تُعد هيلينا بلافاتسكي من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في القرن التاسع عشر، فقد جمعت بين الرحلات الغامضة والكتابة في الروحانيات والأديان والأساطير، وأسست حركة فكرية انتشرت في قارات عدة. وتحيط بسيرة بالافاتيسكي (Blavatsky) روايات كثيرة يختلط فيها الموثق بالمبالغ فيه. في هذا المقال نعرض ما تتداوله بعض المصادر العربية عنها، ثم نقدم صورة أوسع وأدق عن نشأتها، وتأسيس الجمعية الثيوصوفية، وأبرز مؤلفاتها، والاتهامات التي وجهت إليها، ووفاتها، وأثرها في الثقافة الحديثة، مع تصحيح بعض المعلومات الشائعة.
ما يُروى عن العرافة الروسية
![]() |
| هيلينا تجلس الى جانب الكولونيل هينري ستيل عام 1888 |
![]() |
| السيدة (اني باسنت) اقرب صديقات (بلافاتسكي) ، وهي من نشر اغلب كتب (بلافاتسكي) |
النشأة والأسرة
وُلدت هيلينا بتروفنا فون هان عام 1831 في مدينة يكاترينوسلاف، وهي مدينة دنيبرو الحالية في أوكرانيا، وكانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية الروسية. وكان والدها ضابطاً في الجيش الروسي من أصول ألمانية، أما والدتها هيلينا فاديفا فكانت روائية معروفة في زمنها، وقد توفيت وابنتها ما تزال طفلة، فنشأت الصغيرة في بيت جديها لأمها، وكان جدها من كبار الموظفين في الإدارة الروسية، وجدتها مهتمة بالعلوم الطبيعية.
وفي سن السابعة عشرة تقريباً تزوجت من نيكيفور بلافاتسكي، وهو موظف حكومي يكبرها كثيراً في السن، ومنه أخذت اللقب الذي اشتهرت به، لكنها تركته بعد مدة قصيرة من الزواج، وبدأت مرحلة طويلة من الترحال.
سنوات الترحال
تقول بلافاتسكي في رواياتها عن نفسها إنها جابت أنحاء واسعة من العالم، منها مصر وتركيا وأوروبا والأمريكيتان والهند، وإنها دخلت التبت وتتلمذت على أيدي معلمين روحيين سمتهم المهاتما أو المعلمين. ويشكك كثير من المؤرخين وكتاب السير في جوانب من هذه الرحلات، خاصة دخولها التبت الذي كان مغلقاً أمام الأجانب في تلك الحقبة، بينما يرى أنصارها أنها رحلات حقيقية. ولا توجد وثائق مستقلة كافية تحسم هذا الخلاف.
تأسيس الجمعية الثيوصوفية
في عام 1873 وصلت بلافاتسكي إلى نيويورك، وهناك تعرفت إلى الكولونيل هنري ستيل أولكوت، المحامي والصحفي الأمريكي المهتم بالظواهر الروحية، ثم أسست معه ومع ويليام كوان جادج وآخرين الجمعية الثيوصوفية عام 1875. وكلمة الثيوصوفية مأخوذة من اليونانية، وتعني الحكمة الإلهية.
وقد أعلنت الجمعية أهدافاً عامة، منها الدعوة إلى أخوة إنسانية لا تميز بين الأعراق والأديان، وتشجيع الدراسة المقارنة للأديان والفلسفات، والبحث في القوى الكامنة في الإنسان والطبيعة. وفي عام 1879 انتقلت بلافاتسكي وأولكوت إلى الهند، ثم اتخذت الجمعية مقرها في أديار قرب مدينة مدراس، وهي تشيناي اليوم، وما زال المقر قائماً هناك.
أبرز مؤلفاتها
تركت بلافاتسكي عدداً من الكتب التي ما تزال تُطبع وتُترجم إلى اليوم، خلافاً لما يُشاع من أن كتبها اندثرت أو صار العثور عليها مستحيلاً، فهي متاحة في المكتبات وعلى الإنترنت بلغات متعددة. ومن أهمها:
- إيزيس مكشوفة: صدر عام 1877 في مجلدين، وتناولت فيه نقد المادية العلمية والمؤسسات الدينية في عصرها، وعرضت فيه أفكارها عن الحكمة القديمة.
- العقيدة السرية: صدر عام 1888 في مجلدين، وقدمت فيه تصوراً لنشأة الكون وتطور البشرية، مستندة إلى ما قالت إنه نصوص قديمة سمتها مقاطع دزيان.
- مفتاح الثيوصوفيا: كتاب على هيئة أسئلة وأجوبة يشرح مبادئ الجمعية.
- صوت الصمت: كتيب صغير في التأمل الروحي، قالت إنها ترجمته من نصوص شرقية.
فكرة ليموريا
تحدثت بلافاتسكي عن أعراق بشرية قديمة عاشت في قارات مفقودة مثل ليموريا وأطلانتس. والطريف أن اسم ليموريا لم يكن من ابتكارها، فقد اقترحه عالم الحيوان البريطاني فيليب سكلاتر في القرن التاسع عشر فرضيةً علمية لتفسير انتشار حيوانات الليمور بين مدغشقر والهند، ثم تخلى عنها العلم بعد ظهور نظرية الصفائح التكتونية التي فسرت توزع القارات تفسيراً مختلفاً.
الأفكار الأساسية في الثيوصوفيا
تقوم الأفكار التي نشرتها الحركة على عدة مقولات، أبرزها أن وراء الأديان المختلفة حكمة واحدة قديمة تعبر عنها كل ديانة بطريقتها، وأن الكون يمر بدورات طويلة من الظهور والاختفاء، وأن الإنسان كائن مركب من مستويات مادية وروحية، تتطور روحه عبر حيوات متعاقبة وفق قانون الكارما. كما تحدثت عن وجود معلمين متقدمين روحياً يحفظون هذه الحكمة ويرشدون البشرية من وراء الستار.
وقد وجد بعض المثقفين الغربيين في القرن التاسع عشر في هذه الأفكار بديلاً عن المادية العلمية الصارمة من جهة، وعن المؤسسات الدينية التقليدية من جهة أخرى. أما الباحثون الأكاديميون في الأديان فيرون أن الحركة قدمت صورة مبسطة أو معدلة للمفاهيم الهندوسية والبوذية، لا تطابق دائماً ما في النصوص الأصلية لتلك الديانات.
الاتهامات والجدل
لم تخل حياة بلافاتسكي من الاتهامات، ففي عام 1885 نشرت جمعية البحوث النفسية البريطانية تقريراً أعده الباحث ريتشارد هودجسون، خلص فيه إلى أن بعض الظواهر الخارقة المنسوبة إليها في الهند كانت مدبرة، واتهمها بالاحتيال. ورد أنصارها على التقرير وشككوا في منهجه، وما زال الجدل حوله قائماً بين الباحثين. كما انتقد كثيرون كتبها لاحتوائها على اقتباسات من مصادر أخرى دون إشارة كافية، ولمزجها بين الأديان والأساطير بطريقة لا يقبلها المتخصصون في تاريخ الأديان.
الوفاة واستمرار الحركة
على خلاف ما تذكره بعض المقالات من أنها اختفت فجأة دون أن يعرف أحد مصيرها، فإن وفاتها موثقة، إذ توفيت في لندن يوم 8 مايو 1891 بعد مرض، وأحرقت جثتها وفق وصيتها، ويحيي أتباعها ذكرى وفاتها في يوم يسمونه يوم اللوتس الأبيض. وبعد رحيلها تولت آني بيزنت، الكاتبة والناشطة البريطانية، دوراً قيادياً في الجمعية، وأشرفت على نشر مجلد ثالث من العقيدة السرية جمع من أوراقها، كما شاركت لاحقاً في الحياة السياسية الهندية.
الأثر الثقافي
رغم الجدل، تركت الحركة الثيوصوفية أثراً في الثقافة الحديثة، إذ أسهمت في تعريف الجمهور الغربي بمفاهيم من الهندوسية والبوذية كالكارما وتناسخ الأرواح، واهتم بأفكارها عدد من الفنانين والكتاب في أوائل القرن العشرين. ويرى مؤرخو الأديان أنها كانت من الروافد التي مهدت لظهور ما يسمى حركات العصر الجديد في القرن العشرين.
أسئلة شائعة
هل كانت بلافاتسكي عرافة؟
اشتهرت بوصفها وسيطة روحية تدعي الاتصال بمعلمين غير مرئيين وإظهار ظواهر خارقة، لكن هذه الدعاوى محل تشكيك واسع، ووصفها الأدق أنها كاتبة ومؤسسة لحركة روحانية مثيرة للجدل.
هل ما تزال الجمعية الثيوصوفية موجودة؟
نعم، ما تزال للجمعية فروع في عدد من البلدان، وقد انقسمت مع الوقت إلى عدة تيارات، ومقرها الرئيسي التاريخي في أديار بالهند.
ما موقف العلم من أفكارها عن القارات المفقودة؟
لا يقبل علم الجيولوجيا الحديث وجود قارتي ليموريا وأطلانتس بالصورة التي وصفتها، ويعدها من قبيل الأساطير أو التأملات الروحية.
خلاصة
هيلينا بلافاتسكي شخصية تاريخية حقيقية، ولدت عام 1831 وتوفيت في لندن عام 1891، وأسست الجمعية الثيوصوفية التي نشرت أفكاراً روحانية مستمدة من مصادر شرقية وغربية. وبين أنصار يرونها معلمة روحية ونقاد يتهمونها بالاحتيال، تبقى مؤلفاتها متاحة ومدروسة، ويبقى أثرها جزءاً من تاريخ الحركات الروحية الحديثة.
.png)


.jpg)