صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الجيل الأول الذي آمن بالرسالة وحملها ونشرها في الآفاق، وقد بذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الدين حتى صاروا قدوة للأجيال المتعاقبة. ويحتل الحديث عن سيرهم مكانة كبيرة في الثقافة الإسلامية. نعرض في هذا المقال تعريفاً بالصحابة وفضلهم ومكانتهم، ثم نضيف بياناً لطبقاتهم كما ذكرها العلماء، وأبرز المصادر التي جمعت سيرهم، وكيف نستفيد من حياتهم في واقعنا المعاصر.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أخوتي وأخواتي أسمحوا لي أن آخذكم برحلة مع صحابة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، انهم رجال ونساء عظام من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حملوا معه الأمانة ... و بذلوا كل غالي و نفيس من أجل إعلاء كلمة الحق ..فما أجمل أن نتدارس سيرهم .
أولا: لابد أن نتعرف على لفظ صحابي أو معنى كلمة صحابي
تعريف الصُّحْبَة
الصحبة في اللغة الملازمة والمرافقة والمعاشرة ، يقال صحبه يصحبه صحبة ، وصحابة بالفتح وبالكسر عاشره ورافقه ولازمه ، وفي حديث قيلة خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، هذا مطلق الصحبة لغة .
الصَّاحِب المرافق ومالك الشيء و القائم على الشيء ، ويطلق على من اعتنق مذهباً أو رأياً فيقال أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي الصَّاحِبَة الزوجة ، قال تعالى ( وأنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صَاحِبَةً ولا وَلداً ).
الصَّحَابِيّ من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على الإسلام ، وجمعها صحابة ما تثبت به الصُّحْبَة ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرا وإن أسلم فيما بعد ، إن لم يجتمع به مرة أخرى بعد الإيمان كما يخرج بقيد الموت على الإيمان من ارتد عن الإسلام بعد صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم- ومات على الردة فلا يعد صحابيا وهل يشترط التمييز عند الرؤية ؟
وقال بعضهم لا يستحق اسم الصحبة , ولا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة فصاعدا ، أو غزا معه غزوة فصاعدا ، حكي هذا عن سعيد بن المسيب ، وقال ابن الصلاح هذا إن صح طريقة الأصوليين .
وقيل يشترط في صحة الصحبة طول الاجتماع والرواية عنه معا ، وقيل يشترط أحدهما ، وقيل يشترط الغزو معه ، أو مضي سنة على الاجتماع ، وقال أصحاب هذا القول لأن لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم شرفا عظيما لا ينال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب ، والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف فيها المزاج
اختلف أهل العلم فيما تثبت به الصحبة ، وفي مستحق اسم الصحبة ، قال بعضهم ( إن الصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا به ، ومات على الإسلام ) وقال ابن حجر العسقلاني ( هذا أصح ما وقفت عليه في ذلك ) فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له ، ومن قصرت ، ومن روى عنه ، ومن لم يرو عنه ، ومن غزا معه ، ومن لم يغز معه ، ومن رآه رؤية ولو من بعيد ، ومن لم يره لعارض كالعمى منهم من اشترط ذلك ومنهم من لم يشترط التمييز.
طرق إثبات الصحبة
1- منها التواتر بأنه صحابي
2 - ثم الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر
3 - ثم بأن يروى عن أحد من الصحابة أن فلانا له صحبة ، أو عن أحد التابعين بناء على قبول التزكية عن واحد
4 - ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة أنا صحابي
أما الشرط الأول وهو العدالة فجزم به الآمدي وغيره ، لأن قوله أنا صحابي ، قبل ثبوت عدالته يلزم من قبول قوله إثبات عدالته , لأن الصحابة كلهم عدول فيصير بمنزلة قول القائل أنا عدل وذلك لا يقبل
وأما الشرط الثاني وهو المعاصرة فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله -صلى الله عليه وسلم- في آخر عمره لأصحابه ( أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) وزاد مسلم من حديث جابر ( أن ذلك كان قبل موته -صلى الله عليه وسلم- بشهر )
عدالة من ثبتت صحبته
قال تعالى ( كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخْرِجَت للنّاس )
قال تعالى ( وَكَذلِك جَعَلنَاكُم أمَّةً وَسَطا لِتَكُونوا شُهَدَاء عَلى النّاسِ )
وقال تعالى ( مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ والذين مَعْهُ أشِدّاءٌ على الكُفّارِ )
وفي نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرة ،
منها حديث أبي سعيد المتفق على صحته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال ( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه )
ونقل ابن حجر عن الخطيب في " الكفاية " أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة ، والجهاد ، ونصرة الإسلام ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء ، والأبناء ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم ، والاعتقاد بنزاهتهم ، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم ) .
ثم قال ( هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتمد قوله ، وروى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق ) ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة ، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ، ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة )
اتفق اهل السننة على أن جميع الصحابة عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة وهذه الخصيصة للصحابة بأسرهم ، ولا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه ، لكونهم على الإطلاق معدلين بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم بنصوص القرآن واتفق المفسرون على أن الآية واردة في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال - صلى الله عليه وسلم - ( الله ، الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد أذاني ، ومن أذاني فقد أذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ).
قال ابن الصلاح ( ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ، ومن لابس الفتن منهم فكذلك ، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع ، إحسانا للظن بهم ، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر ، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة ، وجميع ما ذكرنا يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاجون مع تعديل الله ورسوله لهم إلى تعديل أحد من الناس .
إنكار صحبة من ثبتت صحبته بنص القرآن
( إذْ يَقُول لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنّ اللّهَ مَعَنَا )
اتفق الفقهاء على تكفير من أنكر صحبة أبي بكر -رضي الله عنه- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، لما فيه من تكذيب قوله تعالى واختلفوا في تكفير من أنكر صحبة غيره من الخلفاء الراشدين ، كعمر ، وعثمان ، وعلي - رضي الله عنهم - فنص الشافعية على أن من أنكر صحبة سائر الصحابة غير أبي بكر لا يكفر بهذا الإنكار ، وهو مفهوم مذهب المالكية ، وهو مقتضى قول الحنفية ، وقال الحنابلة يكفر لتكذيبه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأنه يعرفها العام والخاص وانعقد الإجماع على ذلك فنافي صحبة أحدهم أو كلهم مكذب للنبي - صلى الله عليه وسلم-
سب الصحابة
من سب الصحابة أو واحدا منهم ، فإن نسب إليهم ما لا يقدح في عدالتهم أو في دينهم بأن يصف بعضهم ببخل أو جبن أو قلة علم أو عدم الزهد ونحو ذلك ، فلا يكفر باتفاق الفقهاء ، ولكنه يستحق التأديب أما إن رماهم بما يقدح في دينهم أو عدالتهم كقذفهم فقد اتفق الفقهاء على تكفير من قذف الصديقة بنت الصديق عائشة -رضي الله عنهما- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بما برأها الله منه ، لأنه مكذب لنص القرآن أما بقية الصحابة فقد اختلفوا في تكفير من سبهم ، فقال الجمهورلا يكفر بسب أحد الصحابة ، ولو عائشة بغير ما برأها الله منه ويكفر بتكفير جميع الصحابة.
كما أن القول بأن الصحابة ارتدوا جميعا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أنهم فسقوا ، لأن ذلك تكذيب لما نص عليه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم ، والثناء عليهم ، وأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فسقة ، وأن هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت ، وخيرها القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ، ومضمون هذا أن هذه الأمة شر الأمم ، وأن سابقيها هم أشرارها ، وكفر من يقول هذا مما علم من الدين بالضرورة وجاء في فتاوى قاضي خان يجب إكفار من كفر عثمان ، أو عليا ، أو طلحة ، أو عائشة ، وكذا من يسب الشيخين أو يلعنهما
تفاوت الصحابة في الفضل والسبق، وقد قسمهم العلماء إلى طبقات بحسب أسبقيتهم إلى الإسلام ومشاهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وهم الذين أسلموا في المرحلة الأولى من الدعوة في مكة، وتحملوا الأذى والاضطهاد، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الأربعة وبقية العشرة المبشرين بالجنة.
المهاجرون هم الذين تركوا ديارهم وأموالهم في مكة وهاجروا إلى المدينة، والأنصار هم أهل المدينة الذين استقبلوهم وآووهم وقاسموهم ما يملكون، فضربوا أروع الأمثلة في الإيثار والأخوة.
يذكر العلماء لمن شهد غزوة بدر ولمن بايع تحت الشجرة في الحديبية فضلاً خاصاً، لما ورد في شأنهم من نصوص.
اعتنى العلماء بتدوين أخبار الصحابة وتراجمهم، وألّفوا في ذلك كتباً كثيرة أصبحت مراجع أساسية، ومن أشهرها:
كما تحتوي كتب الحديث والسيرة والتاريخ على أخبار كثيرة عنهم، ويحرص العلماء على التمييز بين الروايات الصحيحة والضعيفة.
عرّفه كثير من العلماء بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام.
هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم.
جيل الأصحاب الكرام هو الجيل الذي حمل الرسالة الأولى بصدق وتضحية، ومعرفة طبقاتهم ومصادر سيرهم والاقتداء بأخلاقهم تمنح المسلم نماذج حية للإيمان والعمل والأخوة الصادقة.