باثوري (Bathory)

قليلة هي الشخصيات التاريخية التي اختلطت سيرتها بالأسطورة كما حدث مع الكونتيسة المجرية إليزابيث باثوري، التي اشتهرت في الثقافة الشعبية بلقب الكونتيسة الدموية، وارتبط اسمها بحكايات مصاصي الدماء والاستحمام بدماء الفتيات طلباً للشباب الدائم. وما تزال قصتها تثير الفضول والرعب بعد أكثر من أربعة قرون على وفاتها.

بعد عرض الرواية الشائعة كما وردت في المقال الأصلي، نتناول في هذا المقال الخلفية التاريخية لأسرة باثوري، ومسار التحقيق في الاتهامات الموجهة إليها، والفرق بين ما تثبته الوثائق وما أضافته الأسطورة، ثم نتحدث عن الجدل بين المؤرخين حول قضيتها، وأثرها في الأدب والسينما.

الرواية الشائعة عن الكونتيسة الدموية


الكونتيسة المجرية إليزابيث باثوري
اليزابيث باثوري
(Elizabeth Bathory)
(1560 - 1614)

كونتيسا مجرية من اسرة ثرية جداً ، ارتبط اسمها بأفلام مصاصي الدماء ، وقد تزوجت من علم آخر من اعلام الرعب وهو (فيرينكز) ، لكن زوجها كان كثير الأسفارمما جعلها تشعر بالملل ، وتتجه إلى الإهتمام بالسحر وعالم ما وراء الطبيعة ، وقد كانت تعمل لديها خادمة اسماها (دوكا) وكانت تمارس السحر كذلك ، وبعد هذا بدأت تمارس التعذيب السادي المتوحش مع خادماتها الأخريات .

إليزابيث باثوري المرتبط اسمها بأفلام مصاصي الدماء
بعد وفاة زوجها اصبح الهاجس الاكبر لإلزبث هو تقدمها في العمر لذلك ، قامت بقتل وصيفاتها والإستحمام بدمهن ، على اعتبار ان الدم هو الحياة وأن وصيفاتها اكثر شبابا منها لذلك قامت بالاستحمام بدماء وصيفاتها ، لكنها بعد ذلك اكتشفت ان دماء خادماتها غير كافية ، لذلك بدأت تقوم بخطف الفتياة الجميلات والإستحمام بدمائهم.

وقد قامت بهذه الاعمال دون تردد ودون حذر ، لذلك بدأت سمعة القلعة الرهيبة والفظيعة بالإنفضاح ، بعد ذلك قرر الإمبراطور المجري دخول القلعة وغزوها بجيشه ، فأرسل ابن عمها لغزوا القلعة ، لكن الجيش اصيب بالهلع والخوف الشديد مما رأه من جثث ملقاة للفتياة داخل القلعة ، وقد وجدوا كذلك فتياة على قيد الحياة بانتظار مصيرهن في اقبية القلعة ، وبعد ذلك حدثت محاكمة لها ولكل من اشترك معها في هذه الجريمة ، وقد حكم على جميع من شارك في هذه الجريمة بالاعدام ، الا الكونتيسه باثوري فهي من اسرة مرموقة وثرية فحكم عليها بالحبس في احدى غرف القلعة ولم يبقى لها اي منفذ سوى لإدخال الطعام ، وقد دخل عليها حراسها ذات يوم ووجدوها ميته .
رسم لمحاكمات الكونتيسة باثوري ومساعديها
رسم يوضح المحاكمات التي جرت للكونتيسه ومساعديها

الخلفية التاريخية

ولدت إليزابيث باثوري عام 1560 في مملكة المجر، لأسرة باثوري التي كانت من أقوى الأسر النبيلة وأغناها في أوروبا الوسطى، وقد أنجبت هذه الأسرة أمراء حكموا إمارة ترانسلفانيا، ومنهم ستيفان باثوري الذي أصبح ملكاً على بولندا. وتلقت إليزابيث تعليماً جيداً بمقاييس عصرها، وتذكر المصادر أنها كانت تجيد عدة لغات.

زواجها من فيرينتس ناداشدي

تزوجت إليزابيث في سن صغيرة من النبيل فيرينتس ناداشدي، وهو الزوج الذي يشير إليه المقال الأصلي باسم فيرينكز. وقد اشتهر ناداشدي قائداً عسكرياً في الحروب ضد الدولة العثمانية التي كانت تسيطر آنذاك على أجزاء واسعة من المجر، ولهذا كان كثير الغياب عن قصوره، فتولت زوجته إدارة أملاكه الواسعة. وتوفي ناداشدي في مطلع القرن السابع عشر، تاركاً لها ثروة كبيرة وأملاكاً عديدة.

قلعة تشيتسا

ارتبط اسم باثوري بقلعة تشيتسا الواقعة اليوم في سلوفاكيا، وكانت آنذاك جزءاً من مملكة المجر. وتحولت أطلال هذه القلعة في العصر الحديث إلى مقصد سياحي يجذب الفضوليين ومحبي قصص الرعب.

التحقيق والاعتقال

بدأت الشائعات تنتشر حول اختفاء فتيات كن يعملن في قصور الكونتيسة، فأمر الملك ماتياس الثاني بإجراء تحقيق، تولاه جيورجي تورزو، الذي كان يشغل منصب البالاتين، وهو من أرفع المناصب في المملكة. وجمع المحققون شهادات مئات الأشخاص، ثم داهم تورزو القلعة في أواخر عام 1610 واعتقل الكونتيسة وعدداً من خدمها.

المحاكمة ومصير المتهمين

حوكم عدد من خدم الكونتيسة ومساعديها عام 1611، وانتزعت منهم اعترافات يرجح المؤرخون أن بعضها أخذ تحت التعذيب كما كان شائعاً في ذلك العصر، وصدرت بحق معظمهم أحكام بالإعدام. أما إليزابيث نفسها فلم تقدم إلى محاكمة علنية، ويرجح أن ذلك كان مراعاة لمكانة أسرتها النبيلة وتجنباً للفضيحة، فوضعت قيد الإقامة الجبرية في غرف مغلقة داخل قلعة تشيتسا، وبقيت محتجزة حتى وفاتها عام 1614.

عدد الضحايا

تتفاوت الأرقام المنسوبة إلى ضحايا باثوري تفاوتاً كبيراً، فبعض الشهادات ذكرت أعداداً محدودة، بينما ورد في شهادة منفردة رقم مرتفع جداً لم يثبت بدليل موثوق. ولذلك يتعامل المؤرخون بحذر مع هذه الأرقام، ويرون أنها قد تأثرت بالشائعات وطبيعة التحقيق.

بين الحقيقة والأسطورة

أشهر ما يروى عن باثوري أنها كانت تستحم بدماء الفتيات لتحافظ على شبابها، وهي الصورة التي يقدمها المقال الأصلي. غير أن كثيراً من المؤرخين يشيرون إلى أن هذه الرواية لا تظهر في وثائق المحاكمة وشهادات الشهود المعاصرين، وأنها ظهرت في كتابات لاحقة بعد وفاتها بأكثر من قرن، ثم انتشرت وتضخمت في القرنين التاسع عشر والعشرين مع رواج أدب الرعب ومصاصي الدماء.

ما الذي تذكره الشهادات؟

تركز الشهادات المحفوظة على اتهامات بتعذيب الخادمات وإيذائهن بقسوة شديدة، وهو ما يكفي لجعل القضية من أبشع القضايا المنسوبة إلى النبلاء في أوروبا آنذاك، بغض النظر عن الإضافات الأسطورية اللاحقة.

جدل المؤرخين حول القضية

لا يتفق جميع المؤرخين على تفسير واحد لقضية باثوري، ويمكن تلخيص الآراء الرئيسية فيما يأتي:

  • الرأي التقليدي: يرى أنها ارتكبت جرائم تعذيب وقتل فعلية بحق عدد من الخادمات، استناداً إلى كثرة الشهادات وتطابق بعضها.
  • رأي المؤامرة السياسية: يرى بعض الباحثين أن ثروتها الهائلة ونفوذ أسرتها ربما جعلاها هدفاً لخصوم سياسيين، وأن ديوناً مستحقة لها على التاج قد تكون عاملاً في القضية، وأن الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب لا يعتد بها.
  • رأي وسط: يرى أن القسوة على الخدم ربما وقعت بالفعل، لكن حجم الجرائم وتفاصيلها قد ضخمت بفعل الشائعات والمصالح.

وتبقى القضية مفتوحة للنقاش الأكاديمي، لأن الوثائق المتاحة محدودة وتعكس ظروف عصرها وأساليب تحقيقه.

باثوري في الثقافة الشعبية

تحولت إليزابيث باثوري إلى رمز من رموز الرعب في الثقافة الغربية، وظهرت شخصيتها أو شخصيات مستوحاة منها في روايات وأفلام ومسلسلات وألعاب فيديو كثيرة. ويربط بعض الكتاب بين قصتها وأدب مصاصي الدماء الذي ازدهر في القرن التاسع عشر، وإن كانت شخصية دراكولا الشهيرة مرتبطة أكثر بالأمير فلاد الثالث حاكم إقليم والاشيا. كما اتخذت فرقة موسيقية سويدية معروفة في موسيقى الميتال اسم باثوري عنواناً لها في ثمانينيات القرن العشرين.

لماذا تجذبنا هذه القصص؟

يفسر علماء النفس اهتمام الناس بقصص الجرائم المرعبة بأنها تتيح لهم مواجهة الخوف في إطار آمن، وإشباع الفضول حول الجانب المظلم من النفس البشرية. كما أن اجتماع السلطة والثروة والجمال والجريمة في شخصية واحدة يمنح القصة عناصر درامية قوية تجعلها مادة مثالية للأدب والسينما.

المجتمع المجري في عصر باثوري

لفهم قضية باثوري ينبغي النظر إلى طبيعة المجتمع الذي عاشت فيه، فقد كانت مملكة المجر في أواخر القرن السادس عشر ومطلع السابع عشر ممزقة بين ثلاث قوى: جزء خاضع لأسرة هابسبورغ النمساوية، وجزء تحت سيطرة الدولة العثمانية، وإمارة ترانسلفانيا التي تمتعت بقدر من الاستقلال. وفي هذا الواقع المضطرب كانت الأسر النبيلة الكبرى تملك نفوذاً واسعاً على أراضيها ومن يعمل فيها.

علاقة النبلاء بالخدم

كان الخدم والفلاحون في ذلك العصر في مرتبة اجتماعية دنيا، وكان العقاب البدني للخدم أمراً مألوفاً في كثير من البيوت النبيلة الأوروبية، ولم تكن القوانين توفر لهم حماية تذكر. ولهذا يرى بعض الباحثين أن الشكاوى لم تلق اهتماماً جدياً إلا حين قيل إن الضحايا شملن بنات من أسر نبيلة صغيرة، وهو ما جعل القضية تتجاوز حدود القصر إلى البلاط الملكي.

الصراع الديني والسياسي

شهدت المجر في تلك المرحلة أيضاً تنافساً حاداً بين الكاثوليك والبروتستانت، وكانت أسرة باثوري وزوجها من البروتستانت، بينما كان البلاط الملكي يميل إلى الكاثوليكية. ويستحضر بعض المؤرخين هذا البعد عند مناقشة دوافع خصومها، وإن كان لا يكفي وحده لتفسير القضية.

أسئلة شائعة

من هي إليزابيث باثوري؟

كونتيسة مجرية من أسرة نبيلة قوية، عاشت بين عامي 1560 و1614، واتهمت بتعذيب وقتل عدد من الخادمات، واشتهرت في الثقافة الشعبية بلقب الكونتيسة الدموية.

هل كانت باثوري تستحم بالدماء فعلاً؟

يشير كثير من المؤرخين إلى أن هذه الرواية لا تظهر في وثائق المحاكمة المعاصرة، وأنها أضيفت لاحقاً، ولذلك تعد على الأرجح جزءاً من الأسطورة لا من الوقائع الموثقة.

كيف كانت نهاية باثوري؟

لم تحاكم محاكمة علنية، بل وضعت قيد الاحتجاز في قلعة تشيتسا حتى وفاتها عام 1614، بينما صدرت أحكام قاسية بحق عدد من خدمها.

أين تقع قلعة تشيتسا اليوم؟

تقع أطلالها في غرب سلوفاكيا الحالية، وكانت في زمن باثوري ضمن حدود مملكة المجر، وهي اليوم من المعالم التي يقصدها الزوار المهتمون بتاريخ المنطقة وقصصها.

خلاصة

قصة إليزابيث باثوري مزيج معقد من التاريخ الموثق والأسطورة المتضخمة، فهي نبيلة مجرية قوية اتهمت بجرائم تعذيب وقتل خطيرة، واحتجزت حتى وفاتها دون محاكمة علنية، ثم نسجت حولها حكايات الاستحمام بالدماء التي جعلتها رمزاً للرعب. ويبقى الجدل قائماً بين من يرونها مجرمة سادية ومن يرون أنها ربما كانت ضحية مؤامرة سياسية، وهو جدل يعكس صعوبة الحكم على أحداث بعيدة بوثائق محدودة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !