الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفريضة مالية تحقق التكافل بين أفراد المجتمع، وقد حدد القرآن الكريم الجهات التي تُصرف إليها تحديداً دقيقاً، فيما يُعرف بمصارف الزكاة أو الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة، وذلك في آية من سورة التوبة. وتحديد هذه المصارف في النص القرآني نفسه يدل على أهمية وصول هذا الحق إلى مستحقيها الحقيقيين.
بعد عرض الأصناف الثمانية وشرحها كما ورد في المقال، نتناول في هذا المقال تعريف الزكاة وشروط وجوبها، والأموال التي تجب فيها، ومن لا يجوز الدفع إليهم، ومسائل اختلف فيها الفقهاء في تطبيق بعض المصارف، والحكمة من الزكاة، وطرق إخراجها اليوم، مع التأكيد على الرجوع إلى أهل العلم في الحالات الخاصة.
شرح الأصناف الثمانية
تعريف الزكاة ومكانتها
الزكاة في اللغة النماء والطهارة والبركة، وفي الاصطلاح الشرعي حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. وسميت بذلك لأنها تطهر نفس المزكي من الشح، وتطهر ماله، وتنمي البركة فيه. وقد قرن القرآن الكريم الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة، مما يدل على عظيم منزلتها، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام بحسب الترتيب المشهور في الحديث.
شروط وجوب الزكاة
يذكر الفقهاء شروطاً للوجوب في المال، من أبرزها:
- الإسلام: ففهذه الفريضة عبادة تجب على المسلم.
- الملك التام: أي أن يكون المال مملوكاً لصاحبه ملكاً مستقراً يتصرف فيه.
- بلوغ النصاب: وهو الحد الأدنى من المال الذي تجب فيه الزكاة، ويختلف باختلاف نوع المال.
- حولان الحول: أي مرور سنة قمرية كاملة على امتلاك النصاب في أغلب الأموال، باستثناء الزروع والثمار التي تزكى عند الحصاد، وما يلحق بها.
- الزيادة عن الحاجات الأصلية: عند كثير من الفقهاء، كالمسكن والملبس وأدوات العمل.
الأموال التي تجب فيها الزكاة
- الذهب والفضة والنقود: وما يقوم مقامها من الأوراق النقدية والأرصدة.
- عروض التجارة: أي السلع المعدة للبيع بقصد الربح.
- الزروع والثمار: بشروط وأنواع فصلها الفقهاء، وتختلف النسبة بحسب طريقة السقي.
- بهيمة الأنعام: كالإبل والبقر والغنم بشروط معينة.
- المعادن والركاز: على تفصيل بين المذاهب.
وقد ناقش الفقهاء المعاصرون مسائل جديدة كزكاة الأسهم والرواتب والمستغلات والديون والأموال المستثمرة، وصدرت فيها قرارات من مجامع فقهية، ويُرجع فيها إلى أهل الاختصاص.
من لا يجوز دفع الزكاة إليهم
إلى جانب تحديد المستحقين، بين الفقهاء أصنافاً لا يجوز الدفع إليها في الجملة، ومنهم:
- الأغنياء: القادرون على كفاية أنفسهم، إلا من دخل في صنف آخر كالعاملين عليها والغارمين لإصلاح ذات البين عند بعض الفقهاء.
- الأصول والفروع: كالوالدين والأجداد والأبناء والأحفاد الذين تجب نفقتهم على المزكي، لأن الإنفاق عليهم واجب أصلاً.
- الزوجة: لأن نفقتها واجبة على زوجها، واختلفوا في دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها الفقير.
- القوي القادر على الكسب: عند كثير من الفقهاء، لأنه يستطيع أن يغني نفسه بعمله.
- آل النبي صلى الله عليه وسلم: عند جمهور العلماء، مع تفصيل في بعض الأحوال.
مسائل اختلف فيها الفقهاء
الفرق بين الفقير والمسكين
اختلف العلماء في أيهما أشد حاجة، فذهب بعضهم إلى أن الفقير أشد حاجة من المسكين، وذهب آخرون إلى العكس، والأمر في التطبيق متقارب، إذ يشمل الصنفان كل من لا يجد كفايته وكفاية من يعولهم.
سهم المؤلفة قلوبهم
اختلف الفقهاء في بقاء هذا السهم بعد قوة الإسلام وانتشاره، فرأى بعضهم أنه سقط بزوال الحاجة إليه، ورأى آخرون أنه باقٍ يُعمل به متى وُجدت المصلحة التي يقدرها ولي الأمر.
معنى في سبيل الله
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المقصود به الجهاد والمجاهدون، بينما توسع بعض العلماء، خاصة من المعاصرين، فأدخلوا فيه أوجهاً من مصالح المسلمين العامة كالدعوة ونشر العلم، وما زالت المسألة موضع نقاش بين أهل العلم.
في الرقاب في العصر الحديث
كان هذا المصرف يُصرف في تحرير العبيد وفك الأسرى، ومع انتهاء الرق في العالم بحث العلماء في تطبيقاته المعاصرة، كفداء الأسرى المسلمين، واجتهد بعضهم في إلحاق صور أخرى به.
استيعاب الأصناف
اختلف الفقهاء في وجوب التوزيع على جميع الأصناف الثمانية، فذهب الجمهور إلى جواز دفعها إلى صنف واحد أو أكثر بحسب الحاجة، بينما رأى بعضهم وجوب التعميم عند الإمكان.
الحكمة من الزكاة
- تطهير النفس من البخل والشح، وتعويدها على البذل والعطاء.
- سد حاجة الفقراء والمساكين وحفظ كرامتهم.
- تحقيق التكافل الاجتماعي وتقوية الروابط بين الأغنياء والفقراء.
- الحد من تكدس الثروة في أيدي قلة من الناس، وتحريك المال في المجتمع.
- تخفيف أعباء الديون عن الغارمين، ومساعدة المسافرين المنقطعين.
- شكر الله على نعمة المال.
طرق إخراج الزكاة اليوم
يمكن للمسلم أن يخرج زكاته بنفسه إلى المستحقين الذين يعرفهم، أو أن يدفعها إلى المؤسسات الرسمية والجمعيات الموثوقة التي تتولى جمعها وتوزيعها، كصناديق الزكاة وبيوت الزكاة في عدد من البلدان. ومن المهم التحقق من موثوقية الجهة والتزامها بصرف الأموال في مصارفها الشرعية. كما يُستحسن البدء بالأقارب المستحقين ممن لا تجب نفقتهم، لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة، ومراعاة الأشد حاجة.
الفرق بين زكاة المال وزكاة الفطر
زكاة الفطر فريضة مختلفة تجب على المسلم في نهاية شهر رمضان عنه وعمن يعول، ولها أحكام خاصة في مقدارها ووقت إخراجها، وقد اختلف العلماء في مصارفها، فرأى بعضهم أنها تُصرف في مصارف الزكاة الثمانية، ورأى آخرون أنها خاصة بالفقراء والمساكين.
الزكاة في تاريخ المجتمع الإسلامي
أدت الزكاة عبر التاريخ الإسلامي دوراً مهماً في بناء المجتمع، فقد كانت الدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ترسل العاملين لجمعها من الأغنياء وتوزيعها على المستحقين في أماكنهم. ويذكر المؤرخون روايات عن فترات ازدهر فيها المجتمع حتى صعب العثور على من يقبل الصدقة في بعض المناطق، وهي روايات تعكس المثل الأعلى الذي تهدف إليه هذه الفريضة. كما ارتبطت هذه الفريضة بمؤسسة بيت المال التي كانت تدير موارد الدولة ونفقاتها.
الزكاة والتنمية
يناقش الاقتصاديون المسلمون المعاصرون دور الزكاة في التنمية، وكيف يمكن أن تسهم إلى جانب سد الحاجات العاجلة في تمكين الفقراء من العمل والإنتاج، كتمويل مشروعات صغيرة أو أدوات عمل للقادرين على الكسب، بحيث يتحول المستحق مع الوقت إلى منتج وربما إلى مزكٍ. وقد طرحت مؤسسات زكاة في بلدان مختلفة برامج في هذا الاتجاه، مع الالتزام بالضوابط الشرعية التي يحددها العلماء.
أسئلة شائعة
هل يجوز إعطاء الزكاة للأخ أو الأخت؟
يذهب كثير من العلماء إلى جواز ذلك إذا كانوا مستحقين ولم تكن نفقتهم واجبة على المزكي، بل إن فيها أجر الصدقة والصلة معاً، وللتفصيل يُسأل أهل العلم.
هل يجوز تأخير الزكاة؟
الأصل إخراجها عند وجوبها دون تأخير، وأجاز بعض العلماء التأخير اليسير لمصلحة كانتظار قريب محتاج، على تفصيل عندهم.
هل يجب إخبار الفقير بأن المال زكاة؟
لا يشترط ذلك عند كثير من العلماء، بل قد يكون الأولى عدم إحراجه، ما دام المزكي يغلب على ظنه أنه مستحق.
خلاصة
حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة في ثمانية أصناف: الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، ليضمن وصولها إلى مستحقيها. وتجب بشروط كبلوغ النصاب وحولان الحول، في أموال محددة، ولا تُدفع لفئات معينة كالأغنياء ومن تجب نفقتهم. وقد اختلف الفقهاء في تفاصيل بعض المصارف وتطبيقاتها المعاصرة، ويبقى الرجوع إلى أهل العلم والمؤسسات الموثوقة سبيلاً لإخراجها على الوجه الصحيح.
.png)
