أثار الإعلان عن تقديرات لكميات من اليورانيوم في وسط الأردن اهتماماً واسعاً، وتداولت وسائل الإعلام عناوين لافتة مثل وصف الأردن بأنه أغنى دولة فقيرة في العالم بعد اكتشاف 25 ألف طن يورانيوم. وفي هذا المقال ننشر الخبر كما ورد في حينه، ثم نقدم خلفية علمية واقتصادية تساعد على فهمه: ما هو اليورانيوم وما الكعكة الصفراء، وكيف تقدر الاحتياطيات وتدقق، ولماذا لا يعني وجود الخام ثروة فورية، وما علاقة ذلك بحاجات الأردن من الطاقة.
تفاصيل الإعلان عن اليورانيوم
ما هو اليورانيوم؟
اليورانيوم عنصر كيميائي فلزي مشع يوجد في الطبيعة بتراكيز متفاوتة في الصخور والتربة ومياه البحر. ويتكون اليورانيوم الطبيعي في معظمه من نظير اليورانيوم 238، مع نسبة صغيرة من اليورانيوم 235 القابل للانشطار، وهو النظير الذي تعتمد عليه معظم المفاعلات النووية لإنتاج الحرارة ثم الكهرباء. ولكي يُستخدم وقوداً في أغلب أنواع المفاعلات يحتاج اليورانيوم إلى مراحل معالجة متعددة، تبدأ بالتعدين وتنتهي بتصنيع قضبان الوقود.
الكعكة الصفراء
الكعكة الصفراء اسم يطلق على مركز أكسيد اليورانيوم الذي يُستخرج من الخام بعد طحنه ومعالجته كيميائياً. وسميت بهذا الاسم لأن لونها في بعض مراحل الإنتاج القديمة كان أصفر، وإن كانت قد تظهر بألوان أغمق. وهي ليست وقوداً نووياً جاهزاً، بل مادة وسيطة تُباع عادة في الأسواق العالمية، ثم تُحول وتُخصب وتُصنع وقوداً في منشآت متخصصة.
كيف تقدر احتياطيات الخامات؟
يفرق علماء الجيولوجيا والتعدين بين مستويات مختلفة من التقديرات. فهناك الموارد المستنتجة التي تقوم على عدد محدود من العينات والقياسات، والموارد المؤشرة والمقاسة التي تقوم على حفر واختبار أكثف، ثم الاحتياطيات التي ثبت أن استخراجها مجدٍ اقتصادياً وتقنياً بالأسعار والتقنيات المتاحة. ولهذا يحرص المستثمرون والحكومات على أن تراجع شركات تدقيق مستقلة الأرقام وطرق القياس، كما ورد في الخبر عن دور مدقق خارجي في مراجعة القياسات الإشعاعية ومقارنتها بالتحليل الكيميائي.
القياس الإشعاعي والتحليل الكيميائي
تُستخدم في التنقيب عن اليورانيوم أجهزة تقيس الإشعاع الصادر من الصخور، وهي وسيلة سريعة لتحديد المناطق الواعدة. لكن الإشعاع قد يتأثر بعناصر أخرى مصاحبة، ولذلك تُؤخذ عينات تحلل كيميائياً في المختبرات لمعرفة التركيز الفعلي. والمقارنة بين الطريقتين ضرورية للوصول إلى تقديرات موثوقة.
اليورانيوم في الأردن: خلفية جيولوجية
يعرف الأردن منذ عقود بغناه بالفوسفات، وهو من أهم صادراته التقليدية، والفوسفات يحتوي في كثير من مناطق العالم على نسب صغيرة من اليورانيوم يمكن استخلاصها نظرياً. كما أشارت الدراسات الجيولوجية إلى وجود توضعات سطحية لليورانيوم في وسط المملكة، مرتبطة بصخور كربوناتية قريبة من السطح. وتتميز الخامات القريبة من السطح بأنها قد تكون أسهل في التعدين من الخامات العميقة، لكن جدواها تعتمد على تركيز اليورانيوم فيها وطبيعة الصخر وطريقة الاستخلاص المناسبة.
وقد أشار الخبر إلى استخدام الغسيل بالمحاليل القلوية للخامات الكربوناتية، وهي طريقة تستعمل حين يحتوي الصخر على نسبة عالية من الكربونات تجعل المعالجة بالأحماض أكثر كلفة، لأن الحمض يستهلك في التفاعل مع الكربونات.
لماذا لا يعني الاكتشاف ثروة فورية؟
تحمل عناوين مثل أغنى دولة فقيرة قدراً من المبالغة الصحفية، لأن تحويل الخام في باطن الأرض إلى عائد اقتصادي يمر بخطوات طويلة ومكلفة، وتتأثر النتيجة بعوامل كثيرة، منها:
- تركيز الخام: فالخامات منخفضة التركيز تحتاج إلى معالجة كميات ضخمة من الصخور.
- كلفة الاستخلاص: وتشمل الطاقة والمياه والمواد الكيميائية والمعدات، والمياه تحديداً مورد شحيح في الأردن.
- الأسعار العالمية: سعر اليورانيوم متقلب، وقد يجعل مشروعاً مجدياً في وقت وغير مجدٍ في وقت آخر.
- المتطلبات البيئية والرقابية: فالتعدين يتطلب إدارة المخلفات المشعة وحماية العاملين والسكان.
- البنية التحتية والتمويل: مشاريع التعدين تحتاج إلى استثمارات كبيرة وسنوات قبل أن تبدأ الإنتاج.
علاقة الأمر بأمن الطاقة في الأردن
يعتمد الأردن تقليدياً على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاته من الطاقة، وهو ما يمثل عبئاً على اقتصاده وموازنته. ولذلك اهتمت الدولة بتنويع مصادر الطاقة، ومن ذلك دراسة الصخر الزيتي الذي يملك الأردن منه كميات كبيرة، والتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب طرح خيار الطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. وفي هذا الإطار جاء الاهتمام بموارد اليورانيوم المحلية بوصفها عاملاً قد يدعم أي برنامج نووي سلمي أو يوفر مصدراً للتصدير.
هيئة الطاقة الذرية الأردنية
هيئة الطاقة الذرية الأردنية مؤسسة رسمية تُعنى بتطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في المملكة، ومن مهامها الإشراف على استكشاف الخامات النووية ودراسة مشاريع الطاقة والبحث العلمي في هذا المجال. وقد ورد في الخبر حديث رئيسها عن نتائج الاستكشاف خلال افتتاح ورشة علمية لمستخدمي ضوء السنكروترون، في إشارة إلى مشروع سيسامي الإقليمي لمسرع السنكروترون المقام في الأردن، وهو مختبر علمي يخدم باحثين من دول عدة في الشرق الأوسط.
اليورانيوم في الاقتصاد العالمي
يستخدم اليورانيوم أساساً وقوداً لمحطات الطاقة النووية التي توفر جزءاً من كهرباء عدد من الدول، كما تستخدم بعض نظائر المواد المشعة في الطب والصناعة والبحث العلمي. وتتركز معظم عمليات إنتاج اليورانيوم في عدد محدود من الدول التي تملك خامات غنية وصناعة تعدين متطورة. ويتأثر الطلب عليه بالسياسات الحكومية تجاه الطاقة النووية، إذ تتوسع بعض الدول في بناء المفاعلات بحثاً عن كهرباء منخفضة الانبعاثات، بينما تقلص دول أخرى اعتمادها عليها بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة والنفايات المشعة. وهذا التقلب في السياسات ينعكس على الأسعار، ومن ثم على جدوى المشاريع الجديدة في الدول الحديثة العهد بهذه الصناعة.
الجوانب البيئية والصحية
تتطلب أنشطة تعدين اليورانيوم ومعالجته إجراءات صارمة لحماية العاملين من التعرض للإشعاع والغبار، ولإدارة المخلفات التي تبقى بعد استخلاص اليورانيوم، والتي قد تحتوي على عناصر مشعة أخرى. كما يجب مراقبة المياه الجوفية والسطحية في محيط المناجم. ولهذا تضع الجهات الرقابية الوطنية والدولية معايير لهذه الأنشطة، ويُعد الالتزام بها جزءاً أساسياً من كلفة أي مشروع.
كيف نقرأ أخبار الاكتشافات المعدنية؟
- التمييز بين الموارد المقدرة والاحتياطيات المؤكدة القابلة للاستخراج الاقتصادي.
- الانتباه إلى أن الأرقام الأولية قد تتغير بعد التدقيق والدراسات اللاحقة.
- السؤال عن التركيز وكلفة الاستخراج لا عن الكمية الإجمالية وحدها.
- متابعة دراسات الجدوى والتقارير الرسمية بدل الاكتفاء بالعناوين.
- إدراك أن العائد الاقتصادي يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والتطوير.
أسئلة شائعة
هل الكعكة الصفراء وقود نووي جاهز؟
لا، هي مركز أكسيد اليورانيوم المستخرج من الخام، ويحتاج إلى تحويل وتخصيب وتصنيع قبل استخدامه وقوداً في معظم المفاعلات.
هل وجود اليورانيوم يعني امتلاك سلاح نووي؟
لا، فالحديث هنا عن الاستخدامات السلمية، والدول الموقعة على معاهدة عدم الانتشار تخضع أنشطتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ما الفرق بين الموارد والاحتياطيات؟
الموارد كميات مقدرة موجودة في الأرض، أما الاحتياطيات فجزء منها ثبتت جدوى استخراجه اقتصادياً وتقنياً.
خلاصة
يمثل الإعلان عن تقديرات اليورانيوم في وسط الأردن خبراً مهماً لبلد يستورد معظم طاقته، لكن تحويل هذه الموارد إلى ثروة فعلية يتطلب تدقيقاً مستقلاً ودراسات جدوى وتقنيات استخلاص مناسبة واستثمارات كبيرة ومراعاة للبيئة والمياه. ولذلك ينبغي قراءة العناوين المتفائلة بحذر، وفهم الفرق بين الخام في الأرض والعائد في الاقتصاد، مع إدراك أن اليورانيوم جزء من خطة أوسع لتنويع مصادر الطاقة في المملكة.
.png)