افتتاح أول مقهى إنترنت نسائي في أفغانستان
رويترز - افتتح في أفغانستان أول مقهى إنترنت نسائي، وذلك بهدف منح النساء الأفغانيات فرصة التواصل مع العالم الخارجي بأمان، بعيداً عن المضايقات والنظرات غير المرغوبة التي كانت تجعل من مقاهي الإنترنت التقليدية أماكن غير مريحة لهن. سُمّي المقهى باسم "سحر جول"، وهي فتاة أفغانية تعرضت للتعذيب بشكل وحشي على يد عائلة زوجها بعد أن رفضت الانصياع لمطالبهم، فتحوّلت قصتها إلى رمز وطني لمعاناة كثير من النساء الأفغانيات. وقد تبرعت جهات داعمة بأكثر من اثني عشر جهاز كمبيوتر محمول للمقهى المذكور، وتم الافتتاح في 8 مارس 2012، وهو التاريخ الذي يصادف اليوم العالمي للمرأة.
من هي سحر جول؟ ولماذا حمل المقهى اسمها؟
لم يكن اختيار اسم "سحر جول" للمقهى عشوائياً، بل جاء تكريماً لفتاة أفغانية تعرّضت لواحدة من أبشع حوادث العنف الأسري التي هزّت الرأي العام الأفغاني والعالمي في مطلع عام 2012. فقد زُوّجت الفتاة قسراً وهي في سن مبكرة، وتعرّضت لتعذيب وحشي على يد زوجها وأسرته بعد رفضها الانصياع لمطالبهم، إلى أن عُثر عليها في حالة حرجة وتم إنقاذها وتسليط الضوء على قضيتها إعلامياً. وقد رأت مجموعة "شابات من أجل التغيير" (Young Women for Change)، وهي المجموعة النسائية الأفغانية التي أسست المقهى، أن تسمية المكان باسم سحر جول تحمل رسالة قوية عن صمود المرأة الأفغانية وشجاعتها في مواجهة الظلم، وتكريماً لكل النساء اللواتي يعانين ظروفاً مشابهة في مختلف أنحاء البلاد.
لماذا كانت هناك حاجة لمقهى إنترنت مخصص للنساء فقط؟
كانت مقاهي الإنترنت في أفغانستان قبل افتتاح "سحر جول" أماكن يهيمن عليها الرجال بشكل شبه كامل، سواء من حيث الملكية أو الارتياد، مما جعل ارتيادها من قبل امرأة بمفردها أمراً غير مريح اجتماعياً، وأحياناً محفوفاً بالمضايقات اللفظية. لهذا السبب، أرادت مجموعة "شابات من أجل التغيير" خلق بيئة آمنة ومريحة تماماً، تتيح للنساء استخدام الإنترنت للتعلم والتواصل مع العالم الخارجي والتعبير عن آرائهن دون خوف من أي شكل من أشكال المضايقة أو الرقابة الاجتماعية المفروضة عليهن في الأماكن العامة المختلطة.
تصميم المقهى وأجواؤه
حُرص عند تصميم المقهى على إضفاء أجواء دافئة ومريحة تشجّع الزائرات على البقاء والاسترخاء، فضمّ المكان إلى جانب أجهزة الكمبيوتر مكتبة صغيرة ومقاعد ووسائد مريحة تمنح المرتادات إحساساً بالخصوصية والراحة، بعيداً عن الطابع الجاف الذي عادة ما تحمله مقاهي الإنترنت التقليدية. كما اختير موقع المقهى في زقاق هادئ داخل العاصمة كابل، مع نوافذ ذات تأثير عاكس يسمح بالرؤية من الداخل إلى الخارج دون العكس، بما يمنح الزائرات شعوراً إضافياً بالأمان والخصوصية أثناء تواجدهن فيه.
ماذا كانت تقدّم النساء الأفغانيات في هذا المقهى؟
توافدت عشرات النساء والفتيات يومياً على المقهى منذ افتتاحه، مستخدمات المكان لأغراض متنوعة شملت الدراسة والتقديم على الجامعات، والتواصل مع الأصدقاء والأقارب عبر البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، والبحث عن فرص عمل، فضلاً عن المشاركة في نقاشات وحملات توعوية متعلقة بحقوق المرأة. وبالنسبة لكثير من الطالبات الجامعيات، شكّل المقهى فرصة نادرة لإنجاز أبحاثهن ومهامهن الدراسية في بيئة هادئة وآمنة، بعيداً عن ضغط النظرات أو التعليقات غير المرغوبة التي قد يواجهنها في أماكن أخرى.
دور مجموعة "شابات من أجل التغيير" في المشروع
تُعد "شابات من أجل التغيير" مجموعة نشاط نسائية أفغانية تأسست بهدف تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين النساء وزيادة مشاركتهن الاجتماعية في البلاد. وقد سبق للمجموعة تنظيم فعاليات ميدانية للتوعية بمكافحة التحرش، إلى جانب حملات ملصقات في شوارع العاصمة كابل. وجاء مشروع مقهى "سحر جول" كأحد أبرز مبادراتها العملية الملموسة، إذ لم يكتفِ المشروع بتوفير خدمة الإنترنت فحسب، بل سعى أيضاً لخلق مساحة اجتماعية آمنة تمنح النساء فرصة للتجمع والنقاش وتبادل الخبرات فيما بينهن.
هل بقي المقهى تجربة محلية أم كانت له طموحات أوسع؟
عبّرت القائمات على المشروع منذ البداية عن طموحهن في ألا يبقى مقهى "سحر جول" تجربة معزولة في العاصمة كابل فقط، بل أن يتحول إلى نموذج يُحتذى به لافتتاح مقاهٍ مشابهة في مقاطعات أفغانية أخرى، بعد أن أظهرت استطلاعات أجرتها المجموعة أن النساء في مناطق مختلفة من البلاد يواجهن التحدي نفسه في الوصول الآمن إلى الإنترنت. وقد نجحت التجربة في جذب اهتمام إعلامي دولي واسع، ما ساهم في تسليط الضوء على قضايا وصول المرأة الأفغانية للتكنولوجيا كجزء من قضية أوسع تتعلق بحقوقها الأساسية في التعليم والعمل والمشاركة العامة.
لماذا لقيت قصة المقهى صدى إعلامياً عالمياً واسعاً؟
حظي افتتاح مقهى "سحر جول" باهتمام إعلامي دولي لافت في حينه، إذ غطته وكالات أنباء عالمية كبرى، وتناولته صحف ومحطات إخبارية في عدة قارات. ويعود هذا الاهتمام الواسع لعدة أسباب مجتمعة؛ فمن جهة، جاء توقيت الافتتاح متزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، وهو ما منح الخبر بعداً رمزياً إضافياً في نظر وسائل الإعلام الدولية. ومن جهة أخرى، شكّلت الصورة الذهنية لمقهى إنترنت مخصص للنساء فقط في بلد يواجه فيه النساء تحديات جسيمة في الوصول إلى أبسط الحقوق، تناقضاً لافتاً استحوذ على اهتمام الجمهور العالمي الباحث عن قصص الأمل والتغيير الإيجابي وسط أخبار الصراعات المتكررة القادمة من المنطقة.
كما ساهمت طبيعة اسم المقهى نفسه، المستوحى من قصة إنسانية مؤثرة لفتاة ناجية من العنف، في تحويل الخبر من مجرد افتتاح تجاري عادي إلى قصة إنسانية متكاملة تحمل دلالات أعمق حول صمود المرأة الأفغانية، وهو ما جعلها مادة صحفية جذابة لصحفيين ومصورين من مختلف أنحاء العالم توافدوا لتغطية الحدث وتوثيقه بالصور والفيديو.
السياق الأوسع: الإنترنت وحقوق المرأة في أفغانستان اليوم
منذ افتتاح مقهى "سحر جول" عام 2012 وحتى اليوم، تغيّر المشهد في أفغانستان بشكل جذري. فبعد عودة حركة طالبان للسيطرة على البلاد في أغسطس 2021، فُرضت قيود واسعة على حياة النساء الأفغانيات شملت حرمانهن من التعليم الثانوي والجامعي ومعظم فرص العمل والأماكن العامة، ما جعل الإنترنت بالنسبة لكثير منهن الوسيلة الوحيدة المتبقية للتعلم عن بُعد والتواصل مع العالم الخارجي. وفي سبتمبر 2025، فرضت سلطات طالبان بالفعل حظراً شبه كامل على خدمات الإنترنت في عدة مقاطعات ثم على مستوى البلاد بأكملها لعدة أيام، بذريعة "منع الأعمال غير الأخلاقية"، قبل أن تتم استعادة الخدمة جزئياً في وقت لاحق. وقد حذّرت منظمات حقوقية دولية عدة من أن هذا النوع من القيود يحرم النساء والفتيات الأفغانيات من "آخر شريان" متبقٍ لهن للتعلم والعمل عن بُعد، في ظل استمرار حرمانهن من معظم الحقوق الأساسية الأخرى.
وفي ضوء هذا التطور، يكتسب مشروع مقهى "سحر جول" أهمية تاريخية إضافية بوصفه شاهداً على مرحلة كانت فيها إمكانية الوصول للإنترنت، رغم كل التحديات الاجتماعية القائمة آنذاك، أكثر انفتاحاً بكثير مما هي عليه الحال في السنوات الأخيرة.
خاتمة
يبقى افتتاح مقهى "سحر جول" في مارس 2012 محطة لافتة في مسيرة النضال من أجل حقوق المرأة الأفغانية في الوصول الآمن للتكنولوجيا والمعلومة، إذ جسّد مبادرة محلية بسيطة تحمل رسالة كبيرة عن قدرة النساء على خلق مساحاتهن الآمنة الخاصة رغم كل الظروف الاجتماعية المحيطة بهن. وبين ماضي هذا المشروع الملهم وحاضر القيود المتجددة على الإنترنت في أفغانستان، تظل قصة "سحر جول" تذكيراً بأن الوصول إلى المعلومة والتواصل مع العالم لا يزال يمثل، بالنسبة لكثير من النساء حول العالم، أكثر من مجرد رفاهية تقنية، بل حقاً أساسياً يستحق الدفاع عنه.
.png)