تزخر الطبيعة بتكوينات صخرية مدهشة تبدو للوهلة الأولى كأنها من صنع الإنسان، ومن أبرز الأمثلة على ذلك جبل غريب يقع في روسيا تتراصف صخوره في أشكال طولية متصلة تشبه الأنابيب. ويثير هذا المشهد أسئلة كثيرة لدى الزوار وهواة الجيولوجيا عن طريقة تشكله والعوامل التي صنعته.
نستعرض في هذا المقال المعلومات المتداولة عن هذا التكوين، ثم نشرح الظاهرة الجيولوجية المعروفة باسم التشقق العمودي أو الأعمدة البازلتية، ونتحدث عن المناطق البركانية في روسيا وأشهر نظائر هذه الظاهرة حول العالم، مع نصائح للزيارة وأسئلة شائعة.
أبرز المعلومات عن الجبل
كيف تتكون الصخور ذات الشكل الأنبوبي
تعود معظم التكوينات الصخرية التي تظهر على هيئة أعمدة أو أنابيب متجاورة إلى نشاط بركاني قديم، إذ تتدفق الحمم المنصهرة على سطح الأرض أو تتجمع في تجاويف قريبة منه، ثم تبدأ بالتبرد تدريجيا. وخلال هذه العملية تنكمش الكتلة الصخرية لأن المواد تشغل حجما أقل حين تبرد، فتنشأ فيها شقوق منتظمة تمتد من السطح نحو الداخل، فتنقسم الكتلة إلى أعمدة طويلة متلاصقة.
ظاهرة التشقق العمودي
يطلق الجيولوجيون على هذه الظاهرة اسم التشقق العمودي، وهي أكثر شيوعا في صخور البازلت الداكنة الناتجة عن الحمم القليلة اللزوجة. وغالبا ما تكون مقاطع الأعمدة سداسية الأضلاع، وقد تكون خماسية أو رباعية أحيانا، ويتوقف انتظامها على سرعة التبرد وتجانس الصخر. فكلما كان التبرد بطيئا ومتجانسا كانت الأعمدة أكثر انتظاما وأكبر قطرا، أما التبرد السريع فينتج أعمدة أنحف وأقل ترتيبا.
دور الانسياب والانزلاق
لا تتشكل كل التكوينات الغريبة بالتبرد وحده، فبعضها يتأثر بانسياب الحمم على المنحدرات، إذ تتصلب الطبقات الخارجية بينما يستمر الجزء الداخلي في الجريان، فتتكون قنوات وأشكال ممتدة تشبه الأنابيب. ثم تأتي عوامل التعرية من رياح وأمطار وتجمد وذوبان لتكشف هذه البنى مع مرور آلاف السنين، فتظهر للعيان بعد أن كانت مدفونة تحت طبقات أخرى.
روسيا أرض الجبال والبراكين
تمتد روسيا على مساحة هائلة تجعلها أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتضم تنوعا جيولوجيا واسعا يشمل سلاسل جبلية قديمة مثل جبال الأورال التي تُعد حدا تقليديا بين أوروبا وآسيا، وجبال القوقاز في الجنوب، إضافة إلى مناطق بركانية نشطة في أقصى الشرق.
شبه جزيرة كامتشاتكا وجزر الكوريل
تقع شبه جزيرة كامتشاتكا في الشرق الأقصى الروسي، وتُعد من أكثر مناطق العالم نشاطا من الناحية البركانية، إذ تضم عددا كبيرا من البراكين بعضها لا يزال نشطا، وهي جزء مما يعرف بحلقة النار في المحيط الهادئ. وإلى الجنوب منها تمتد جزر الكوريل التي تحمل بدورها آثارا بركانية واضحة. ويُذكر أن في جزيرة كوناشير من جزر الكوريل رأسا ساحليا تكسوه أعمدة بازلتية منتظمة، وهو من الأمثلة المعروفة على هذه الظاهرة في روسيا، وإن كان المقال الأصلي لا يحدد اسم الجبل المقصود بدقة.
تكوينات غريبة أخرى في روسيا
لا تقتصر غرائب الطبيعة الروسية على الصخور البركانية، ففي جمهورية كومي شمال الأورال توجد أعمدة صخرية ضخمة منفردة تعرف بأعمدة مانبوبونير، تكونت بفعل التعرية التي أزالت الصخور الأضعف وأبقت الأصلب قائمة. كما تشتهر البلاد ببحيرة بايكال التي تُعد أعمق بحيرة عذبة في العالم، وبمناظر طبيعية متنوعة تجذب عشاق المغامرة والتصوير.
نظائر عالمية لهذه الظاهرة
يمكن مشاهدة الأعمدة الصخرية المنتظمة في مواقع عديدة حول العالم، وقد أصبح بعضها من أشهر المعالم السياحية الطبيعية، ومن أبرزها:
- جسر العمالقة في أيرلندا الشمالية: يضم آلاف الأعمدة البازلتية المتشابكة على ساحل البحر، وهو مدرج في قائمة التراث العالمي.
- كهف فينغال في اسكتلندا: كهف بحري جدرانه مكونة من أعمدة بازلتية، وقد ألهم عددا من الفنانين والموسيقيين.
- برج الشيطان في الولايات المتحدة: كتلة صخرية شاهقة تحيط بها أعمدة طولية واضحة، ويقصدها المتسلقون والسياح.
- شواطئ أيسلندا البركانية: تنتشر فيها الأعمدة البازلتية بفضل النشاط البركاني المستمر في الجزيرة.
ويدل تكرار هذه الظاهرة في أماكن متباعدة على أن قوانين الطبيعة واحدة، وأن الظروف المتشابهة من حيث نوع الصخر وطريقة التبرد تنتج أشكالا متقاربة مهما اختلف الموقع الجغرافي.
القيمة العلمية والسياحية للتكوينات الصخرية
تمثل هذه الجبال والتكوينات مختبرات طبيعية مفتوحة يدرس من خلالها العلماء تاريخ الأرض والنشاط البركاني وخصائص الصخور. فمن خلال تحليل أحجام الأعمدة واتجاهاتها يمكن استنتاج معلومات عن سمك الحمم القديمة وسرعة تبردها والبيئة التي تكونت فيها. كما تساعد دراستها في فهم المخاطر البركانية المحتملة في المناطق النشطة.
ومن الناحية السياحية تجذب هذه المواقع أعدادا كبيرة من الزوار الباحثين عن المناظر الفريدة، مما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتشجيع الحفاظ على البيئة. غير أن كثرة الزوار قد تسبب أضرارا إذا لم تُنظم الزيارات، لذلك تفرض الجهات المختصة في كثير من الدول قواعد لحماية هذه المعالم من التخريب والتآكل.
نصائح لزيارة المواقع الجيولوجية
- الاطلاع على أحوال الطقس قبل الرحلة، خاصة في المناطق الشمالية والجبلية ذات المناخ القاسي.
- ارتداء أحذية مناسبة للمشي على الصخور الزلقة أو غير المستوية.
- الالتزام بالمسارات المحددة وعدم تسلق الأعمدة الهشة.
- عدم أخذ قطع من الصخور أو الكتابة عليها حفاظا على المكان للأجيال القادمة.
- الاستعانة بمرشد محلي في المناطق النائية أو البركانية.
البراكين وأنواع الصخور الناتجة عنها
لفهم الجبال ذات الأشكال الغريبة لا بد من معرفة أنواع الصخور التي تخلفها البراكين، فالصخور النارية تنقسم عموما إلى قسمين رئيسيين: صخور جوفية تبرد ببطء في أعماق الأرض فتتكون فيها بلورات كبيرة مثل الغرانيت، وصخور سطحية أو بركانية تبرد بسرعة نسبية على السطح أو قربه فتكون بلوراتها دقيقة مثل البازلت.
خصائص صخر البازلت
البازلت صخر داكن اللون، ثقيل نسبيا، غني بمعادن الحديد والمغنيسيوم، ويُعد من أكثر الصخور انتشارا في القشرة الأرضية، إذ يكوّن الجزء الأكبر من قيعان المحيطات. وتتميز حممه بانخفاض لزوجتها، فتسيل لمسافات طويلة وتكوّن هضابا واسعة وطبقات سميكة، وهذا ما يجعلها مثالية لتكوين الأعمدة المنتظمة عند تبردها في طبقات سميكة ومستوية.
أنماط النشاط البركاني
تختلف البراكين في طبيعة ثورانها، فبعضها انفجاري عنيف يقذف الرماد والصخور إلى ارتفاعات كبيرة، وبعضها هادئ تتدفق منه الحمم بانسياب مستمر. وتؤثر طبيعة الثوران في الأشكال التي تتركها، فالثورانات الهادئة المتكررة تبني طبقات متراكمة من الحمم المتصلبة، بينما تترك الثورانات الانفجارية فوهات واسعة وتراكمات من الفتات البركاني. ويشير وصف المقال الأصلي إلى انفجارات متكررة وسيلان متصل للصخور المنصهرة، وهو ما يتوافق مع الجمع بين النمطين في تاريخ المنطقة.
الجيولوجيا وعلم تشكل سطح الأرض
يهتم فرع من علوم الأرض يسمى الجيومورفولوجيا بدراسة أشكال سطح الأرض وأسباب نشأتها وتطورها، ويجمع بين الجيولوجيا والجغرافيا والمناخ. ويرى المختصون في هذا العلم أن أي تكوين طبيعي هو نتيجة صراع طويل بين قوى البناء الداخلية كالبراكين وحركة الصفائح، وقوى الهدم الخارجية كالتعرية والتجوية. ومن خلال قراءة هذه التكوينات يستطيع العلماء إعادة بناء تاريخ المنطقة عبر ملايين السنين، وتحديد الفترات التي شهدت نشاطا بركانيا أو تغيرات مناخية كبرى.
التجوية والتعرية
التجوية هي تفتت الصخور في مكانها بفعل عوامل الطقس، مثل تجمد الماء في الشقوق ثم تمدده، أو التفاعلات الكيميائية بين المعادن والماء والهواء. أما التعرية فهي نقل الفتات الناتج بواسطة المياه الجارية أو الرياح أو الجليد. وفي المناطق الباردة كالأجزاء الشمالية من روسيا تؤدي دورات التجمد والذوبان المتعاقبة دورا كبيرا في توسيع الشقوق بين الأعمدة الصخرية، مما يزيد وضوحها ويجعلها تبدو منفصلة كأنها أنابيب مصفوفة بعناية.
أسئلة شائعة
هل الأعمدة الصخرية المنتظمة من صنع الإنسان؟
لا، فهي تكوينات طبيعية تنشأ غالبا من تبرد الحمم البركانية وانكماشها، وانتظامها الهندسي ناتج عن قوانين فيزيائية تتحكم في توزيع الشقوق أثناء التبرد.
لماذا تكون الأعمدة البازلتية سداسية في الغالب؟
لأن الشكل السداسي يوزع إجهادات الانكماش بأكبر قدر من الكفاءة على السطح، فتلتقي الشقوق بزوايا متقاربة وتنتج هذا النمط المتكرر.
هل يمكن تسلق هذه التكوينات الصخرية؟
يختلف ذلك من موقع لآخر، فبعض المواقع تسمح بالمشي فوق الأعمدة المنخفضة ضمن مسارات محددة، بينما تمنع مواقع أخرى التسلق حفاظا على سلامة الزوار وعلى التكوين نفسه، لذلك يجب دائما احترام التعليمات المحلية واللافتات الإرشادية.
هل توجد براكين نشطة في روسيا؟
نعم، وتتركز أساسا في شبه جزيرة كامتشاتكا وجزر الكوريل في أقصى شرق البلاد ضمن حلقة النار المحيطة بالمحيط الهادئ.
خلاصة
يمثل هذا الجبل الروسي ذو الصخور الأنبوبية مثالا على قدرة الطبيعة على نحت أشكال تفوق الخيال، ويرتبط تفسيره العلمي بالنشاط البركاني وتبرد الحمم وانسيابها ثم بعوامل التعرية التي كشفت بنيتها. وتشترك هذه الظاهرة مع معالم عالمية شهيرة في أيرلندا واسكتلندا وأيسلندا والولايات المتحدة، مما يجعلها جزءا من تراث جيولوجي إنساني يستحق الدراسة والحماية، ويستحق أيضا الزيارة لمن يحب استكشاف عجائب الأرض.
.png)



