بعلزبول (Beelzebub)

يتردد اسم بعلزبول (Beelzebub) في كتب الأديان القديمة والأدب الغربي والثقافة الشعبية بوصفه واحدًا من أشهر الشخصيات المرتبطة بعالم الشياطين، غير أن جذوره تعود إلى معبودات الشرق الأدنى القديم قبل أن يتحول في التصورات اللاحقة إلى رمز للشر. وقصة هذا الاسم مثال واضح على كيفية انتقال الرموز الدينية عبر الحضارات وتبدل معانيها.

في هذا المقال نعرض المعلومات الأساسية عن هذه الشخصية، ثم نتتبع أصل الاسم ودلالاته اللغوية، وصلته بالإله بعل عند الكنعانيين، وحضوره في النصوص الدينية والأدب والفن، مع أسئلة شائعة وخلاصة.

من هو بعلزبول؟


بعلزبول سيد الذباب في الأساطير
يقصد بهذه الكلمة (سيد الزيبوب) وربما كان المقصود به (سيد الذباب) وهذا المعنى مستسقى من اللغة العبرية ، وقد سمي بذلك على سبيل الإهانة لهذا الإله ، حيث يزعم اليهود ان هذا الإله كان يعبد في فلسطين قديماً ، في العصر الوثني ، وهذا الإله يختلف عن الإله الوثني القديم بعل ، وكما هي العادة عند ظهور المسيحية تحولت هذه الألهة العديدة التي عبدها السابقون إلى شياطين وليست الهة.

ولهذه الأسباب ظهر الشيطان لدى الغربيين والاوروبيين الشرقيين بقرون على رأسه ، وحوافر قوية ، ويعود ذلك لأنه فيما مضى حسب معتقداتهم كان إله المراعي (بان) ، أما لدى المسيحيين كما ذكرنا سابقا فيشار الى هذا الإله على انه الشيطان ، كما يظهر في وصية سليمان ، واحيانا اخرى ظهر على انه عفريت يخدم (لوسيفر).
بعلزبول كما تصوره الأوروبيون بقرونه الطويلة وعصاه الغليظة
صورة لبعلزبول كما تصوره الاوربيون وتظهر قرونه الطويلة
 وراسه المخيف وعصاه الغليظة

ويعد (بعلزبول ) احد اهم ثلاثة شياطين عرفها القدماء وهم (لوسيفير) و (ليفيتيان Leviathan) وبالطبع (بعلزبول) ، وقد قال البعض عن بعلزبول أنه ملك ملوك الألهة اليونانية القديمة.

وقد ادعت احدى السيدات تدعى (مادلين ) ان (بعلزبول) قد قام بالسيطرة عليها عن طريق احد الرهبان المعروف عنهم تعاملهم مع السحر والشياطين ، كما وتردد اسم (بعلزبول) في اعترافات ساحرات (بسليم) ، وقد كتب قاتل الساحرات الشهير (مارثر) كتاباً له سماه (بعلزبول وخطته).

أصل الاسم ودلالاته اللغوية

يتألف الاسم من مقطعين ساميين: الأول بعل، وهو لفظ يعني في اللغات السامية السيد أو المالك أو الرب، ومنه في العربية كلمة بعل بمعنى الزوج أو المالك. والمقطع الثاني هو موضع الخلاف بين الباحثين، فالصيغة الواردة في النص العبري للتوراة هي زبوب، وتعني الذباب، فيكون المعنى سيد الذباب. أما الصيغة التي ظهرت في بعض المخطوطات اليونانية للأناجيل فهي زبول، وقد ربطها عدد من الباحثين بلقب معروف في النصوص الأوغاريتية القديمة بمعنى الأمير أو السيد الرفيع.

بين سيد الذباب والسيد الرفيع

يرى كثير من الدارسين أن الصيغة الأصلية للقب ربما كانت لقبًا تعظيميًا لأحد الآلهة، وأن كتّاب النصوص العبرية حوّلوها عمدًا إلى سيد الذباب على سبيل السخرية والتحقير، وهو أسلوب معروف في التعامل مع أسماء آلهة الشعوب المجاورة. ويرى آخرون أن ارتباط الإله بالذباب قد يكون حقيقيًا، إذ ربما عُبد بوصفه حاميًا من الذباب والأوبئة التي ينقلها. وتبقى المسألة محل نقاش أكاديمي لم يُحسم بصورة نهائية.

بعل في ديانات الشرق الأدنى القديم

كان بعل من أبرز المعبودات لدى الكنعانيين والفينيقيين وشعوب بلاد الشام القديمة، وارتبط في تصوراتهم بالعواصف والمطر والخصب، وهي عناصر حيوية لمجتمعات زراعية تعتمد على الأمطار. وقد كشفت نصوص مدينة أوغاريت الأثرية على الساحل السوري، التي عُثر عليها في القرن العشرين، عن ملاحم أسطورية تصور صراع بعل مع قوى الفوضى والموت.

ولم يكن لفظ بعل اسمًا لإله واحد فحسب، بل كان لقبًا يضاف إلى أسماء آلهة محلية متعددة مرتبطة بأماكن بعينها، ولهذا نجد صيغًا كثيرة تبدأ بهذا المقطع. ومن هنا جاء الخلط أحيانًا بين هذه المعبودات، والتمييز الذي يشير إليه المقال بين بعلزبول وبعل الأكبر.

ذكره في أسفار العهد القديم

ورد اسم بعل زبوب في سفر الملوك الثاني بوصفه إلهًا لمدينة عقرون، وهي إحدى مدن الفلسطينيين القدماء في السهل الساحلي، وذلك في سياق رواية عن ملك من ملوك إسرائيل أرسل يستشيره في مرضه، فجاء النص منكرًا لذلك. وتُعد هذه الإشارة من أقدم الإشارات المكتوبة المعروفة للاسم.

التحول من معبود إلى شيطان

مع ظهور المسيحية وانتشارها، أصبح كثير من آلهة الشعوب الوثنية يُنظر إليها على أنها أرواح شريرة أو شياطين، وهي ظاهرة يلاحظها مؤرخو الأديان في ثقافات متعددة، حيث يتحول معبود الخصم في نظر الدين الجديد إلى كيان شيطاني.

في العهد الجديد

ورد اسم بعلزبول في الأناجيل بوصفه رئيس الشياطين، في سياق اتهام خصوم المسيح له بأنه يخرج الشياطين بقوة هذا الرئيس، وقد رد عليهم بحجة منطقية مفادها أن المملكة المنقسمة على نفسها لا تثبت. ومن هنا ترسخ الاسم في الوعي المسيحي بوصفه من أعلى رتب عالم الشياطين، بل ساوى بعض المفسرين بينه وبين الشيطان نفسه.

في الأدبيات المنحولة وكتب الشياطين

يظهر الاسم في نص قديم منحول يُعرف بوصية سليمان، وهو كتاب يُنسب زورًا إلى النبي سليمان، ويروي كيف سخّر الشياطين لبناء الهيكل، ويُقدَّم فيه بعلزبول أميرًا للشياطين. ثم انتقل الاسم إلى كتب السحر والتصنيفات الشيطانية في أوروبا في العصور الوسطى وعصر النهضة، التي حاولت ترتيب الشياطين في مراتب وتسلسلات هرمية، وجعلت لكل منها اختصاصًا ورتبة.

بعلزبول في الأدب والفن الأوروبي

ساهم الأدب الأوروبي في ترسيخ صورة هذه الشخصية، ومن أبرز الأمثلة ملحمة الفردوس المفقود للشاعر الإنجليزي جون ملتون في القرن السابع عشر، حيث يظهر بعلزبول قائدًا من كبار الملائكة الساقطين، وأقربهم مكانة إلى الشيطان في التمرد. كما ظهر في أعمال أدبية ومسرحية متعددة رمزًا للغواية والكبرياء.

وفي القرن التاسع عشر نشر الكاتب الفرنسي كولان دو بلانسي معجمًا شهيرًا عن الشياطين والخرافات يُعرف بالقاموس الجهنمي، وتضمنت إحدى طبعاته رسومًا تصور هذه الشخصية على هيئة ذبابة ضخمة، وهي صورة انتشرت كثيرًا بعد ذلك. ويُلاحظ أن صورة الشيطان ذي القرون والحوافر في الفن الأوروبي تأثرت بتصورات قديمة لآلهة الطبيعة والمراعي كما تشير المقالة.

رواية سيد الذباب

يُعد عنوان رواية سيد الذباب للكاتب البريطاني ويليام غولدنغ، الصادرة في منتصف القرن العشرين، إحالة واضحة إلى المعنى الحرفي لاسم بعلزبول. وتتناول الرواية مجموعة من الصبية العالقين في جزيرة نائية، وكيف ينحدرون تدريجيًا نحو العنف، في رمز أدبي إلى الشر الكامن في النفس البشرية حين تغيب الضوابط.

علم الشياطين بوصفه حقلًا تاريخيًا

يُطلق على دراسة التصورات المتعلقة بالشياطين في الأديان والثقافات اسم الديمونولوجيا، وقد كانت في أوروبا القرون الوسطى وبداية العصر الحديث جزءًا من النقاشات اللاهوتية، وارتبطت أحيانًا بمحاكمات السحر التي شهدتها بعض البلدان الأوروبية، وهي من الصفحات القاتمة في التاريخ الأوروبي التي راح ضحيتها كثير من الأبرياء بتهم لا أساس لها.

أما اليوم فيتناول مؤرخو الأديان وعلماء الأنثروبولوجيا هذا الموضوع من زاوية علمية، فيدرسون كيف نشأت هذه المعتقدات، وما الوظائف الاجتماعية والنفسية التي أدتها، مثل تفسير المرض والكوارث، أو التعبير عن المخاوف الجماعية، أو رسم الحدود بين الجماعات الدينية المختلفة. ومن هذه الزاوية تصبح شخصية بعلزبول وثيقة تاريخية تكشف عن تفاعل الحضارات وصراعاتها الرمزية.

الاسم في الثقافة الشعبية المعاصرة

ما زال الاسم حاضرًا في الثقافة الحديثة، في الروايات والأفلام والألعاب الإلكترونية والقصص المصورة والأغاني، حيث يُستخدم غالبًا لشخصيات شريرة قوية أو رموز للفوضى. كما يستعمل أحيانًا في اللغات الأوروبية تعبيرًا مجازيًا عن الشيطان أو عن شخص شرير. ويعكس هذا الحضور المستمر قوة الرموز الدينية القديمة وقدرتها على التحول والبقاء عبر آلاف السنين.

ويلاحظ النقاد أن الأعمال الفنية الحديثة كثيرًا ما تستعير الاسم لما يحمله من إيقاع غريب ووقع مخيف، دون اهتمام بخلفيته التاريخية الحقيقية، فتمزج بين عناصر من مصادر متعددة لتصنع شخصيات خيالية جديدة. ولهذا يحسن بالقارئ أن يفرّق بين ما تقوله المصادر التاريخية وما تضيفه المخيلة الفنية المعاصرة.

نظرة مقارنة إلى مفهوم الشيطان في الأديان

تختلف تصورات الأديان لمفهوم الشر وتجسيده، ففي الإسلام يُعرف إبليس بأنه من الجن، وقد عصى أمر الله تعالى بالسجود لآدم تكبرًا، فطُرد من رحمته، وتوعد بإغواء بني آدم. ولا يعرف التراث الإسلامي تسلسلًا هرميًا للشياطين بالأسماء والرتب كما في كتب السحر الأوروبية، ويحذر العلماء عمومًا من الانشغال بهذه الكتب وما فيها من خرافات. ويفيد الاطلاع على هذه الموضوعات من زاوية تاريخية ومعرفية في فهم تطور المعتقدات لدى الشعوب، دون أن يعني ذلك تصديق ما فيها.

أسئلة شائعة

ما معنى كلمة بعلزبول؟

الصيغة العبرية الشائعة تعني سيد الذباب، بينما يرى باحثون أن الأصل ربما كان لقبًا تعظيميًا بمعنى السيد الرفيع، حُرّف للسخرية.

هل بعلزبول هو نفسه الشيطان؟

تختلف التفسيرات، فبعض النصوص المسيحية تساوي بينهما، وبعض كتب الشياطين الأوروبية تجعله تابعًا أو قرينًا لكبير الشياطين.

أين كان يُعبد في الأصل؟

تشير أسفار العهد القديم إلى أنه كان معبود مدينة عقرون، إحدى مدن الفلسطينيين القدماء على الساحل الجنوبي لبلاد الشام.

خلاصة

بدأ بعلزبول لقبًا لمعبود من معبودات الشرق الأدنى القديم المرتبطة بالإله بعل، ثم تحول في النصوص العبرية إلى سيد الذباب على سبيل التحقير، وفي المسيحية إلى رئيس للشياطين، قبل أن يرسخ الأدب والفن الأوروبيان صورته رمزًا للشر. وتكشف قصته كيف تنتقل الرموز بين الحضارات وتكتسب معاني جديدة عبر الزمن.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !