لتفسيره، وهو ما تؤكده دراسات علوم المحيطات الحديثة.
أسئلة شائعة
هل عُثر على أي آثار مؤكدة لأطلانطس؟
لا، لم يعثر علماء الآثار حتى الآن على أي بقايا يمكن ربطها بصورة مؤكدة بالمدينة التي وصفها أفلاطون.
لماذا لا تزال الأسطورة جذابة؟
لأنها تجمع بين الغموض والكارثة وفكرة الحضارة المفقودة، وتلامس رغبة الإنسان في اكتشاف ماض مجهول، كما تحمل عبرة أخلاقية عن عاقبة الغرور.
كيف نميز بين الأسطورة والتاريخ؟
يعتمد المؤرخون على تعدد المصادر المستقلة، والأدلة الأثرية الملموسة، والتأريخ العلمي للمواد، فإذا غابت هذه العناصر وبقيت الرواية معتمدة على نص أدبي واحد، فإنها تُصنف ضمن الحكايات والأساطير مهما بلغت شهرتها.
هل ترتبط أطلانطس باسم المحيط الأطلسي؟
يرتبط الاسمان معا بشخصية أطلس في الأساطير اليونانية، ويُطلق على المحيط والجزيرة الأسطورية اسمان مشتقان من الجذر نفسه.
خلاصة
تبقى أطلانطس واحدة من أشهر الحكايات في التاريخ الثقافي للبشرية، لكنها حتى اليوم أقرب إلى الرمز الفلسفي والإلهام الأدبي منها إلى الحقيقة التاريخية. وقراءة النص الأصلي في سياقه، ومقارنة النظريات المتداولة بما يقدمه علم الآثار والجيولوجيا، تساعدنا على الاستمتاع بالأسطورة دون أن نخلط بينها وبين الوقائع المثبتة.
.png)


.jpg)