مع قدوم شهر رمضان يحرص كثير من المصابين بارتفاع ضغط الدم على أداء فريضة الصيام، ويتساءلون عن الطريقة الآمنة لذلك، وعن الأطعمة والعادات التي تساعدهم على الحفاظ على استقرار قراءاتهم. ولهذا تكتسب نصائح لمرضى الضغط في رمضان أهمية كبيرة، لأنها تجمع بين الحرص على العبادة والحرص على الصحة.
يقدم هذا المقال إرشادات عامة حول الصيام مع هذا المرض المزمن، ثم يشرح طبيعة المرض وعوامل خطورته، وكيفية تنظيم الوجبات والسوائل والنشاط البدني، والعلامات التي تستدعي الإفطار ومراجعة الطبيب، مع التأكيد على أن الطبيب المعالج هو المرجع الأول في كل حالة.
إرشادات عامة للصائم المصاب بالضغط
ما هو ارتفاع ضغط الدم؟
ضغط الدم هو القوة التي يدفع بها الدم جدران الشرايين أثناء انتقاله من القلب إلى أنحاء الجسم، ويُقاس برقمين: الرقم الأعلى يمثل الضغط الانقباضي عند انقباض القلب، والرقم الأدنى يمثل الضغط الانبساطي عند ارتخائه بين النبضات. ويُعد الضغط مرتفعًا عندما تبقى القراءات أعلى من الحدود الطبيعية التي تحددها الهيئات الطبية بصورة متكررة، لا عند ارتفاع عابر واحد.
يوصف هذا المرض أحيانًا بالقاتل الصامت، لأن كثيرًا من المصابين به لا يشعرون بأعراض واضحة لفترات طويلة، في حين قد يؤدي إهماله إلى مضاعفات في القلب والدماغ والكلى والعينين. ولهذا يُنصح البالغون بقياس الضغط دوريًا حتى لو شعروا بأنهم في صحة جيدة.
أنواع ارتفاع ضغط الدم
- الارتفاع الأولي أو الأساسي: وهو الأكثر شيوعًا، ولا يُعرف له سبب واحد محدد، بل يتطور تدريجيًا بتأثير عوامل وراثية وبيئية ونمط الحياة.
- الارتفاع الثانوي: وينتج عن حالة مرضية أخرى، مثل بعض أمراض الكلى أو الغدد، أو عن بعض الأدوية، وغالبًا ما يتحسن بعلاج السبب.
عوامل تزيد خطر الإصابة
من أبرز العوامل التي يذكرها الأطباء: التقدم في العمر، والتاريخ العائلي للمرض، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، والإفراط في تناول الملح، والتدخين، والتوتر المزمن، وقلة النوم، إضافة إلى بعض الأمراض المصاحبة كالسكري.
هل يستطيع مريض الضغط الصيام؟
يرى كثير من الأطباء أن أغلب المصابين بارتفاع ضغط الدم المستقر والمنضبط بالعلاج يمكنهم الصيام بأمان بعد التشاور مع الطبيب، بينما قد لا يُنصح بالصيام لمن يعانون من ارتفاع شديد غير منضبط، أو من مضاعفات في القلب أو الكلى، أو لمن يحتاجون إلى جرعات دوائية متعددة على مدار اليوم يصعب تعديلها. والقرار في النهاية يعود إلى الطبيب المعالج بحسب الحالة الفردية.
ومن الناحية الشرعية فإن الشريعة الإسلامية قائمة على التيسير ورفع الحرج، وقد أباحت للمريض الذي يضره الصيام أن يفطر، وتفاصيل الأحكام المتعلقة بالقضاء والفدية يُرجع فيها إلى أهل العلم المختصين.
زيارة الطبيب قبل رمضان
يُستحسن أن يزور المريض طبيبه قبل بداية الشهر بأسابيع، لتقييم حالته، ومراجعة الأدوية، وتحديد مواعيد تناولها بين الإفطار والسحور. فبعض الأدوية تؤخذ مرة واحدة يوميًا ويسهل نقلها إلى وقت الإفطار، وبعضها يحتاج إلى تعديل أو استبدال يقرره الطبيب وحده. ولا يجوز للمريض أن يغيّر أدويته أو يوقفها من تلقاء نفسه.
التغذية الصحية بين الإفطار والسحور
يمثل الطعام عاملًا أساسيًا في التحكم بالضغط، ويمكن أن يكون رمضان فرصة لتعديل العادات الغذائية بدلًا من أن يكون موسمًا للإفراط.
وجبة الإفطار
- البدء بكمية معتدلة من الماء وحبات من التمر، ثم أخذ استراحة قصيرة قبل الوجبة الرئيسية.
- تناول الشوربات الخفيفة المحضرة في المنزل بأقل كمية من الملح.
- الإكثار من الخضراوات الطازجة والمطبوخة لاحتوائها على البوتاسيوم والألياف.
- اختيار البروتينات قليلة الدهون مثل الدجاج منزوع الجلد والسمك والبقوليات.
- الحد من الأطعمة المقلية والحلويات الرمضانية الدسمة.
وجبة السحور
يُنصح بتأخير السحور وجعله متوازنًا، يحتوي على نشويات معقدة كالخبز الأسمر والشوفان، ومصدر بروتين كاللبن قليل الدسم أو البيض، مع الخضراوات والفواكه. وينبغي تجنب الأطعمة المالحة في السحور مثل المخللات والأجبان شديدة الملوحة والزيتون المملح، لأنها تزيد العطش خلال النهار وقد تؤثر في الضغط.
نظام داش الغذائي
يوصي كثير من المختصين بالاسترشاد بنظام غذائي معروف باسم داش، وهو نظام صُمم أصلًا للمساعدة في خفض ضغط الدم، ويقوم على الإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان قليلة الدسم، والتقليل من الملح والدهون المشبعة والسكريات المضافة. ويمكن تطبيق مبادئه بسهولة على المائدة الرمضانية.
الملح الخفي في الأطعمة الرمضانية
لا يقتصر مصدر الصوديوم على الملح الذي نضيفه بأيدينا، فجزء كبير منه يأتي من الأطعمة المصنعة والجاهزة، مثل مكعبات المرق والصلصات الجاهزة والشوربات المعلبة واللحوم المصنعة والمعجنات والمقرمشات. ولذلك يُنصح بقراءة البطاقة الغذائية على المنتجات، واختيار البدائل قليلة الصوديوم، والاعتماد على الأعشاب والتوابل والليمون والثوم لإضفاء النكهة على الطعام بدلًا من الملح. ومع الوقت تعتاد حاسة التذوق على الطعم الأقل ملوحة.
التدخين والتوتر وأثرهما في الضغط
يمثل رمضان فرصة ذهبية للمدخنين للإقلاع عن هذه العادة، لأنهم يمتنعون عنها ساعات طويلة يوميًا. ومن المعروف طبيًا أن التدخين يرفع ضغط الدم ونبض القلب مؤقتًا، ويضر بالأوعية الدموية على المدى البعيد، لذا فإن استغلال الشهر للتوقف التدريجي أو الكامل خطوة مهمة يمكن الاستعانة فيها ببرامج الإقلاع والطبيب.
كذلك يرتبط التوتر المستمر بارتفاع الضغط لدى بعض الأشخاص، والأجواء الروحانية في رمضان من صلاة وذكر وتواصل أسري تساعد كثيرين على الشعور بالسكينة. ومن المفيد تجنب الانفعال والغضب أثناء الصيام، وتنظيم الوقت لتقليل ضغوط العمل والتسوق في الساعات الأخيرة قبل المغرب. ويؤدي دعم الأسرة دورًا مهمًا، من خلال إعداد وجبات صحية مشتركة وتشجيع المريض على الالتزام.
السوائل والمنبهات
شرب كمية كافية من الماء موزعة بين الإفطار والسحور يقي من الجفاف، وهو أمر مهم خاصة لمن يتناولون أدوية مدرة للبول. ويُفضل شرب الماء على دفعات بدلًا من كمية كبيرة دفعة واحدة. أما المشروبات الغنية بالكافيين كالقهوة والشاي الثقيل ومشروبات الطاقة فيُنصح بالاعتدال فيها، لأنها قد ترفع الضغط مؤقتًا لدى بعض الأشخاص. كما يُستحسن تقليل العصائر الرمضانية المحلاة بالسكر.
النشاط البدني والنوم
الحركة المنتظمة من أهم وسائل التحكم بالضغط، ويمكن للمريض في رمضان ممارسة المشي الخفيف بعد الإفطار بساعة أو ساعتين، بعد استشارة طبيبه حول نوع النشاط المناسب له. كما أن صلاة التراويح نفسها نوع من الحركة اللطيفة. ويجب تجنب المجهود الشاق أثناء ساعات الصيام، خاصة في الأجواء الحارة.
ويؤثر اضطراب النوم في ضغط الدم، لذلك يُنصح بتنظيم مواعيد النوم قدر الإمكان، وتعويض النقص بقيلولة قصيرة، والابتعاد عن السهر الطويل أمام الشاشات.
علامات تستدعي الإفطار ومراجعة الطبيب
ينبغي للمريض أن يقطع صيامه ويطلب المساعدة الطبية إذا شعر بأعراض مثل الصداع الشديد المفاجئ، أو الدوخة الشديدة أو الإغماء، أو ألم الصدر، أو ضيق التنفس، أو اضطراب الرؤية، أو ضعف أو تنميل في أحد جانبي الجسم، أو صعوبة في الكلام. كما يُستحسن أن يمتلك جهازًا منزليًا لقياس الضغط ويسجل قراءاته ليعرضها على الطبيب.
أسئلة شائعة
هل قياس الضغط يفطر الصائم؟
قياس الضغط بالجهاز الذي يوضع على الذراع لا يُدخل شيئًا إلى الجوف، ويذكر أهل العلم عمومًا أنه لا يؤثر في الصيام.
هل الصيام يخفض الضغط؟
تشير بعض الدراسات إلى أن الصيام مع نظام غذائي صحي قد يرتبط بتحسن في بعض المؤشرات الصحية، لكن النتائج تختلف من شخص لآخر، ولا يغني ذلك عن المتابعة الطبية والعلاج الموصوف.
ماذا أفعل إذا نسيت جرعة الدواء عند الإفطار؟
يختلف التصرف بحسب نوع الدواء، والأفضل سؤال الطبيب أو الصيدلي مسبقًا عن الطريقة الصحيحة للتعامل مع الجرعات الفائتة.
خلاصة
يستطيع كثير من المصابين بارتفاع ضغط الدم صيام رمضان بأمان إذا التزموا بالتشاور مع الطبيب، وتنظيم الأدوية، والتقليل من الملح والدهون، وشرب كمية كافية من السوائل، والحفاظ على نشاط معتدل ونوم منتظم. ومع مراقبة القراءات والانتباه للأعراض المقلقة، يمكن أن يصبح هذا الشهر فرصة لبناء عادات صحية تستمر بعده.
.png)
