الكشوف العلمية تثبت وجود الله

شغل سؤال وجود الخالق الفلاسفة والعلماء عبر العصور، ويرى كثيرون أن الكشوف العلمية تثبت وجود الله أو على الأقل تدعو إلى التأمل في النظام البديع الذي يحكم الكون. ويعرض هذا المقال نصاً يتناول هذا المعنى من منظور أحد المشتغلين بالعلوم الطبيعية.

بعد عرض النص، نتوسع في التعريف بالكتاب الذي اشتهر به هذا النوع من المقالات، ونستعرض أبرز الأدلة العقلية التي يطرحها المؤمنون، كدليل الحدوث ودليل النظام والإتقان، ونتحدث عن العلاقة بين العلم والإيمان في التراث الإسلامي، مع الإشارة إلى طبيعة الجدل الفلسفي حول هذه القضية.

نص المقال: العلم والإيمان


الكشوف العلمية تثبت وجود الله

في حقيقة الأمر هذا المقال مكتوب من قبل عالم الفيزياء الذرية جورج دافيز ويتحدث به عن ضرورة وجود خالق وضرورة وجود الله عز وجل بالاستدلال من الطبيعة الكونية ، وعلم الفيزياء الذرية التي يتقنها.


(1850–1906)
كتبها: جورج ايرل دافيز
عالم الطبيعة – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا – ورئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الأمريكية بيروكلين – اخصائي في الاشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية.

كلما تقدم ركب العلم وتضاءلت الخرافات القديمة ازداد تقدير الانسان لمزايا الدين والدراسات الدينية.

وقد تعدد الاسباب التي تدفع بالانسان إلى اعادة النظر في أمور الدين، ولكننا نؤمن انها ترجع جميعا إلى رغبة البشر رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة.

وينبغي ان نفرق في هذا المقام بين معارضة الدين او الخروج عليه وبين الالحاد، وان نعترف بان من يخرج على بعض الافكار التقليدية التي ينطوي عليها دين من الأديان، لكي يؤمن بوجود اله قوي كبير، لا يجوز ان نعده بسبب ذلك وحده ملحدا. فمثل هذا الشخص قد يكون غير معتنق لدين من الأديان، ولكنه يؤمن بالله، وقد يكون ايمانه هذا بالله تعالى قائما على أساس متين.

وليس معنى ذلك أننا ننكر وجود الالحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم، الا ان الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم اكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل انه يتعارض مع ما نلاحظه فعلا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم.


اما عن عقيدتي في وجود الله، فمن العبث ان انكر انها لم تتأثر بما تلقيته من تعاليم دينية في سنوات حياتي الأولى، اذ أنه لا سبيل إلى التخلص من الآثار التي تتركها هذه السنوات المبكرة من حياتنا في أنفسنا، ولكنني استطيع ان أؤكد انه بينما تتفق عقيدتي الدينية في الوقت الحاضر مع ما تعلمته في صباي عن وجود الله فان هذه العقيدة تقوم في الوقت الحاضر على أساس قوي يختلف كل الاختلاف عن الأساس الذي يقوم عليه الإيمان المستمد من سلطة الكنيسة ورجال الدين.

ولقد اتيح لي بفضل اشتغالي بدراسة الطبيعة، ان ادرس التركيب المعقد إلى درجة لا يتصورها العقل لبعض مكونات هذا الكون الذي لا تقل فيه روعة التذبذبات الداخلية لأصغر ذراته وما دون ذراته عن النشاط المذهل لأكبر النجوم السابحة في أفلاكها، والذي يسير فيه كل شعاع من الضوء، وكل تفاعل كيماوي او طبيعي، وكل خاصية من خواص كل كائن حي وفق قوانين ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. تلك هي الصورة التي تقدمها لنا العلوم والتي كلما تأملها الانسان، اكتشف من بالغ دقتها ورائع جمالها ما لم يكن قد اكتشفه من قبل.

ومع تقدم الكشف العلمي، ظهرت أسئلة لا مفر منها، وهي أسئلة ليست مبتكرة وان كانت تبدو جديدة بسبب النظرة الحديثة إلى تكوين هذا الكون الذي يعتبر الإنسان جزءا منه لا يتجزأ. ومن هذه الاسئلة ذات القيمة الكبيرة بالنسبة لمسؤولياتنا ومصيرنا النهائي ذلك السؤال القديم: (هل يوجد اله علوي هو خالق هذا الكون) ؟

وهنالك سؤال آخر اكثر صعوبة من سابقة وهو السؤال الذي يردده كثير من الاطفال في موجة من موجات الألمعية المحافظة التي تطوف احيانا بمخيلاتهم وهو: (إذا كان لهذا الكون خالق، فمن الذي خلقه) ؟

ولا يمكننا ان نثبت وجود الله عن طريق الالتجاء إلى طرق المادية وحدها، إذ لم يقل احد بان الله مادة حتى نستطيع ان نصل اليه بالطرق المادية. ولكننا نستطيع ان نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والاستنباط مما نتعلمه ونراه، فالمنطق الذي نستطيع ان ناخذ به، والذي لا يمكن ان يتطرق اليه الشك، هو انه ليس هنالك شيء، مادي يستطيع ان يخلق نفسه.

واذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه، فاننا بذلك نصف الكون بالألوهية. ومعنى ذلك ان نعترف بوجود إله، ولكننا نعتبره إلها ماديا وروحيا في نفس الوقت. وانا افضل ان أؤمن بإله غير مادي خالق لهذا الكون تظهر في آياته وتتجلى فيه أياديه، دون أن يكون هذا الكون كفواً له.

وأحب ان أضيف إلى هذا الاستدلال، استدلالا آخر: وهو انه كلما ارتقى وتقدم تطور المخلوقات، كان ذلك أشد دلالة على وجود خالق مدبر وراء هذا الخلق.

ان التطور الذي تكشف عنه العلوم في هذا الكون، هو ذاته شاهد على وجود الله. فمن جزئيات بسيطة ليس لها صورة معينة وليس بينها فراغ نشأت ملايين من الكواكب والنجوم والعوالم المختلفة لها صور معينة وأعمار محددة تخضع لقوانين ثابتة يعجز العقل البشري عن الاحاطة بمدى ابداعها. وقد تحملت كل ذرة من ذرات هذا الكون، بل كل ما دون الذرة مما لا يدركه حس ولا يتصور صغره عقل، قوانينها وسننها وما ينبغي لها أن تقوم به او تخضع له.

هذه أدلة كافية، ولكن هنالك ما هو أشد إعجازا وأكثر دلالة على وجود الله. فمن تلك الجزئيات البسيطة لم تنشأ النجوم والكواكب فحسب، بل نشأت كذلك أنواع متطورة من الأحياء، بل كائنات تستطيع ان تفكر وتبتكر وتخلق اشياء جميلة، بل هي تبحث عن أسرار الحياة والوجود. ان كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بان الاشياء المادية تعجز عن خلق نفسها.

عن مصدر هذا النص

ينتمي هذا المقال إلى مجموعة من المقالات كتبها عدد من المشتغلين بالعلوم الطبيعية في الولايات المتحدة، وجُمعت في كتاب صدر في خمسينيات القرن العشرين بتحرير جون كلوفر مونسما، وتُرجم إلى العربية بعنوان الله يتجلى في عصر العلم. ويعرض كل كاتب فيه أسباب إيمانه انطلاقاً من تخصصه. ولذلك يحسن التنبه إلى أن بعض المواقع تنقل المقال مع تواريخ ومعلومات عن الكاتب لا تتفق مع زمن صدور الكتاب، والأولى الرجوع إلى الطبعات الموثقة عند الاقتباس.

أبرز الأدلة العقلية على وجود الخالق

دليل الحدوث أو السببية

يقوم على أن كل ما له بداية لا بد له من سبب أوجده، وأن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية، فلا بد من سبب أول غير مسبوق. وقد عرض هذا الدليل بصيغ مختلفة فلاسفة ومتكلمون مسلمون كالغزالي، كما عرفته الفلسفة الغربية.

دليل النظام والإتقان

يستند إلى ما يُلاحظ في الكون من قوانين دقيقة وتناسق بديع، من حركة الأجرام إلى تركيب الخلية الحية، ويرى أن هذا النظام يدل على مُنظِّم حكيم. ويتحدث بعض العلماء المعاصرين عن الضبط الدقيق لثوابت الطبيعة الفيزيائية، أي أن قيمها تبدو مناسبة على نحو لافت لنشوء النجوم والحياة.

دليل الفطرة

يرى أن الإنسان يجد في نفسه ميلاً فطرياً إلى الإيمان بخالق، وهو ميل يظهر عبر الثقافات والعصور، ويؤكده الخطاب الإسلامي في مواضع كثيرة.

العلم والإيمان في التراث الإسلامي

حث القرآن الكريم في آيات كثيرة على النظر في السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وخلق الإنسان، وجعل التفكر في الكون عبادة. وقد ازدهرت في الحضارة الإسلامية علوم الفلك والطب والرياضيات والبصريات، وكان كثير من أعلامها كابن الهيثم والبيروني وابن سينا علماء ومفكرين في آن واحد، ولم يروا تعارضاً بين البحث في الطبيعة والإيمان بالخالق.

طبيعة الجدل حول هذه القضية

من الإنصاف القول إن مسألة وجود الله تقع في دائرة الفلسفة والعقيدة أكثر من دائرة التجربة المخبرية المباشرة، فالعلم التجريبي يدرس كيف تعمل الظواهر، بينما يتناول السؤال عن الخالق لماذا وُجدت أصلاً. ولذلك يختلف المفكرون في تفسير المعطيات العلمية؛ فيرى المؤمنون فيها شواهد على الخالق، بينما يقدم آخرون تفسيرات مختلفة. ويبقى الحوار العقلي الهادئ والاطلاع على المصادر الرصينة أفضل سبيل لفهم هذه القضية.

حدود الاستدلال بالعلم

ينبه بعض المفكرين المسلمين إلى ضرورة الحذر من ربط الإيمان بنظريات علمية متغيرة، لأن النظريات قد تُعدَّل أو تُستبدل، والأسلم الاستدلال بالسنن الثابتة والنظام العام للكون.

أسئلة شائعة

هل يتعارض العلم مع الدين؟

يرى كثير من العلماء والمفكرين المؤمنين أنه لا تعارض بين الحقائق العلمية الثابتة والإيمان الصحيح، وأن ما يبدو تعارضاً غالباً ما يرجع إلى خطأ في الفهم أو التفسير.

هل أغلب العلماء ملحدون؟

الصورة أكثر تنوعاً مما يشاع، فبين العلماء عبر التاريخ وحتى اليوم مؤمنون وغير مؤمنين، وتختلف النسب بحسب البلد والتخصص وطريقة الاستطلاع.

ما الكتب المناسبة للتوسع في الموضوع؟

يمكن الرجوع إلى كتب الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، وإلى مؤلفات معاصرة تناولت العلاقة بين العلم والإيمان بمنهج علمي رصين.

خلاصة

يعبر هذا النص عن تجربة عالم وجد في دراسة الطبيعة ما يعزز إيمانه بالخالق. ويتكامل مع أدلة عقلية عرفها الفلاسفة والمتكلمون كدليل الحدوث والنظام والفطرة، في سياق تراث إسلامي جعل التفكر في الكون طريقاً إلى معرفة الله.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !