شكّل التحول الواسع نحو الهواتف الذكية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تحديًا كبيرًا لكثير من شركات الإنترنت، وفي مقدمتها فيسبوك التي بنت نموذجها التجاري في البداية على تصفح الموقع من أجهزة الحاسوب. وقد عبّرت الشركة في تلك المرحلة عن قلقها من صعوبة تحقيق العوائد من مستخدمي الهواتف الذكية.
نعرض في هذا المقال الخبر كما نُشر في حينه، ثم نقدم خلفية عن نموذج أعمال الشبكات الاجتماعية، وتحديات الإعلان عبر الأجهزة المحمولة، والعلاقة المعقدة بين مطوري التطبيقات وأنظمة التشغيل، وأهم المفاهيم المرتبطة بهذا الموضوع.
تفاصيل الخبر
خلفية: كيف تربح الشبكات الاجتماعية؟
تعتمد معظم الشبكات الاجتماعية المجانية على نموذج تجاري أساسه الإعلانات، إذ تقدم خدماتها للمستخدمين دون مقابل مادي مباشر، ثم تبيع للمعلنين فرصة الوصول إلى جمهور محدد بحسب الاهتمامات والموقع الجغرافي والفئة العمرية وغيرها من الخصائص. وكلما زاد عدد المستخدمين ووقت بقائهم على المنصة، ارتفعت قيمة المساحات الإعلانية.
الإعلان على الحاسوب مقابل الهاتف
في مرحلة انتشار الحواسيب المكتبية، كانت صفحات المواقع واسعة تتيح عرض إعلانات جانبية متعددة دون إزعاج المستخدم. أما شاشات الهواتف الصغيرة فلا تتسع لهذا العدد من الإعلانات، وأي إعلان كبير قد يحجب المحتوى ويزعج المستخدم. ولهذا واجهت الشركات في بدايات التحول نحو الأجهزة المحمولة سؤالًا صعبًا: كيف نعرض الإعلانات على الشاشة الصغيرة دون أن نفقد رضا المستخدمين؟
من الإعلانات الجانبية إلى المحتوى المدمج
اتجهت كثير من المنصات لاحقًا إلى ما يُعرف بالإعلانات المدمجة في المحتوى، وهي إعلانات تظهر بين المنشورات بتصميم مشابه لها، فتبدو جزءًا طبيعيًا من تجربة التصفح. وأصبح هذا الشكل من الإعلانات من أكثر الأساليب انتشارًا في التطبيقات الاجتماعية بشكل عام.
تحديات الاعتماد على أنظمة تشغيل الآخرين
تعمل تطبيقات الهواتف الذكية ضمن أنظمة تشغيل تملكها شركات أخرى، أبرزها نظام آبل لأجهزة آيفون، ونظام أندرويد الذي تطوره غوغل. ويضع هذا الواقع مطوري التطبيقات الكبار أمام عدة تحديات:
- الخضوع لسياسات المتاجر: إذ تحدد الشركة المالكة للنظام قواعد نشر التطبيقات وتحديثها.
- القيود التقنية: فبعض خصائص الجهاز قد لا تكون متاحة بالكامل للتطبيقات الخارجية.
- المنافسة مع خدمات صاحب النظام: فقد تقدم الشركة المالكة خدمات مشابهة مدمجة في الجهاز.
- التحكم في البيانات والخصوصية: إذ يمكن لتغيير سياسات النظام أن يؤثر في قدرة التطبيقات على استهداف الإعلانات.
ومن هنا يمكن فهم القلق المذكور في الخبر من أن تتحول الشبكة الاجتماعية إلى مجرد تطبيق ضمن منظومة يملكها الآخرون.
فكرة الهاتف الخاص بالشركات الرقمية
ليست فكرة أن تطور شركة إنترنت جهازًا خاصًا بها غريبة في عالم التقنية، فقد سعت شركات عديدة إلى امتلاك الجهاز ونظام التشغيل والخدمات معًا بهدف التحكم في تجربة المستخدم كاملة. غير أن صناعة الهواتف تتطلب خبرات هندسية كبيرة وشبكات توريد وتصنيع معقدة واستثمارات ضخمة، كما أن المنافسة فيها شديدة جدًا، ولذلك تفضل بعض الشركات التعاون مع مصنعين قائمين أو تطوير واجهات وتطبيقات تعمل على الأجهزة الموجودة بدل إنتاج جهاز من الصفر.
بين الجهاز والتطبيق
يدور النقاش في هذا المجال حول سؤال استراتيجي: هل الأفضل أن تملك الشركة الجهاز، أم أن تكون حاضرة بقوة على جميع الأجهزة؟ ولكل خيار مزاياه وعيوبه؛ فامتلاك الجهاز يمنح السيطرة لكنه مكلف ومحفوف بالمخاطر، أما التركيز على التطبيقات فيوفر انتشارًا أوسع لكنه يجعل الشركة معتمدة على أنظمة غيرها.
الطرح العام للأسهم وأهمية الإفصاح
تشير الفقرة الأخيرة من الخبر إلى بيان أصدرته الشركة للمستثمرين المحتملين قبل طرح أسهمها في البورصة. وفي العادة تُلزم الأنظمة المالية الشركات المقبلة على الطرح العام بالإفصاح عن عوامل المخاطر التي قد تؤثر في أعمالها، حتى يتخذ المستثمرون قراراتهم على بينة. ولذلك تتضمن نشرات الاكتتاب قوائم مفصلة بالتحديات المحتملة، مثل المنافسة، والتغيرات التقنية، واللوائح التنظيمية، وتحولات سلوك المستخدمين.
لماذا يهتم المستثمرون بعوائد الأجهزة المحمولة؟
لأن نمو أي منصة رقمية يرتبط بقدرتها على تحويل المستخدمين إلى إيرادات، فإذا انتقل الجمهور إلى منصة جديدة كالهاتف ولم تتمكن الشركة من تحقيق دخل منه، فإن ذلك قد يضغط على نموها المالي في المستقبل.
مفاهيم مرتبطة بالموضوع
- متوسط الإيراد لكل مستخدم: مقياس يُستخدم لمعرفة متوسط ما تحققه المنصة من كل مستخدم خلال فترة معينة.
- الاستهداف الإعلاني: عرض الإعلان على الفئات الأكثر احتمالًا للاهتمام به بناءً على بياناتهم.
- المنظومة المغلقة: بيئة تقنية تتحكم فيها شركة واحدة بالجهاز والنظام والمتجر.
- متجر التطبيقات: منصة لتوزيع البرامج على أجهزة نظام تشغيل معين.
التحول الكبير نحو الإنترنت المحمول
شهدت السنوات التي أعقبت ظهور الهواتف الذكية الحديثة ذات الشاشات اللمسية تحولًا جذريًا في طريقة استخدام الناس للإنترنت، فبعد أن كان التصفح مرتبطًا بالجلوس أمام الحاسوب، أصبح الهاتف رفيقًا دائمًا يتيح الدخول إلى الشبكات الاجتماعية في أي وقت ومكان. وقد أسهم في ذلك انتشار شبكات الجيل الثالث ثم الرابع، وانخفاض أسعار الأجهزة تدريجيًا، وظهور متاجر التطبيقات التي سهلت تثبيت البرامج بضغطة زر.
أثر التحول على سلوك المستخدم
غيّر الهاتف الذكي عادات الاستخدام بشكل واضح، فأصبحت الجلسات أقصر وأكثر تكرارًا، وازداد الاعتماد على الصور والمقاطع المصورة، كما برزت أهمية الإشعارات الفورية في جذب المستخدم للعودة إلى التطبيق. وفرضت هذه التغيرات على المنصات الاجتماعية إعادة تصميم واجهاتها بالكامل لتناسب الشاشات الصغيرة واللمس بدل الفأرة ولوحة المفاتيح.
الخصوصية وبيانات المستخدمين
يرتبط نموذج الإعلانات الموجهة ارتباطًا وثيقًا بجمع البيانات وتحليلها، وهو ما أثار على مر السنين نقاشًا واسعًا حول خصوصية المستخدمين وحدود استخدام معلوماتهم. وقد زادت الهواتف الذكية من حساسية هذا النقاش لأنها تحتوي على معلومات شخصية كثيرة كالموقع الجغرافي وجهات الاتصال والصور. ولهذا أصدرت دول وتكتلات عديدة تشريعات لحماية البيانات الشخصية، وأضافت أنظمة التشغيل أدوات تمنح المستخدم تحكمًا أكبر في الأذونات الممنوحة للتطبيقات.
نصائح لحماية بياناتك على الهاتف
- راجع أذونات التطبيقات بانتظام وألغِ ما لا تحتاجه منها.
- اضبط إعدادات الخصوصية في حساباتك الاجتماعية بما يناسبك.
- فعّل التحقق بخطوتين لحماية الحسابات المهمة.
- حمّل التطبيقات من المتاجر الرسمية فقط وحدّثها باستمرار.
دروس مستفادة للشركات الرقمية
تقدم هذه المرحلة دروسًا مهمة للشركات الناشئة والكبيرة على حد سواء، أبرزها ضرورة مراقبة التحولات التقنية مبكرًا والاستعداد لها قبل أن تفرض نفسها، وعدم الاعتماد على مصدر دخل واحد أو منصة واحدة، والاستثمار في تجربة المستخدم على كل جهاز يستخدمه الجمهور، إضافة إلى أهمية الشفافية مع المستثمرين حول المخاطر والتحديات.
ما الفرق بين الموقع الإلكتروني والتطبيق؟
الموقع يُفتح عبر المتصفح على أي جهاز، أما التطبيق فبرنامج يُثبت على الهاتف من متجر النظام، ويتيح عادة سرعة أكبر واستخدامًا لخصائص الجهاز كالكاميرا والإشعارات.
أسئلة شائعة
لماذا كان تحقيق العوائد من الهواتف صعبًا في تلك المرحلة؟
لأن الشاشات الصغيرة لا تتسع لإعلانات كثيرة، ولأن أساليب الإعلان المناسبة للأجهزة المحمولة كانت ما تزال في بداياتها.
ما المقصود بالخشية من التحول إلى مجرد تطبيق؟
المقصود أن تصبح الشبكة الاجتماعية معتمدة كليًا على أنظمة تشغيل ومتاجر تملكها شركات أخرى، فتفقد جزءًا من سيطرتها على تجربة المستخدم والإيرادات.
هل هذا الخبر حديث؟
لا، يعود الخبر إلى مرحلة سبقت طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام، ويُنشر هنا بوصفه أرشيفًا يوثق تلك الفترة.
هل ما زالت الإعلانات المصدر الرئيسي لدخل الشبكات الاجتماعية؟
تظل الإعلانات المصدر الأبرز لمعظم المنصات المجانية، وإن ظهرت إلى جانبها نماذج أخرى كالاشتراكات المدفوعة.
خلاصة
يعكس هذا الخبر مرحلة مفصلية في تاريخ صناعة الإنترنت، حين انتقل المستخدمون بسرعة من الحواسيب إلى الهواتف الذكية، ووجدت الشركات نفسها أمام تحدي إعادة بناء نماذجها الإعلانية لتناسب الشاشات الصغيرة، والتعامل مع أنظمة تشغيل يملكها منافسون. وتبقى هذه التجربة مثالًا مهمًا على أن التحولات التقنية الكبرى تفرض على الشركات مراجعة استراتيجياتها باستمرار.
