يعد تعليم الطفل تقدير النعمة من أهم ما يغرسه الوالدان في سنواته الأولى، لأنه يحميه من الأنانية والتذمر، ويعلمه أن ما بين يديه ثمرة جهد وعطاء. وقد تناول المقال الأصلي دور الأم في ضبط طلبات الطفل ووضع ميزانية للأسرة، ونكمل هنا بالحديث عن تطور مفهوم الامتنان لدى الأطفال بحسب أعمارهم، وأنشطة عملية يومية تغرس الشكر، ودور القدوة، ومكانة الشكر في الثقافة الإسلامية، وأخطاء تربوية ينبغي تجنبها.
ان ابنائنا اغلى ما نملك وهم متاع هذه الدنيا ، لكن في ظل ثورة المعلومات الحالية وبين الاف الإعلانات التجارية المختلفة ، ونشوة الطفولة يظل طفلنا يحس برغبته في الحصول على كل شيء قد تقع عينه عليه او حتى سمع عنه بأذنه ، إن الطفولة نعمة من الله لكن احيانا تنقلب هذه النعمة الى نقمة علينا وطلبات لها بداية وما لها نهاية.
لقد قام العديد من الاخصائيين بشرح الانانية الموجودة لدى الاطفال وطرق الحد منها وكيف نهذب نفس الطفل لكي يصل الى مرحلة من النضج لكي يعلم ان اباه او امه لايملكون العالم بأسره أو ان نقودهم غير متناهية.
أن الأم ،على وجه الخصوص مع عدم انكار دور الأب ، هي المسؤولة الاولى عن تمادي طفلها في مثل هذا السلوك، إذا كانت تستجيب لمطالبه كافة، مهما كانت مكلفة، دون تردّد، حتى في ظلّ توافر المال فهي تنشئه تنشئة تبعد عن المعايير التربوية السليمة، علماً أن توافر المال ليس العائق الوحيد أمام الاستجابة لرغبات الطفل وطالما توافر تنتهي المشكلة، إنما هناك معايير تربوية ونفسية واجتماعية يجب أن يراعيها الاب او الام ، في هذا الإطار. فمن المعلوم أنّ المال الوفير من الأسباب الرئيسة لفساد الأخلاق، ويمهّد طريق انحراف لدى الطفل في المستقبل.
وضع الميزانية
ويجدر بالأم أن تشرح لطفلها أنّ لكل أسرة، مهما كانت ثرية أو فقيرة ، متطلبات أساسية. لذا، يجب أن يفكر كل فرد من أفرادها في تحديد نوع إنفاقه بما يتناسب مع الدخل الذي يتوافر لها، فلا يصحّ أن يبالغ أحدهم في طلباته واستنفاد هذا الدخل في إرضاء رغباته بدون النظر للآخرين او للإستمرار بتلبية الرغبات على المدى البعيد.
ومن المفيد أن تشاركه في وضع ميزانية شهرية تشمل المصروفات المعيشية من مأكل ومشرب وملبس وفواتير الماء والكهرباء والهاتف وأقساط التعليم والالتزامات تجاه العائلة والأصدقاء، وغيرها من الضروريات.
ويفضّل أن ينخرط الطفل في بحث هذه الأمور بشكل اعتيادي، أي لا يرتبط برفض طلب ما كان قد طلبه حتى لا يكون الهدف منه إشعاره بالذنب والتأنيب غير المباشر، وإنما لتوضيح حقيقة الوضع المالي للأسرة لإشعاره بالمسؤولية وتدريبه على ترتيب الأولويات.
وينبغي تخصيص مبلغ محدّد من ميزانية الأسرة لمساعدة المحتاجين، مع تذكير أطفالنا قبل التفكير في الإنفاق على الترفيه والألعاب والملابس الزائدة عن الحاجة أنّ هناك أناس لا يجدون قوت يومهم، وأطفالاً يتركون التعليم ويقومون بعمل شاق من أجل توفير أساسيات الحياة لأسرهم، وفي بعض الاماكن في العالم ، كانت الأطفال تموت جوعاً بين أيدي أمهاتهم!
حيل مجرّبة
استخدمي فن المماطلة: عندما يطلب منك طفلك شراء غرض معيّن، لا تنفّذي طلبه على الفور، بل قولي له: "دعنا نؤجّل الأمر إلى الأسبوع القادم، ونرى هل ستنخفض الأسعار؟"، أو "انتظر حتى موسم التخفيضات". فن المماطلة بذكاء يغرس بذرة في عقل طفلكِ وهي أن يكون عقلانياً دائماً قبل الإقدام على الشراء.
امنحيه مصروفاً أسبوعياً: من أفضل الأشياء التي يمكن من خلالها تدريب الطفل على إنفاق المال بمسؤولية وعقلانية وضع مصروف شخصي اسبوعي له، فاطلبي منه أن يوفّر ولو جزءاً من ثمن ما يريد شراءه من مصروفه الخاص، وأن يحدّد احتياجاته الأسبوعية أو الشهرية، وتعرّفي على خططه لهذه الفترة (القيام برحلة مع المدرسة، أو شراء هدية لصديق في عيد ميلاده، أو شراء قميص).
اقترحي عليه أن يخصّص مبلغاً من المال يكفي هذه الاحتياجات، وامنحيه ما طلب إن كان في حدود المعقول. لكن، اعقدي معه اتفاقاً بأنه لو أنفق مصروفه بطريقة سيئة قبل حلول موعد المصروف القادم فإنكِ لن تمنحيه أي أموال إضافية، وإن حدث العكس فسوف تعطيه مكافأة.
أسندي إليه أعمالاً بأجر: إذا طلب منكِ ابتياع غرض مرتفع السعر إلى حدّ ما، اتّفقي معه على القيام بأعمال إضافية بسيطة نظير مقابل مادي، كالأعمال المنزلية، العناية بالحديقة، شراء بعض الأغراض من الخارج، رعاية إخوته الصغار أو تعليمهم، وأعطيه أجره. وسيشعر حينها بقيمة المال، وأنّ الحصول عليه يتطلّب بذل مجهود.
اصطحبيه للتسوّق: اصطحاب طفلك إلى "السوق" طريقة مفيدة لتعليمه كيفية إنفاق المال عن طريقة مقارنة الأسعار والتمسك بحدود الميزانية المرصودة للشراء. لذا، أشركيه في كتابة لائحة التسوّق، وأخبريه عن حدود ميزانيتك وأنّ شراء لعبة ما يعني حذف بند ضروري من اللائحة المعدّة. ودعيه يقرأ لكِ الأسعار، ويقارن بعضها ببعض لناحية الأغراض ذات الجودة عينها والسعر الأقلّ، أو يحمل آلة حاسبة ويحسب الفارق بين الأسعار، وكم تبقّى من أموال...
إرشادات هامة
•لا تتركي عواطفك تحرّكك تجاه طلبات طفلك، فالتوازن ضروري بين المطلوب والمتاح.
•إذا أراد طفلك غرضاً غالي الثمن، ناقشيه في الفوائد التي ستعود عليه منه حتى تصلي إلى نتيجة يتنازل بها الطفل عن حاجته لإدراكه أنّ سعر الشيء الذي يودّ شراءه أكبر من قيمته.
•علّميه التنازل عن بعض ماله من أجل الفقراء والمساكين والمحتاجين.
• احترسي إن كنت "مبذّرة ولا تخطّطي بعقلانية في إنفاق المال" وتتركين الحبل على الغارب في أثناء التسوّق، إذ سينشأ طفلك على هذا المنوال في التعامل مع المال.
•حوّلي الهدايا المالية و"العيدية" التي يمكن أن ينالها طفلك في خلال المناسبات إلى مشروع للادّخار من خلال حساب مصرفي، وإذا كان صغير السن علّميه ادّخارها في الحصّالة.
•أقنعي طفلكِ وعلّميه أنّ التمتّع بالحياة يجب أن يكون بحدود المعقول بدون إفراط أو تفريط، فدوام الحال من المحال.
انعكاس تغيّرات مستوى المعيشة على الأطفال
في ظلّ الأزمة المالية العالمية التي يعيشها العديد منا الآن والتي ألقت بظلالها على دخل العديد من الأسر، تفيد دراسة برازيلية حديثة أنّ تفاعل الأبناء مع تغيّرات مستوى المعيشة يرتبط بشكل أساسي بطريقة التربية المعتمدة في "أيام العز"، فإذا كانوا قد اعتادوا العيش بطريقة غير منضبطة اقتصادياً وغير مسؤولة، فعندها سيجدون صعوبات في التأقلم مع الوضع الجديد، كما سيعانون من أزمة نفسية نتيجة لذلك.
أمّا من كان قد اعتمد أسلوباً عاقلاً في التربية اعتاد فيه الأولاد على تحمّل المسؤولية ومواجهة المشكلات الطارئة فعندها سيكون الحل أسهل، بل على العكس، سيشكّل الصغار دعماً إيجابياً لأهلهم في الأوقات الحرجة.
ومعرفة هذه المراحل تجنب الوالدين التوقعات غير الواقعية، فلا يطلب من طفل في الثالثة ما يطلب من ابن العاشرة.
يتعلم الأطفال من سلوك الكبار أكثر مما يتعلمون من نصائحهم؛ فالأب الذي يشكر عامل النظافة، والأم التي تحمد الله على الطعام وتتجنب التذمر أمام أبنائها، يقدمان درسا عمليا أبلغ من أي محاضرة. كما أن الحديث عن النعم الصغيرة كالماء النظيف والبيت الدافئ يلفت انتباه الطفل إلى ما يغفل عنه عادة.
يحتل الشكر منزلة عظيمة في الإسلام، إذ يقرن القرآن الكريم بين الشكر وزيادة النعم، ويبين العلماء أن الشكر يكون بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح استعمالا للنعمة فيما يرضي الله. ويمكن تقريب هذا المعنى للطفل بأسلوب بسيط، كأن يتعلم أن شكر نعمة الطعام ألا يسرف فيه، وأن شكر نعمة الألعاب أن يحافظ عليها ويشارك فيها غيره.
يمكن البدء مبكرا بالكلمات البسيطة والتقليد، ثم التدرج في شرح المعاني مع نمو إدراكه.
يرى كثير من المختصين أن المصروف المنتظم يعلم الطفل قيمة المال والاختيار، خاصة إذا شجع على الادخار لشراء ما يريده.
يغرس الامتنان في نفس الطفل بالتدرج المراعي لعمره، والأنشطة اليومية البسيطة، والقدوة الصادقة من الوالدين، وربط المعاني بقيم الشكر في ثقافتنا. وبذلك ينشأ طفل يقدر ما لديه، ويحترم جهد الآخرين، ويشعر بمسؤوليته تجاه من حوله.