قبيلة تحكمها المرأة والرجل فيها لادور له سوى الطاعة لحكم النساء

تثير قبيلة الموسو في جنوب غرب الصين فضول الرحالة والباحثين منذ عقود، إذ تُوصف في وسائل الإعلام بأنها قبيلة تحكمها المرأة وتحتفظ فيها النساء بالبيت والأرض والنسب. لكن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا من عناوين مملكة النساء، فالرجال لهم أدوار محددة، والنظام الاجتماعي يقوم على منطق متوارث له جذوره الاقتصادية والثقافية.

في هذا المقال نوضح الفرق بين النظام الأمومي في النسب والحكم الأمومي، ونشرح نظام الزواج الزائر وبنية الأسرة الممتدة، ودور الرجال الفعلي، والتحولات التي فرضتها السياحة والحداثة، مع أمثلة لمجتمعات أمومية أخرى في العالم.

حياة الموسو كما تُروى

قبيلة موسو التي تحكمها المرأة في الصين

تعيش قبيلة "موسو"على ضفاف بحيرة لوغو بالقرب من حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان الصينيتين، حيث لا كلمة ولا مكانة للرجل هناك ، تدير هذه القبيلة شؤونها  وفق النظام الاجتماعي الأمومي، وهو المجتمع الذي تحكمه الإناث فقط .وهي عقيدة سياسية توارثتها القبيلة منذ القدم جعلت المرأة هي الحاكم الفعلي للقبيلة.

قبيلة موسو على ضفاف بحيرة لوغوففي هذه القبيلة تتمتع المرأة بالادوار السيادية، والمسؤولية عن الممتلكات، وهي من يفصل في مسائل النسب والوراثة، وقد اطلق البعض على هذه القبيلة "مملكة النساء"، أما الرجال فلهم دور ثانوي ومهمّش ولا يكاد يذكر.

ولا يُسمح للرجال بالسكن في بيوت النساء، إنما يأتون لزيارتهم في الليل فقط، حتى إن لغتهم لا تحتوي على كلمة "أب".

بلغ تعداد افراد هذه القبيلة "موسو" من ثلاثين الى خمسين ألف فرد، والمرأة هي الحاكم والمالك الوحيد في العائلة، يبلغ عدد قبيلة "موسو" مايقارب أربعين الفا وعند الموت تنتقل جميع الممتلكات من الأم إلى بناتها فقط وليس للذكور أي نصيب في الإرث سواء في الممتلكات أو في النقود، حتى إن الرجال في حال رغب أيٌّ من النساء فيهم لا يغادرون بيوت أمهاتهم بل يبقون فيها ويعود الرأي للنساء بالبقاء في بيوتهن أو الانتقال معهم عند أمهاتهم.

وعند إنجاب الأولاد فإنهم يعيشون ويحملون أسماء أمهاتهم، فليس للآباء حق في حضانة أي منهم مهما كانت الظروف؛ لذا فإنه لا توجد أي قيمة أو معنى للزواج عند هذه القبيلة، وبات الرجل وسيلة لإنجاب الأطفال لا أكثر.

ولا يسمح للرجال بالتدخل في الشؤون الحياتية هناك حيث همش الرجال في هذه القبيلة على مدار السنين وليس له اي دور لا في القبيلة ولا في العائلة كذلك حيث لا يعرف عن عقود الزواج هناك شيء ولا يوجد حتى كلمة بمعنى أب كما ذكرنا سابقاً.

لا يحق لرجال في قبيلة "موسو" المبيت في بيوت النساء إلا بعد الإذن لهم بذلك، كما أن الزواج في هذه القبيلة غير معروف أو موجود أيضاً حيث كل ما على الرجل فعله هو القدوم ليلاً إلى منازل النساء وهي من تقبل أو ترفض دخوله، ولا ينسب الأطفال المولود  حديثاً لآباه بل لأمه.

نساء قبيلة موسو والمجتمع الأمومي
تعود كل الأموال المحصلة من الميراث إلى الفتيات اللواتي يتحكمن بها بعد ممات أمهاتهم ولا يحق للرجل التملك كالبيوت والأراضي، والغريب في هذا المجتمع الصغير انه لا وجود لجرائم السرقة اوالاغتصاب اوالتحرش ولا حتى مشاكل حقوق المرأة المطالب بها عالمياً ولا معنى لكلمات مثل الحروب أو السجون أو القتل حتى. وحتى الرجال خاضعون لمصيرهم خضوع نساء المشرق العربي , ولايفكر الرجال مطلقا بحقوق الأنسان !

ويعبر رجال قبيلة "الموسو" عن سعادتهم لتسليمهم المرأة زمام الأمور في القبيلة، لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل و عميق لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخالقة وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة. فإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدا للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية ، كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر و عالم الآلهة. لذلك فهم يحترمون القوانين التي سنها مجتمعهم.

ولا توجد لديهم أية نية للتمرد أو تغير قوانين حكم القبيلة . وهو الأمر نفسه الذي تشاركهم فيه الحكومة الصينية، حيث اعربت في كثير من المرات عن عدم رغبتها في التدخل للتغير قوانين هذا المجتمع .

النسب الأمومي والحكم الأمومي: فرق مهم

يميز علماء الأنثروبولوجيا بين مفهومين يخلط بينهما كثيرون؛ فالنسب الأمومي يعني أن الانتماء العائلي والميراث ينتقلان عبر خط الأم، بينما يعني الحكم الأمومي أن النساء يحتكرن السلطة السياسية في المجتمع. ويرى أغلب الباحثين أن الموسو مجتمع أمومي النسب بوضوح، وأن المرأة فيه تتمتع بمكانة اقتصادية واجتماعية بارزة داخل الأسرة، لكنهم يتحفظون على وصفه بأنه مجتمع تحكمه النساء حكمًا مطلقًا، لأن بعض الأدوار العامة والدينية ظلت تقليديًا في يد الرجال.

البيت الكبير وبنية الأسرة

تعيش الأسرة التقليدية لدى الموسو في بيت كبير متعدد الأجيال يضم الجدة وبناتها وأبناءها وأحفادها من البنات. وتتولى عادة امرأة ذات خبرة وحكمة إدارة شؤون البيت، فتنظم الموارد وتوزع المهام وتشرف على المناسبات. ويُختار من يتولى هذا الدور بالتوافق داخل الأسرة، ولا يرتبط بالضرورة بالأكبر سنًا.

دور الخال

يحتل الخال، أي أخو الأم، مكانة مهمة في تربية أطفال أخته، إذ يشارك في رعايتهم وتعليمهم ويعد مرجعًا أخلاقيًا لهم، فيما يؤدي الرجل الدور نفسه تجاه أبناء أخواته لا أبنائه البيولوجيين بالضرورة. وبهذا يكون للرجل حضور حقيقي في الأسرة، لكنه حضور عبر خط الأخوة لا الأبوة.

الزواج الزائر

من أشهر سمات هذا المجتمع ما يسميه الباحثون الزواج الزائر أو الزواج الماشي؛ إذ تقوم علاقة بين رجل وامرأة بالتراضي، فيزور الرجل المرأة ليلًا في بيت أسرتها ثم يعود صباحًا إلى بيت أمه حيث يعمل ويقيم. ويُنسب الأطفال إلى أمهاتهم ويُربون في بيوتهن. وتتميز هذه العلاقات بأنها لا تقوم على عقد ملزم أو تبادل اقتصادي، ويمكن أن تنتهي بهدوء دون إجراءات معقدة.

هل يعرف الأطفال آباءهم؟

تشير دراسات ميدانية إلى أن كثيرًا من الأطفال يعرفون آباءهم البيولوجيين، وقد تقوم بين الطرفين علاقات ود وزيارات وهدايا، لكن المسؤولية الاقتصادية والتربوية الأساسية تبقى على أسرة الأم. كما أن بعض الأسر اتجهت في العقود الأخيرة إلى أشكال من الزواج المستقر أو المشترك تحت تأثير القوانين الحديثة والثقافة المحيطة.

الاقتصاد التقليدي وتقسيم العمل

اعتمد هذا المجتمع تاريخيًا على الزراعة في السفوح والوديان المحيطة بالبحيرة، وتربية الماشية، وصيد الأسماك، والتجارة عبر طرق القوافل الجبلية. وكانت النساء يتولين الجزء الأكبر من الأعمال الزراعية والمنزلية وإدارة المخزون، بينما تولى الرجال أعمالًا شاقة كالبناء والحراثة الثقيلة ونقل البضائع والتجارة البعيدة. ويرى بعض الباحثين أن هذا التقسيم، مع ملكية البيت المشتركة عبر خط الأم، أسهم في استقرار الأسر الكبيرة ومنع تفتت الأرض.

الدين والطقوس

يمارس الموسو مزيجًا من البوذية التبتية ومعتقدات محلية قديمة، ويشغل الرجال تقليديًا دور الرهبان والكهنة في الطقوس. ومن أبرز المناسبات طقس بلوغ سن الرشد، الذي يقام للأولاد والبنات في سن معينة من المراهقة، وتحصل فيه الفتاة على ملابس الكبار، وقد تُمنح غرفة خاصة في البيت الكبير. كما تحظى بحيرة لوغو والجبال المحيطة بها بمكانة روحية في معتقداتهم، ومنها جبل يرتبط في معتقداتهم بإلهة أنثى تحظى بتبجيل كبير.

التحولات في العصر الحديث

تعرض مجتمع الموسو لتحولات كبيرة خلال القرن العشرين، فقد شهد فترات ضغط سياسي لتغيير عاداته الاجتماعية، ثم جاءت السياحة في العقود الأخيرة لتحمل فرصًا اقتصادية وتحديات ثقافية. فقد أصبحت منطقة بحيرة لوغو وجهة سياحية، وانتشرت صورة نمطية مثيرة عن حرية العلاقات لديهم، يعدها كثير من أبناء المجتمع مسيئة ومشوهة. كما أدت الهجرة إلى المدن والتعليم الحديث إلى تغير اهتمامات الأجيال الجديدة.

تحديات الحفاظ على الهوية

  • تحول بعض الطقوس إلى عروض سياحية تفقدها معناها الأصلي.
  • تراجع استخدام لغة الموسو لدى الأجيال الشابة لصالح اللغة الصينية الرسمية.
  • ضغوط اقتصادية تدفع الأسر إلى تقسيم البيوت الكبيرة.
  • تأثير وسائل الإعلام في تشكيل صورة مبسطة عن المجتمع.

مجتمعات أمومية النسب في العالم

ليس الموسو المثال الوحيد على النسب الأمومي، فهناك مجتمعات أخرى درسها الباحثون، منها:

  • المينانغكاباو في إندونيسيا: من أكبر المجتمعات الأمومية النسب، ويجمع بين ذلك وبين التمسك بالإسلام، وتنتقل فيه الأراضي والبيوت التقليدية عبر النساء.
  • الخاسي في شمال شرق الهند: تحمل فيه الأسرة اسم الأم، وتتولى البنت الصغرى غالبًا رعاية الوالدين وترث البيت.
  • بعض شعوب الأكان في غانا: يرتبط فيها انتقال بعض الألقاب والممتلكات بخط الأم.

وتكشف هذه الأمثلة أن تنظيم الأسرة والميراث يختلف كثيرًا بين الثقافات، وأن الأنماط الاجتماعية تتشكل استجابة لظروف تاريخية واقتصادية محددة.

ويؤكد الأنثروبولوجيون أن دراسة هذه المجتمعات ميدانيًا وبمشاركة أبنائها هي السبيل الأدق لفهمها بعيدًا عن الانطباعات السريعة.

أسئلة شائعة

أين تعيش قبيلة الموسو؟

تعيش أساسًا حول بحيرة لوغو على الحدود بين مقاطعتي يونان وسيتشوان في جنوب غرب الصين، في منطقة جبلية مرتفعة.

هل الرجال في هذا المجتمع بلا دور؟

لا، فللرجال أدوار في العمل وتربية أبناء الأخوات والطقوس الدينية وبعض الشؤون العامة، والوصف الشائع بأنهم بلا دور مبالغة إعلامية.

هل يعترف القانون الصيني بالزواج الزائر؟

يقوم الزواج الرسمي في الصين على التسجيل المدني، بينما يبقى الزواج الزائر عرفًا اجتماعيًا تقليديًا لدى الموسو، ويجمع بعض أفراده بين الأمرين.

خلاصة

تقدم قبيلة الموسو نموذجًا فريدًا لمجتمع أمومي النسب، تحتل فيه المرأة مكانة محورية في البيت والميراث، ويؤدي فيه الرجل دوره عبر الأخوة لا الأبوة. وفهم هذا المجتمع بعيدًا عن العناوين المثيرة يكشف تنوع التجارب الإنسانية في تنظيم الأسرة، ويذكر بأهمية احترام الثقافات المختلفة دون تنميط.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !