يعد الحديث النبوي المشهور في اختيار الزوجة، والذي يختم بقوله فاظفر بذات الدين تربت يداك، من أهم النصوص التي ترسم للمسلم معايير اختيار شريكة الحياة. فقد ذكر الحديث الدوافع التي يتزوج الناس من أجلها عادة، وهي المال والحسب والجمال والدين، ثم أرشد إلى تقديم الدين لأنه الأساس الذي تبنى عليه الأسرة المستقرة.
نورد في هذا المقال أبرز صفات المرأة الصالحة كما ذكرها أهل العلم، ثم نتوسع في شرح معنى الحديث وألفاظه، والحكمة من تقديم الدين، والتوازن بينه وبين بقية الصفات، وأن معيار الدين والخلق مطلوب في الزوج أيضًا.
صفات المرأة الصالحة
شرح معنى الحديث
الحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو من الأحاديث التي يكثر العلماء من الاستشهاد بها في أبواب النكاح. وقد بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يقصدون في الزواج عادة أربع خصال، وليس المقصود الأمر بنكاح المرأة لهذه الخصال كلها، بل هو إخبار عن واقع الناس ودوافعهم، ثم جاء التوجيه بتقديم صاحبة الدين.
معنى قوله تربت يداك
أصل هذه العبارة في اللغة الدعاء بالفقر، فمعنى ترب الرجل أي افتقر حتى كأنه لصق بالتراب. لكن العرب كانت تستعمل مثل هذه العبارات دون أن تقصد معناها الحرفي، وإنما للحث والتحريض والتنبيه، كما يقول أحدنا لصاحبه عبارة ظاهرها الذم ومقصودها التشجيع. وقد ذكر شراح الحديث أن المقصود هنا الحث الشديد على اختيار ذات الدين، وأن من تركها إلى غيرها قد يخسر ما هو أنفع له.
معنى الحسب
الحسب في اللغة ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وأسرته، ويطلق على شرف النسب والمكانة الاجتماعية. وقد كان كثير من الناس يحرصون على مصاهرة الأسر ذات الجاه والمكانة، ولا يزال ذلك حاضرًا في مجتمعات كثيرة.
الحكمة من تقديم الدين
ذكر العلماء حكمًا عديدة لتقديم صفة الدين على غيرها من الصفات، منها:
- الدوام: فالجمال يذبل مع الزمن، والمال قد يذهب، والحسب لا يغني عن سوء الخلق، أما الدين والخلق فيبقيان ويزدادان رسوخًا.
- حسن العشرة: فالمرأة المتدينة تعرف حقوق زوجها وواجباتها، وتعامله بالمعروف في الرضا والغضب.
- تربية الأبناء: فالأم هي المدرسة الأولى، وصلاحها ينعكس على أخلاق الأولاد وقيمهم.
- حفظ الأسرار والأمانة: فصاحبة الدين تحفظ زوجها في نفسها وماله وبيته في حضوره وغيابه.
- الإعانة على الطاعة: فهي تذكر زوجها بالخير وتعينه على أمر آخرته، كما ورد في الحديث الذي يذكره المقال.
هل يعني ذلك إهمال الصفات الأخرى؟
يوضح العلماء أن الحديث لا يذم الجمال أو المال أو الحسب في ذاتها، ولا يمنع من مراعاتها، وإنما يجعل الدين هو الأصل والمعيار الأول. فإذا اجتمع الدين مع الجمال أو الحسب كان ذلك خيرًا، وقد وردت نصوص أخرى تدل على مشروعية النظر إلى المخطوبة لأنه أحرى أن يدوم الود بين الزوجين، مما يدل على أن القبول والارتياح النفسي أمر معتبر.
التوافق بين الزوجين
من الأمور التي يراعيها الناس ويشير إليها الفقهاء في باب الكفاءة تقارب الزوجين في الدين والخلق والبيئة، لأن هذا التقارب يقلل من أسباب الخلاف ويساعد على التفاهم. كما ينبغي أن يحرص الطرفان على التعارف المشروع قبل الزواج، والسؤال عن الطباع والأخلاق، حتى يكون القرار مبنيًا على معرفة واضحة.
معيار الدين والخلق في اختيار الزوج
لا يقتصر هذا التوجيه النبوي على اختيار الزوجة، فقد ورد في السنة ما يرشد أولياء المرأة إلى قبول الخاطب إذا رضوا دينه وخلقه، وحذر من رد صاحب الدين والخلق لأن ذلك قد يفضي إلى فساد في المجتمع. فالمعيار واحد في الطرفين: الدين الذي يضبط السلوك، والخلق الذي يحسن العشرة. وكثيرًا ما ينبه العلماء إلى أن الجمع بين الدين وحسن الخلق ضروري، فقد يكون الشخص محافظًا على العبادات الظاهرة لكنه سيئ المعاملة، وهذا خلاف المقصود.
صفات الزوج الصالح
- المحافظة على الفرائض والابتعاد عن المحرمات.
- حسن الخلق والرفق في المعاملة.
- القدرة على تحمل المسؤولية والإنفاق على الأسرة.
- العدل والوفاء والصدق.
- احترام الزوجة وأهلها ومشاورتها في شؤون البيت.
كيف يعرف الدين والخلق قبل الزواج؟
لما كان الدين والخلق من الأمور التي لا تظهر دائمًا للعيان، أرشد أهل العلم إلى وسائل تعين على معرفتهما، منها:
- السؤال عن الشخص لدى من يعرفونه معرفة حقيقية، كالجيران وزملاء العمل والأصدقاء الثقات.
- ملاحظة تعامله مع والديه وأهله، فهو مؤشر مهم على تعامله المستقبلي مع شريك حياته.
- الحوار خلال فترة الخطبة في القضايا الأساسية، كتصور كل منهما للحياة الزوجية وتربية الأبناء.
- الاستخارة والاستشارة، فهما من الأسباب التي تعين على اتخاذ القرار الصائب.
أثر الاختيار الصحيح في استقرار الأسرة
تؤكد التجارب الاجتماعية أن كثيرًا من المشكلات الزوجية يعود إلى سوء الاختيار منذ البداية، حين يبنى القرار على الانبهار بالمظهر أو الحماس المؤقت أو ضغط الأهل، دون نظر كافٍ في الطباع والقيم المشتركة. أما حين يقوم الاختيار على التقوى وحسن الخلق، فإن الزوجين يجدان مرجعًا مشتركًا يحتكمان إليه عند الخلاف، ويتعاملان بالرحمة والعدل والإنصاف.
الزواج سكن ومودة ورحمة
وصف القرآن الكريم العلاقة الزوجية بأنها سكن، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، وهي معانٍ لا تتحقق بالمال أو الجمال وحدهما، بل تحتاج إلى نفوس طيبة تعرف قيمة العشرة وتصبر على تقلبات الحياة. ولهذا كان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحبة الصلاح توجيهًا إلى ما يحقق هذه المقاصد الكبرى.
دور الأهل في الاختيار
للأهل دور مهم في النصح والسؤال والتحري، لكن العلماء يؤكدون أن رضا الطرفين شرط أساسي، وأنه لا يجوز إكراه أحدهما على الزواج بمن لا يرغب فيه، فالقبول القلبي من أسس الاستقرار.
ومن المفيد أيضًا أن يتعرف كل من الخاطبين على أسرة الآخر وطريقة عيشها، لأن الزواج في مجتمعاتنا ارتباط بين عائلتين لا بين فردين فقط، والتقارب في العادات يسهل التفاهم ويقلل الخلافات.
أسئلة شائعة
ما معنى فاظفر بذات الدين؟
أي احرص على الفوز بالمرأة صاحبة الدين، واجعل الدين هو الصفة التي تقدمها في اختيارك، لأنها أنفع لك في دنياك وآخرتك.
هل تربت يداك دعاء على المخاطب؟
أصلها في اللغة دعاء بالفقر، لكنها تستعمل في كلام العرب للحث والتنبيه دون قصد معناها الحرفي، كما بين شراح الحديث.
هل يجوز مراعاة الجمال عند اختيار الزوجة؟
نعم، فمراعاة الجمال والقبول النفسي أمر فطري معتبر، والحديث إنما يوجه إلى ألا يكون الجمال وحده هو المعيار، وأن يقدم الدين عند التعارض.
خلاصة
يرسم هذا الحديث منهجًا متوازنًا في اختيار شريك الحياة، يعترف بالدوافع الطبيعية للناس، لكنه يجعل الدين والخلق المعيار الأول، لأنهما أساس السكينة والمودة والرحمة في البيت. وهو معيار مطلوب من الرجل والمرأة على السواء، وبقدر ما يتحقق في الزوجين تكون الأسرة أقرب إلى الاستقرار والسعادة.
.png)
.jpg)