مع حلول كل صيف تتجدد في دول الخليج العربي التوقعات والتحذيرات من موجات الحر الشديد، ومن أبرز ما تداولته وسائل الإعلام تصريح خبير فلكي بأن الحرارة في بعض مناطق السعودية ستصل 70 درجة تحت أشعة الشمس المباشرة على الأسطح والرمال.
نعرض في هذا المقال الخبر كما ورد، ثم نشرح الفرق بين حرارة الظل وحرارة الأسطح، ونتعرف على مواسم القيظ في الموروث العربي مثل المربعانية والتويبع، ونختم بنصائح للوقاية من أضرار الحر الشديد.
تفاصيل التوقعات الفلكية للحر
الفرق بين حرارة الهواء وحرارة الأسطح
حين تعلن هيئات الأرصاد الجوية درجة الحرارة فإنها تقصد في العادة حرارة الهواء المقاسة في الظل، داخل صندوق أرصاد مهوّى على ارتفاع يقارب مترين عن سطح الأرض، وذلك لتوحيد طريقة القياس عالميًا. أما الحرارة المقاسة تحت أشعة الشمس المباشرة على الرمال أو الصخور أو الأسطح الداكنة فهي شيء مختلف تمامًا، إذ تمتص هذه الأسطح الإشعاع الشمسي وتسخن بدرجة تتجاوز حرارة الهواء من حولها بكثير.
ولهذا لا تتعارض الأرقام المرتفعة جدًا المذكورة في الخبر مع البيانات الرسمية؛ فالحديث عن سبعين درجة يتعلق بحرارة الأسطح المعرضة للشمس، لا بحرارة الهواء التي يقيسها الراصدون. ويعرف سكان المناطق الصحراوية هذا الفرق جيدًا، فالمشي حافي القدمين على الرمل في ظهيرة الصيف قد يسبب حروقًا، كما أن مقاعد السيارات ومقابضها المعدنية تصبح شديدة السخونة إذا تُركت تحت الشمس.
لماذا تسخن الأسطح الداكنة أكثر؟
يرتبط ذلك بخاصية تسمى الانعكاسية، أي قدرة السطح على رد جزء من أشعة الشمس. فالأسطح الفاتحة كالرمال البيضاء والجدران المطلية بالأبيض تعكس قدرًا أكبر من الإشعاع، بينما تمتص الأسطح الداكنة كالإسفلت والصخور البركانية معظم الأشعة وتحولها إلى حرارة. ولذلك ينصح المعماريون في المناطق الحارة باستخدام الألوان الفاتحة في الأسطح والواجهات للتقليل من امتصاص الحرارة.
دور الرطوبة والرياح
لا تعتمد شدة الإحساس بالحر على درجة الحرارة وحدها، فالرطوبة العالية في المدن الساحلية تمنع العرق من التبخر بسهولة، فيشعر الإنسان بحرارة أشد من الرقم المسجل. أما الرياح فقد تخفف الحر إذا كانت معتدلة، لكنها في الصحراء قد تكون رياحًا ساخنة محملة بالغبار تزيد الإرهاق وتسبب مشكلات في التنفس والعينين.
مواسم القيظ في الموروث العربي
اعتمد العرب منذ القدم على رصد طلوع النجوم وغروبها لتقسيم السنة إلى مواسم، فكانوا يعرفون بها أوقات الحر والبرد والمطر والزراعة والسفر. ومن هذه التقسيمات ما يعرف بمربعانية القيظ، وهي فترة تمتد نحو أربعين يومًا في ذروة الصيف، وتنقسم إلى عدة نجوم أو طوالع، لكل منها اسم وصفات يتناقلها الناس.
الطوالع المرتبطة بشدة الحر
- الثريا: يرتبط طلوعها في الموروث الشعبي ببداية اشتداد الحر ونضج بعض الثمار.
- التويبع: وهو الطالع المذكور في الخبر، ويعرف في الموروث باشتداد الرياح المثيرة للغبار وطول النهار.
- الجوزاء: من أشد أوقات السنة حرًا في الجزيرة العربية، وتكثر فيها الرياح الحارة الجافة.
- المرزم والكليبين: تعرف بارتفاع الرطوبة في السواحل وشدة القيظ.
- سهيل: يستبشر الناس بطلوعه لأنه يُعد إيذانًا ببدء انكسار الحر تدريجيًا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقسيمات موروث شعبي وخبرة متراكمة مفيدة في فهم الثقافة المحلية، لكن التنبؤات الدقيقة بدرجات الحرارة اليوم تعتمد على النماذج الرقمية والأقمار الصناعية ومحطات الرصد التي تديرها الجهات الرسمية المختصة.
الانقلاب الصيفي وطول النهار
يشير الخبر إلى قرب أطول نهار في السنة، وهو ما يعرف علميًا بالانقلاب الصيفي، ويحدث في نصف الكرة الشمالي في أواخر شهر يونيو من كل عام. في هذا اليوم تكون الشمس في أعلى ارتفاع ظاهري لها عند الظهيرة بالنسبة للمناطق القريبة من مدار السرطان، الذي يمر في أجزاء من المملكة العربية السعودية، فتتعامد الأشعة أو تقارب التعامد ويقصر الظل إلى حد كبير وقت الزوال.
غير أن أشد أيام الحر لا تتزامن بالضرورة مع أطول نهار، لأن الأرض والبحار تستمر في تخزين الحرارة أسابيع بعد الانقلاب، ولذلك تسجل أعلى درجات الحرارة عادة في شهري يوليو وأغسطس. وهذه الظاهرة تسمى التأخر الموسمي، وهي تفسر لماذا يستمر القيظ طويلًا بعد أن يبدأ النهار في القِصر.
أضرار الحر الشديد على الإنسان
يتعرض من يعمل أو يتحرك تحت الشمس في ذروة الصيف لمخاطر صحية متعددة، أبرزها الإجهاد الحراري وضربة الشمس والجفاف. وتظهر علامات الإجهاد الحراري في صورة تعرق غزير ودوار وصداع وغثيان وتعب عام، أما ضربة الشمس فهي حالة أخطر قد يصاحبها ارتفاع شديد في حرارة الجسم وتشوش في الوعي، وتستدعي طلب الإسعاف فورًا. ويكون الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والعمال في الأماكن المكشوفة أكثر عرضة لهذه المخاطر.
نصائح للوقاية من موجات الحر
- تجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الظهيرة قدر الإمكان.
- شرب الماء بانتظام طوال اليوم دون انتظار الشعور بالعطش.
- ارتداء ملابس فضفاضة فاتحة اللون وغطاء للرأس عند الخروج.
- عدم ترك الأطفال أو الحيوانات الأليفة داخل السيارات المغلقة ولو لدقائق.
- تخفيف الأنشطة البدنية الشاقة ونقلها إلى الصباح الباكر أو المساء.
- متابعة النشرات الصادرة عن هيئات الأرصاد الرسمية والالتزام بتعليماتها.
- استشارة الطبيب عند ظهور أعراض الإجهاد الحراري، خاصة لدى أصحاب الأمراض المزمنة.
الحر والمنازل والسيارات
لا يقتصر أثر القيظ على الإنسان، فالأجهزة الإلكترونية والإطارات والبطاريات تتأثر هي الأخرى بالحرارة المرتفعة. ولذلك يُنصح بعدم ترك الهواتف والولاعات وعبوات الرذاذ المضغوط داخل السيارات المغلقة تحت الشمس، وبفحص ضغط الإطارات بانتظام في الصيف، والتأكد من سلامة نظام التبريد في المحرك. وفي المنازل يساعد إغلاق الستائر في ساعات النهار، وعزل الأسطح، وصيانة أجهزة التكييف قبل بداية الموسم، على تقليل الحمل الحراري واستهلاك الطاقة.
الحرارة والتغير المناخي
تشير تقارير الهيئات العلمية الدولية المعنية بالمناخ إلى أن موجات الحر في كثير من مناطق العالم أصبحت أكثر تكرارًا وشدة خلال العقود الأخيرة، ويُرجع العلماء ذلك بدرجة كبيرة إلى ارتفاع متوسط حرارة الأرض المرتبط بزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة. وتُعد منطقة الشرق الأوسط من المناطق التي يتوقع الباحثون أن تتأثر بهذه التغيرات تأثرًا ملحوظًا، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتخطيط العمراني الملائم، والتشجير، وتوفير المظلات في الأماكن العامة، وتنظيم ساعات العمل في الأماكن المكشوفة خلال أشهر الصيف.
أسئلة شائعة
هل يمكن أن تصل حرارة الهواء إلى سبعين درجة؟
لا، فالأرقام القياسية المسجلة رسميًا لحرارة الهواء على سطح الأرض أقل من ذلك بكثير. الرقم المذكور يخص حرارة الأسطح والرمال المعرضة لأشعة الشمس المباشرة.
ما الفرق بين الخبير الفلكي وخبير الأرصاد؟
الفلكي يدرس الأجرام السماوية وحركتها ومواقيتها، بينما يختص خبير الأرصاد الجوية بدراسة الغلاف الجوي والتنبؤ بالطقس اعتمادًا على البيانات والنماذج العددية. وكثيرًا ما يربط الفلكيون في العالم العربي بين الطوالع والمواسم المناخية استنادًا إلى الموروث.
متى يبدأ الحر بالانكسار في الجزيرة العربية؟
يرتبط ذلك في الموروث الشعبي بطلوع نجم سهيل في أواخر الصيف، ويلاحظ الناس بعده اعتدالًا تدريجيًا في الليالي قبل النهار.
ما الإسعافات الأولية لمن أصيب بضربة شمس؟
يُنقل المصاب إلى مكان ظليل أو مكيف، وتُخفف ملابسه، ويُبرد جسمه بالماء الفاتر أو الكمادات الباردة على الرقبة والإبطين، مع الاتصال بالإسعاف فورًا. ولا يُعطى الماء لمن فقد وعيه، ويُترك تقييم الحالة وعلاجها للفريق الطبي المختص.
خلاصة
يلفت هذا الخبر الانتباه إلى قسوة الصيف في الجزيرة العربية، لكنه يحتاج إلى فهم دقيق: فالسبعون درجة تخص الأسطح المكشوفة للشمس لا الهواء. ويجمع فهم موجات الحر بين الموروث العربي في رصد الطوالع والعلم الحديث في قياس الطقس، والأهم في كل الأحوال هو الالتزام بإرشادات الوقاية وحماية الفئات الأكثر تأثرًا بالحرارة، والاستماع دائمًا إلى ما تصدره الجهات الرسمية من تحذيرات وتوجيهات.
.png)
