دمعات على فراق شهر رمضان

يودّع المسلمون في كل عام موسماً عظيماً من مواسم الطاعة، فتمتزج في نفوسهم مشاعر الفرح بالعيد ومشاعر الحزن على انقضاء أيام الصيام والقيام. ويحمل هذا المقال عنوان دمعات على فراق شهر رمضان، وهو خاطرة وعظية تعبر عن الأسى لرحيل الشهر الكريم، وقد أضفنا إليها حديثاً عن سبب تعلق القلوب بهذا الشهر، وعن الأعمال المشروعة في ختامه، وعن الوسائل العملية التي تساعد المسلم على الثبات والاستمرار في الخير بعده.

خاطرة في وداع الشهر الكريم


دمعات على فراق شهر رمضان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد:
قبل أيام معدودات نزلت منا الدمعات فرحاً بدخول شهر الرحمات، وابتهاجاً ، بحلول موسم الطاعات، واليوم وما أدراك ما اليوم؟
اليوم تتقرح الأكباد على فراق شهرنا الكريم، اليوم تدمع العيون، إنها ليست دمعات الفرح بمقدم رمضان؛ لكنها دمعات الأسف الشديد، دمعات الأسى والحزن على فراق شهر رمضان الذي قال عنه الله - عز وجل -: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.. الآية} ، فما كان أحلاها من أيام، وأحلاها من ليالٍ، وأجملها من لحظات، إنها تستحق البكاء والنحيب، ولا ينظر إلى لوم اللوام في ذلك.

يا لائمي في البـكا زدنـي به كلفاً                   واسمع غريب أحاديـث وأشـعار
ما كـان أحسننا والشـمل مجتمـع                 منا المصلـي ومنا القـانت القاري
وفي التـراويح للـراحات جامعـة                   فيها المصـابيح تزهو مثل أزهـار
شـهرٌ به يُعتـق الله العصـاة وقـد                 أشفوا على جُرف من حـصة النار
فابكوا على ما مضى في الشهر واغتنموا         مـا قد بقي فهو حقٌ عنكم جاري

ذهبت ساعات رمضان بما فيها، ذهبت بالصلاة والخشوع، ذهبت بالبكاء والأنين، ذهبت بالاستغفار والتهليل والتسبيح، ذهبت لتشهد للمخبتين عند رب العالمين، ذهبت لتسطر في التاريخ صور الإبداع والجمال التي نقشها الصالحون، ذهبت لتعلن نتيجة السباق التي استمرت شهراً كاملاً، وكان فيه من التنافس والمسارعة ما يبعث الأمل في القلب أن الأمة لا زالت بخير.

ويبقى أمر مهمٌ حتى تتأكد معالم الخير في الأمة نقول لمن أجهدوا الأجساد في هذا الشهر؛ لترتاح الأرواح: أتبع الحسنة الحسنة، واختم عملك بالاستغفار فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره، وبعد سنوات من الجهاد، وزمن من الكفاح والسعي في الله - عز وجل -، والاجتهاد في الطاعات؛ يقول له الرب - جل في علاه - {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}، فيكثر المسلم من الاستغفار بعد كل طاعة؛ علَّ ذلك أن يسد ما فيها من خلل، ويكمل ما فيها من نقص.

وليس ذلك فقط، بل لا بد أن يكثر أهل الطاعات - بعد الفراغ منها - من الدعاء بأن يتقبل الله - عز وجل - الأعمال {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ  إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، وقد جاء أن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة: ((هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات))، وهذا نبي الله إبراهيم - عليه السلام - بعد إكماله لبناء بيت الله العتيق هو وابنه إسماعيل - عليه السلام - يلهج بالدعاء أن يتقبل الله منهما ما قدما {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

نقول هذا الكلام لمن قطع رمضان وهو في صلاة وصيام، وذكر ودعاء، ورجاء وبكاء، فما عسانا أن نقول لمن فرط في هذا الموسم العظيم؟ ما عسانا أن نقول لمن لم يذق لذة العبادة؟ ولم يعرف لرمضان قدره، فأذهب أيامه ولياليه بالبعد عن الله، واقتراف المعاصي والمنكرات، واقتحام الآثام والسيئات.

فهنيئاً لمن كان من أهل رمضان، وتعساً لمن كان من أعداء رمضان، هنيئاً لمن خرج من هذا الشهر الكريم بالعتق من النار، والفوز بتقوى الملك الجبار، وتعساً لمن فارق هذا الشهر ولم يحصل على ما يتزود به إذا كان يوم الحشر.

تـزود بالذي لا بد مـنـه                 فإن اليوم ميقات العباد
وتب مما جنيت وأنـت حي                 وكن متنبهاً قبل الرقاد
أترضى أن تكون رفيـق قوم                 لهم زاد وأنت بغير زاد

اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وتقبل ما عملنا في هذا الشهر الكريم من خير، واغفر لنا ما كان في شهرنا هذا من تقصير وشر، اللهم هب المسيئين منا للمحسنين، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة؛ وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لماذا تحزن القلوب على رحيل رمضان؟

يرتبط هذا الشهر في وجدان المسلمين بأجواء روحية فريدة، فالمساجد تمتلئ بالمصلين، وصلاة التراويح تجمع الناس كل ليلة، وتلاوة القرآن تكثر في البيوت، وتتسع دائرة الصدقة وإطعام الصائمين. وتجتمع الأسر على مائدتي الإفطار والسحور، فيشعر الفرد بأنه جزء من جماعة كبيرة تسير في اتجاه واحد.

ولذلك يشعر كثيرون عند انقضائه بفراغ روحي، ويخشون أن تعود النفس إلى ما كانت عليه من غفلة. وقد ذكر العلماء أن السلف كانوا يجتهدون في العمل، ثم يحملون همّ القبول بعد الفراغ منه، وهذا المعنى هو ما تدور حوله الخاطرة المنشورة أعلاه.

أعمال مشروعة في ختام الشهر

زكاة الفطر

شرع الإسلام زكاة الفطر طهرة للصائم مما قد يقع فيه من لغو، وإعانة للفقراء حتى يفرحوا بالعيد كغيرهم. ويبين الفقهاء أحكامها التفصيلية من حيث مقدارها ووقت إخراجها ومن تجب عليه، ويحسن بالمسلم أن يسأل أهل العلم في بلده عن التفاصيل المعتمدة لديهم.

التكبير وإظهار الفرح بالعيد

من السنن المعروفة التكبير ليلة العيد وصباحه، والاغتسال ولبس أحسن الثياب، وأداء صلاة العيد مع جماعة المسلمين، وصلة الأرحام وتبادل التهاني. فالعيد في الإسلام فرح مشروع بإتمام العبادة، وليس مناسبة للغفلة.

الاستغفار وسؤال القبول

يحرص المؤمن على ختم عمله بالاستغفار، اعترافاً بالتقصير، ورجاءً أن يتقبل الله منه ما قدّم، كما كان الأنبياء والصالحون يفعلون بعد أداء الطاعات.

كيف يحافظ المسلم على ثمرات رمضان؟

يرى كثير من العلماء أن من علامات قبول الطاعة أن يُوفَّق العبد إلى طاعة بعدها، وأن تبقى آثار العبادة ظاهرة في سلوكه. ومن الوسائل المعينة على ذلك:

  • صيام الست من شوال: وقد ورد في فضلها حديث مشهور في صحيح مسلم، ومعناه أن من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كمن صام الدهر.
  • المداومة على قيام الليل: ولو بركعات قليلة، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، كما هو مشهور في السنة.
  • ورد يومي من القرآن: يحدده المسلم بحسب طاقته حتى لا يهجر المصحف بعد أن أنس به.
  • الاستمرار في الصدقة: ولو بمبلغ يسير منتظم.
  • صيام النوافل: كصيام الاثنين والخميس والأيام البيض لمن استطاع.
  • الحفاظ على الصحبة الصالحة: التي تذكّر بالخير وتعين عليه.

تجنب الانقطاع المفاجئ عن الطاعات

يلاحظ كثير من الوعاظ أن بعض الناس يجتهدون اجتهاداً كبيراً في الشهر الكريم ثم ينقطعون تماماً بعد العيد، فتخلو المساجد من كثير ممن كانوا يملؤونها، ويهجر بعضهم المصحف حتى يعود الموسم من جديد. ويعالج العلماء هذه الظاهرة بالتذكير بأن العبادة ليست موسمية، وأن المقصود من الصيام تحقيق التقوى التي تبقى أثراً دائماً في القلب والسلوك. ومن المفيد أن يراجع المسلم نفسه بعد أسابيع من انتهاء الشهر: هل بقي محافظاً على الصلاة في وقتها؟ هل بقي لسانه أنظف؟ هل استمر في صلة رحمه؟ فهذه المراجعة الدورية تعين على تصحيح المسار قبل أن يطول البعد.

رمضان مدرسة للأخلاق

ليس الصيام امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل تدريب على ضبط النفس والصبر وترك الغضب والكلام الفاحش. فمن خرج من الشهر وقد تعلم كظم غيظه، والإحسان إلى جيرانه، والإكثار من الذكر، فقد ظفر بأعظم ثمراته.

التدرج وعدم التكلف

من الحكمة ألا يكلف الإنسان نفسه بعد رمضان ما لا تطيق، فيختار من الأعمال ما يستطيع الاستمرار عليه، لأن العمل القليل الدائم أنفع من الكثير المنقطع.

أسئلة شائعة

هل يجوز الحزن على انتهاء الشهر مع الفرح بالعيد؟

لا تعارض بين الأمرين، فالفرح بالعيد شكر على إتمام العبادة، والحزن على انقضاء الموسم دليل على محبة الطاعة، وكلاهما شعور محمود إذا لم يخرج عن حده.

هل يشترط صيام الست من شوال متتابعة؟

ذكر كثير من الفقهاء أنه يجوز صيامها متتابعة أو متفرقة خلال الشهر، والأفضل الرجوع إلى أهل العلم في المسائل التفصيلية.

ما علامات قبول العمل؟

لا يعلم القبول يقيناً إلا الله، لكن العلماء ذكروا من العلامات المرجوة الاستمرار على الخير، وتحسن الأخلاق، وكراهية العودة إلى المعصية. ويبقى على المسلم أن يجمع بين الرجاء والخوف، فلا يغتر بعمله ولا ييأس من رحمة ربه.

خلاصة

وداع رمضان لحظة مؤثرة يجتمع فيها الفرح والأسى، لكنها ليست نهاية الطريق، فرب الشهور واحد، وأبواب الخير مفتوحة طوال العام. ومن أحسن ما يفعله المسلم أن يحمل معه من رمضان عادة صالحة يداوم عليها، وأن يكثر من الاستغفار وسؤال القبول، وأن يستعد للمواسم القادمة بقلب حي.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !