يحظى كل ما يرتبط بأسماء المشاهير من مقتنيات باهتمام كبير لدى هواة الجمع، ولا يختلف الأمر حين يتعلق برجال العصابات الذين صاروا جزءاً من التاريخ الشعبي. ومن هذه الأخبار بيع مسدس ال كابوني في مزاد لدى دار كريستي، وهو خبر أعاد إلى الواجهة سيرة أشهر زعماء الجريمة المنظمة في أمريكا.
نعرض في هذا المقال تفاصيل الخبر كما نُشرت، ثم نتعرف على شخصية آل كابوني وحقبة الحظر التي صنعت شهرته، ونلقي الضوء على مذبحة عيد الحب في شيكاغو، وعلى تاريخ مسدسات كولت، وعالم مزادات المقتنيات التاريخية وأسباب ارتفاع أسعارها.
تفاصيل خبر المزاد
وباع المسدس وهو من طراز (كولت 38) أحد هواة جمع المقتنيات القديمة الذي قدم مع المسدس رسالة شخصية اصلية من مادلين كابوني موريتشيتي ارملة رالف كابوني شقيق ال كابوني تؤكد فيه ان المسدس "كان يملكه في السابق ال كابوني ولم يستخدمه غيره اثناء حياته."
وتشير سجلات كولت الى ان المسدس صنع في مايو ايار 1929 بعد اشهر قليلة فقط من مذبحة عيد الحب الشهيرة في شيكاجو عندما قتل سبعة اشخاص في اشتباك بين عصابات للجريمة من بينها عصابة ال كابوني.
ولم يكشف عن اسم المشتري الذي شارك في المزاد عبر الانترنت
من هو آل كابوني؟
آل كابوني رجل عصابات أمريكي من أصل إيطالي، وُلد في حي بروكلين بمدينة نيويورك لأسرة مهاجرة، ونشأ في بيئة فقيرة دفعته مبكراً إلى عالم الشوارع والعصابات الصغيرة. ثم انتقل إلى شيكاغو حيث انضم إلى عصابة كان يقودها جوني توريو، وسرعان ما صعد في سلمها حتى أصبح زعيمها الفعلي في منتصف عشرينيات القرن العشرين.
اشتهر كابوني بلقب الوجه المندوب بسبب ندبة على خده، وصار رمزاً لحقبة كاملة من تاريخ الجريمة المنظمة. وكان يقدم نفسه للصحافة أحياناً في صورة رجل أعمال يلبي رغبات الناس، في حين ارتبط اسمه بأعمال عنف وتهريب ورشوة واسعة النطاق.
نهاية مسيرته
رغم صعوبة إدانته بجرائم العنف، تمكنت السلطات الفيدرالية في النهاية من محاكمته بتهمة التهرب الضريبي، وصدر بحقه حكم بالسجن قضى جزءاً منه في سجن ألكاتراز الشهير. وبعد الإفراج عنه كانت صحته قد تدهورت كثيراً، فعاش سنواته الأخيرة بعيداً عن النفوذ في فلوريدا حتى وفاته في أربعينيات القرن العشرين.
حقبة الحظر وصعود العصابات
شهدت الولايات المتحدة بين عامي 1920 و1933 ما يُعرف بحقبة الحظر، حين منع تعديل دستوري تصنيع المشروبات الكحولية وبيعها ونقلها. لكن الطلب على هذه المشروبات لم يختفِ، فنشأت سوق سوداء ضخمة تديرها العصابات، وانتشرت الحانات السرية وعمليات التهريب عبر الحدود.
وفرت هذه السوق أرباحاً هائلة لزعماء الجريمة، فاستخدموها في شراء الولاءات ورشوة بعض المسؤولين وتوسيع نفوذهم، كما اندلعت بين العصابات حروب دامية للسيطرة على مناطق التوزيع. وكانت شيكاغو من أبرز مسارح هذا الصراع، وفيها بنى كابوني إمبراطوريته.
دروس من تجربة الحظر
يستشهد المؤرخون والاقتصاديون بهذه الحقبة عند الحديث عن الآثار غير المقصودة للقوانين، إذ يرون أن المنع الشامل دون معالجة الطلب قد يفتح الباب أمام اقتصاد خفي تستفيد منه الجريمة المنظمة. وقد انتهت الحقبة بإلغاء التعديل الدستوري، لكن العصابات التي تشكلت خلالها واصلت نشاطها في مجالات أخرى.
مذبحة عيد الحب في شيكاغو
تُعد مذبحة عيد الحب التي وقعت في الرابع عشر من فبراير عام 1929 من أشهر حوادث العنف في تاريخ العصابات الأمريكية. ففي ذلك اليوم قُتل سبعة رجال مرتبطين بعصابة منافسة يقودها باغز موران داخل مرأب في شيكاغو، على يد مسلحين تنكر بعضهم في زي الشرطة.
ورغم أن أصابع الاتهام وُجهت على نطاق واسع إلى عصابة كابوني، لم يُدن أحد بالجريمة رسمياً. لكن بشاعة الحادثة أثارت غضب الرأي العام، ودفعت السلطات إلى تكثيف جهودها ضد الجريمة المنظمة، فكانت نقطة تحول في مسيرة كابوني نفسه.
أثر الحادثة في الثقافة الشعبية
تحولت المذبحة إلى مادة متكررة في الأفلام والروايات والبرامج الوثائقية، وأسهمت في رسم الصورة النمطية لرجل العصابات في عشرينيات القرن الماضي ببدلته الأنيقة وقبعته ورشاشه، وهي صورة ما زالت حاضرة في السينما حتى اليوم.
مسدسات كولت وتاريخها
تُعد شركة كولت من أعرق مصنعي الأسلحة النارية في الولايات المتحدة، وقد ارتبط اسمها بتاريخ البلاد منذ القرن التاسع عشر، حتى صار بعض طرازاتها رمزاً لحقب تاريخية بعينها. وتحتفظ الشركة بسجلات لإنتاجها تتيح أحياناً معرفة تاريخ صنع قطعة معينة من خلال رقمها التسلسلي، وهذا ما يساعد الخبراء على التحقق من أصالة القطع المعروضة في المزادات.
ويشير الرقم 38 في اسم الطراز إلى عيار الذخيرة، وهو من العيارات التي انتشرت على نطاق واسع لدى الشرطة والمدنيين في النصف الأول من القرن العشرين. وتكتسب القطع القديمة قيمتها لدى الجامعين من ندرتها وحالتها وقصتها، أكثر من قيمتها بوصفها سلاحاً.
عالم مزادات المقتنيات التاريخية
تنظم دور المزادات الكبرى، مثل كريستي وسوذبيز وغيرهما، مزادات متخصصة في المقتنيات المرتبطة بالشخصيات الشهيرة، من الملابس والرسائل إلى الأدوات الشخصية والأسلحة. ويتنافس فيها جامعون أفراد ومتاحف ومؤسسات، وقد أصبحت المشاركة عبر الإنترنت والهاتف شائعة إلى جانب الحضور الشخصي.
ما الذي يرفع سعر القطعة؟
- المصدر الموثق: وجود وثائق تثبت ملكية الشخصية الشهيرة للقطعة، كالرسائل وشهادات الأقارب والسجلات الرسمية.
- الندرة: كلما قل عدد القطع المرتبطة بالشخص المعروضة في السوق ارتفعت قيمتها.
- الحالة: الحفاظ الجيد على القطعة يزيد من جاذبيتها لدى المشترين.
- الشهرة والقصة: ارتباط القطعة بحدث تاريخي أو بفترة مثيرة في حياة صاحبها يضاعف الاهتمام بها.
- المنافسة: وجود أكثر من مشترٍ متحمس قد يرفع السعر النهائي فوق التقديرات المتوقعة.
وتثير مزادات مقتنيات المجرمين جدلاً أخلاقياً أحياناً، إذ يرى بعضهم أنها تمجد العنف وتحول المجرمين إلى نجوم، بينما يعدها آخرون جزءاً من توثيق التاريخ الاجتماعي وفهمه، خاصة حين تنتهي القطع في المتاحف.
قوانين تداول الأسلحة القديمة
يخضع بيع الأسلحة التاريخية لأنظمة تختلف من بلد إلى آخر، فبعض الدول تشترط تعطيل السلاح أو الحصول على تراخيص خاصة قبل نقله أو امتلاكه، ولذلك تحرص دور المزادات على التحقق من الإجراءات القانونية المتعلقة بكل قطعة وبلد المشتري.
مكافحة الجريمة المنظمة في تلك الحقبة
واجهت السلطات الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي صعوبات كبيرة في التصدي للعصابات، بسبب انتشار الرشوة في بعض الأجهزة المحلية وخوف الشهود من الإدلاء بإفاداتهم. لذلك برز دور الأجهزة الفيدرالية التي شكلت فرقاً خاصة لملاحقة شبكات التهريب، ومن أشهرها فريق قاده العميل إليوت نيس، وعُرف أفراده بلقب الذين لا يُمسون لرفضهم الرشوة، وقد خُلدت قصتهم لاحقاً في مسلسل وفيلم شهيرين.
وفي موازاة ذلك عمل محققو الضرائب على تتبع ثروة كابوني وإنفاقه الباذخ لإثبات دخله غير المعلن، وهو النهج الذي أثبت فعاليته في النهاية. وقد أصبحت هذه القضية مثالاً يُدرَّس على أهمية التحقيقات المالية في مواجهة الجريمة المنظمة، وهو أسلوب ما زال معتمداً حتى اليوم عبر تتبع الأموال وغسلها.
شيكاغو في العشرينيات
كانت شيكاغو آنذاك مدينة صناعية سريعة النمو، تستقبل أعداداً كبيرة من المهاجرين القادمين من أوروبا والعمال القادمين من الجنوب الأمريكي، وشهدت ازدهاراً عمرانياً واقتصادياً لافتاً. لكن هذا النمو السريع ترافق مع أحياء مكتظة وفقر وتنافس حاد، مما وفر بيئة خصبة لنشوء العصابات واتساع نفوذها في ظل حقبة الحظر.
لماذا يظل كابوني حاضراً في الذاكرة؟
تحول آل كابوني بعد عقود من وفاته إلى شخصية شبه أسطورية، تتناولها الأفلام والمسلسلات والكتب بكثرة. ويرجع ذلك إلى اجتماع عناصر الدراما في قصته، من الصعود من الفقر إلى الثروة، ونفوذه الواسع في مدينة كبرى، ثم سقوطه بتهمة غير متوقعة. كما أن حقبة الحظر نفسها بما فيها من حانات سرية وموسيقى جاز وسيارات فاخرة صارت رمزاً لعصر كامل.
غير أن المؤرخين يذكرون دائماً بأن وراء هذه الصورة الجذابة واقعاً قاسياً من العنف والفساد الذي عانى منه سكان المدينة، وأن تمجيد رجال العصابات يتجاهل ضحاياهم.
أسئلة شائعة
لماذا أدين آل كابوني بالتهرب الضريبي؟
لأن السلطات واجهت صعوبة كبيرة في إثبات تورطه المباشر في جرائم العنف، فلجأت إلى ملاحقته مالياً من خلال إثبات أنه لم يدفع الضرائب المستحقة على دخله الكبير.
ما هي مذبحة عيد الحب؟
هي حادثة قتل فيها سبعة رجال من عصابة منافسة في شيكاغو يوم الرابع عشر من فبراير 1929، ونُسبت على نطاق واسع إلى عصابة كابوني دون إدانة رسمية لأحد.
كيف يتأكد الخبراء من أصالة المقتنيات؟
يعتمدون على فحص القطعة نفسها ومقارنة أرقامها بسجلات الصانع، وعلى الوثائق المرافقة كالرسائل وشهادات الملكية، وعلى تتبع انتقال القطعة من مالك إلى آخر عبر السنين.
هل يُكشف عادة عن هوية المشترين في المزادات؟
لا تُعلن دور المزادات في الغالب أسماء المشترين إلا إذا رغبوا في ذلك، إذ يفضل كثير من الجامعين الاحتفاظ بخصوصيتهم، ولهذا تكتفي الأخبار في أحيان كثيرة بذكر السعر النهائي ووصف القطعة دون التعريف بمن اشتراها.
خلاصة
يعكس بيع هذا المسدس في مزاد لندني الاهتمام المستمر بشخصية آل كابوني وبحقبة الحظر التي صنعت شهرته. فالقطعة لم تُقدَّر بثمنها لأنها سلاح، بل لأنها تحمل جزءاً من قصة رجل ارتبط اسمه بأحد أكثر فصول تاريخ الجريمة الأمريكية إثارة، وهي قصة تذكرنا أيضاً بالثمن الذي دفعه المجتمع في تلك المرحلة.
