انتشار الأمراض يرتبط بانتشار المواد السامة في البيئة

تتسرب إلى الهواء والماء والتربة والغذاء مواد كيميائية متعددة ناتجة عن الصناعة والنقل والزراعة والاستهلاك اليومي، ويهتم العلماء بدراسة أثرها على صحة الإنسان. ويناقش هذا المقال فكرة أن انتشار الأمراض يرتبط بانتشار المواد السامة في البيئة.

وبعد المادة الأصلية نضيف تعريفًا بأبرز الملوثات وطرق دخولها إلى الجسم، والفئات الأكثر عرضة للتأثر، وخطوات عملية لتقليل التعرض في البيت والمطبخ، ودور السياسات العامة، مع التذكير بأن تشخيص أي مرض يحتاج إلى الطبيب.

السموم البيئية وأثرها في الصحة


رمز التحذير من المواد السامة وعلاقتها بانتشار الأمراض

إننا نعيش في عالم يعج بالسموم، وسواء كنت تعيش إلى جانب معمل لتكرير النفط أو على قمة جبل لا يزال يحتفظ بنقائه الطبيعي من سلسلة جبال روكي الأميركية، فإنك تحمل السموم في أنسجتك.

وبالنظر لما يحيطنا من المعادن الثقيلة إلى الزرنيخ والرصاص والزئبق والكادميوم، المنبعث من المداخن وعوادم السيارات، وصولا إلى المبيدات الحشرية والأسمدة وثنائي الفينيل متعدد الكلور الذي يطلق في الأنهار والتربة، بجانب المواد المنبعثة من المنتجات البلاستيكية المستخدمة في المنازل، يتضح أننا نعوم في بحر من الكيماويات السامة.

تؤثر السموم البيئية في جميع أنظمة الجسم، ولها صلة بظهور خلل واضطرابات في الغدد الصماء وأنظمة المناعة والتناسل والأيض (التمثيل الغذائي)، إضافة إلى القلب ونظم الإدراك والسلوك. 

والملاحظ أن الجهاز العصبي عرضة، بصورة خاصة، للتأثر بالسموم، ذلك أن المخ يتألف بصورة أساسية من اللبيدات (الدهون)، بينما تتسم غالبية السموم البيئية بالقدرة على الذوبان في الدهون، مما يجعل أنسجة المخ حساسة، على نحو خاص تجاهها. 

وقد ربطت الأبحاث بالفعل بين عدد من الأمراض المرتبطة بتآكل الأعصاب والتعرض لسموم، بما في ذلك مرض باركنسون والتصلب العضلي الجانبي وإعاقات التعلم واضطرابات السلوك وأنماط معينة من العته.

الواضح أن الكثير من الأعراض العصبية للتعرض للسموم شائعة وغير مرتبطة بمرض محدد، بما في ذلك الصداع والإرهاق وغياب القدرة على التركيز وضعف الذاكرة والأرق.


الوقاية من السموم 

* وعلى الرغم من قسوة تلك الحقائق، فإنه تبقى هناك سبل يمكنها أن توفر لك الحماية. بوجه عام، هناك استراتيجيتان رئيسيتان للتقليص من تأثير السموم البيئية على الصحة. 

أولاهما: تقليص التعرض للسموم من الأساس، وبالتالي امتصاص الجسم لها.

ثانيا: تطوير نظام روتيني لتخليص الجسم من السموم بصورة منتظمة.

ويمكن القول إن السبيل الأمثل لتجنب التعرض للسموم هو الحرص على تناول أغذية عضوية فقط، أو بأقصى درجة ممكنة.

في كتابها الجديد «البيان العضوي» (أورغانيك مانيفستو)، تسلط ماريا روديل الضوء على أبحاث بالغة الأهمية حول السموم البيئية، وتوضح معالم خطة دقيقة لتحسين الصحة وصحة الكوكب بوجه عام عبر التحول إلى الاعتماد على الطعام العضوي.

وفيما يلي ثلاث استراتيجيات جوهرية للتمتع بأطعمة عضوية:

* العثور على سوق محلية يمكن من خلالها شراء أغذية طازجة ومحلية وعضوية من المزارع مباشرة.

* إذا ذهبت إلى إحدى الأسواق التجارية الضخمة، فعليك بالبحث عن ختم رسمي يحمل لفظ «عضوي».

* اشتر كميات كبيرة، وقم بتخزين الفائض لوقت لاحق كي تستفيد من الأسعار الموسمية.

التخلص من السموم 

* من أجل التعرف على وجهات نظر موثوق بها حيال تخليص الجسم من السموم، تحدثت إلى تيريزا هوبكوفا، وهي طبيبة وزميلة لي في «كانيون رانش»، تحدثت إلى مراسل وكالة «أسوشييتد بريس» الأميركية وقالت إنه «توجد في داخلنا جميعا سموم مخزنة في أنسجتنا. وبناء على تركيبنا الجيني، ينجو بعضنا من تداعيات ذلك، بينما لا يفلت الكثيرون.

في بعض الأحيان، تفتقر تداعيات التعرض للسموم إلى طابع محدد (صداع وإرهاق وضعف) لدرجة أن الكثيرين منا لا يشتبهون في وجود صلة بينها وبين وجود سموم في أجسامنا. وبالتالي، لا يخضعون قط لاختبارات أو علاج».

في الوقت الذي يعد فيه تناول أطعمة عضوية من الأمور المثالية، فإنك حتى إذا حرصت على تناول أطعمة عضوية ومياه نقية، يبقى جسدك عرضة لسموم بيئية، ذلك أن تلك السموم توجد في الهواء الذي نتنفسه والملابس التي نرتديها والكثير من المنتجات التي نستخدمها. وأظهرت دراسات أن السموم موجودة في الخلايا الدهنية بأجسامنا جميعا، حتى المولودين حديثا.

وتتمتع أجسامنا بالقدرة على التخلص من السموم، إلى حد ما (بصورة جيدة أو رديئة، حسب التركيب الجيني وأسلوب الحياة)، لكن إذا تعرضت إلى قدر مفرط من السموم، فإن ذلك قد ينهك الجسد وتظهر أعراض المرض». ويعني ما سبق أن السموم جزء من حقائق الحياة، لكن اتباع توجه مزدوج يقوم على تجنب التعرض للسموم والقضاء عليها أينما أمكن بمقدوره خلق ظروف مختلفة.

من ناحيتها، توصي الدكتورة هوبكوفا باتباع الاستراتيجيات التالية لدعم عملية إزالة السموم من الجسم:

1. احرص على تناول أطعمة عضوية، خاصة أنماط الطعام التي تعزز عملية التخلص من السموم، بما في ذلك الخضراوات من الفصيلة الصليبية والثوم والبصل.
ويعد النظام الغذائي الصحي المتوازن عنصرا جوهريا لضمان تخليص الجسد من السموم بكفاءة. 
وكلما خف عبء السموم على الجسد، زادت قدرته على التعامل معها عبر دفاعاته.

2. احرص على أداء تدريبات رياضية نشطة بانتظام، ذلك أن زيادة معدلات التنفس وتحرك الدورة الدموية والتعرق تدعم جميعها التخلص من السموم.

3. عليك ارتياد حمام السونا كثيرا، ذلك أن التعرق واحدة من أفضل السبل للتخلص من السموم.

طرق دخول الملوثات إلى الجسم

تصل المواد الضارة إلى الإنسان عبر ثلاث طرق رئيسة: الاستنشاق، كما في تلوث الهواء بعوادم السيارات والدخان الصناعي ودخان التبغ؛ والابتلاع، عبر الماء الملوث أو الطعام الذي يحمل بقايا مبيدات أو معادن ثقيلة؛ والامتصاص الجلدي عند ملامسة بعض المواد الكيميائية مباشرة. ويعتمد الضرر المحتمل على نوع المادة وكميتها ومدة التعرض لها وعمر الشخص وحالته الصحية.

أبرز الملوثات البيئية

المعادن الثقيلة

كالرصاص الذي ارتبط تاريخيًا بالدهانات القديمة والوقود المحتوي عليه، والزئبق الذي قد يتراكم في بعض أنواع الأسماك الكبيرة، والكادميوم الموجود في دخان السجائر وبعض الصناعات. وتشير الجهات الصحية الدولية إلى أن الأطفال أكثر حساسية لتأثير الرصاص على النمو العصبي.

تلوث الهواء

تعد الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء من أخطر الملوثات، لأنها تستطيع التوغل عميقًا في الرئتين. وتربط منظمة الصحة العالمية بين تلوث الهواء وزيادة خطر أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والسكتات الدماغية.

المبيدات والمواد الكيميائية الصناعية

تُستخدم المبيدات لحماية المحاصيل، لكن الإفراط فيها أو سوء استعمالها قد يترك بقايا في الغذاء والمياه الجوفية. كما تخضع بعض المواد الصناعية القديمة، كمركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور، لقيود دولية بسبب ثباتها في البيئة وتراكمها في السلسلة الغذائية.

المواد المؤثرة في الغدد الصماء

تُدرس مجموعة من المركبات المستعملة في بعض أنواع البلاستيك والمنتجات الاستهلاكية بسبب قدرتها المحتملة على التداخل مع عمل الهرمونات، وما تزال الأبحاث مستمرة لتحديد حجم أثرها على البشر في المستويات المعتادة للتعرض.

الفئات الأكثر عرضة

  • الأجنة والأطفال الصغار: لأن أعضاءهم في طور النمو، ولأنهم يتنفسون ويأكلون أكثر نسبة إلى وزنهم.
  • الحوامل: لاحتمال انتقال بعض المواد إلى الجنين.
  • كبار السن والمصابون بأمراض مزمنة: خصوصًا أمراض القلب والرئة.
  • العاملون في مهن معينة: كالتعدين والدهانات والزراعة وبعض الصناعات الكيميائية، ويحتاجون إلى معدات وقاية ورقابة صحية.

خطوات عملية لتقليل التعرض

  1. تهوية المنزل يوميًا وتجنب التدخين داخل البيت والسيارة.
  2. غسل الخضار والفواكه جيدًا بالماء الجاري، وتقشير بعضها عند الحاجة.
  3. تنويع مصادر الغذاء بدل الاعتماد الدائم على صنف واحد، مما يقلل تراكم ملوث بعينه.
  4. تجنب تسخين الطعام في أوعية بلاستيكية غير مخصصة للميكروويف، واستعمال الزجاج أو الخزف بدلها.
  5. الاهتمام بجودة مياه الشرب وصيانة الفلاتر المنزلية إن وجدت.
  6. اتباع تعليمات المنظفات والمبيدات المنزلية وتخزينها بعيدًا عن الأطفال.
  7. متابعة مؤشرات جودة الهواء في المدن الكبيرة، والحد من النشاط الخارجي في أيام التلوث المرتفع لمن يعانون من الربو.

التلوث داخل المنازل

قد يكون الهواء داخل البيوت أحيانًا أكثر تلوثًا من الهواء الخارجي، بسبب الطهي على مواقد غير جيدة التهوية، ودخان التبغ، والبخور المحترق بكثرة، وبعض المعطرات والمنظفات، والرطوبة التي تشجع نمو العفن. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن استخدام الوقود الصلب في الطهي داخل المنازل سيئة التهوية ما يزال مشكلة صحية في مناطق عديدة من العالم. ويمكن الحد من ذلك بتشغيل شفاط المطبخ، وفتح النوافذ، ومعالجة مصادر الرطوبة، والاعتدال في استعمال البخور والمعطرات داخل الغرف المغلقة.

دور السياسات العامة

لا يستطيع الفرد وحده حماية نفسه من كل الملوثات، لذلك تؤدي التشريعات البيئية دورًا محوريًا، مثل وضع معايير لانبعاثات المصانع والسيارات، ومراقبة بقايا المبيدات في الأغذية، ومعالجة مياه الصرف، ومنع المواد الأكثر خطورة. وقد أسهمت إجراءات دولية، كالتخلص التدريجي من البنزين المحتوي على الرصاص، في خفض التعرض لهذا المعدن في كثير من البلدان.

أسئلة شائعة

هل تنفع برامج إزالة السموم التجارية؟

يمتلك الجسم أعضاء متخصصة في التخلص من الفضلات كالكبد والكليتين، ولا توجد أدلة علمية قوية تدعم كثيرًا من منتجات التنظيف أو الحميات التجارية التي تدعي إزالة السموم، ويُنصح باستشارة الطبيب قبل تجربتها.

متى يجب مراجعة الطبيب؟

عند ظهور أعراض مستمرة كالصداع والإرهاق وضيق التنفس، أو عند الاشتباه بالتعرض لمادة معينة في العمل أو السكن، فالطبيب يحدد الفحوص المناسبة.

خلاصة

تشكل الملوثات البيئية عاملًا من عوامل الخطر الصحي إلى جانب الوراثة ونمط الحياة، وتختلف خطورتها بحسب نوعها ودرجة التعرض. والجمع بين العادات المنزلية الواعية والسياسات البيئية الفعالة يقلل الأضرار المحتملة ويحمي صحة الأجيال القادمة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !