يودّع المسلمون في كل عام موسماً عظيماً من مواسم الطاعة، فتمتزج في نفوسهم مشاعر الفرح بالعيد ومشاعر الحزن على انقضاء أيام الصيام والقيام. ويحمل هذا المقال عنوان دمعات على فراق شهر رمضان، وهو خاطرة وعظية تعبر عن الأسى لرحيل الشهر الكريم، وقد أضفنا إليها حديثاً عن سبب تعلق القلوب بهذا الشهر، وعن الأعمال المشروعة في ختامه، وعن الوسائل العملية التي تساعد المسلم على الثبات والاستمرار في الخير بعده.
خاطرة في وداع الشهر الكريم
لماذا تحزن القلوب على رحيل رمضان؟
يرتبط هذا الشهر في وجدان المسلمين بأجواء روحية فريدة، فالمساجد تمتلئ بالمصلين، وصلاة التراويح تجمع الناس كل ليلة، وتلاوة القرآن تكثر في البيوت، وتتسع دائرة الصدقة وإطعام الصائمين. وتجتمع الأسر على مائدتي الإفطار والسحور، فيشعر الفرد بأنه جزء من جماعة كبيرة تسير في اتجاه واحد.
ولذلك يشعر كثيرون عند انقضائه بفراغ روحي، ويخشون أن تعود النفس إلى ما كانت عليه من غفلة. وقد ذكر العلماء أن السلف كانوا يجتهدون في العمل، ثم يحملون همّ القبول بعد الفراغ منه، وهذا المعنى هو ما تدور حوله الخاطرة المنشورة أعلاه.
أعمال مشروعة في ختام الشهر
زكاة الفطر
شرع الإسلام زكاة الفطر طهرة للصائم مما قد يقع فيه من لغو، وإعانة للفقراء حتى يفرحوا بالعيد كغيرهم. ويبين الفقهاء أحكامها التفصيلية من حيث مقدارها ووقت إخراجها ومن تجب عليه، ويحسن بالمسلم أن يسأل أهل العلم في بلده عن التفاصيل المعتمدة لديهم.
التكبير وإظهار الفرح بالعيد
من السنن المعروفة التكبير ليلة العيد وصباحه، والاغتسال ولبس أحسن الثياب، وأداء صلاة العيد مع جماعة المسلمين، وصلة الأرحام وتبادل التهاني. فالعيد في الإسلام فرح مشروع بإتمام العبادة، وليس مناسبة للغفلة.
الاستغفار وسؤال القبول
يحرص المؤمن على ختم عمله بالاستغفار، اعترافاً بالتقصير، ورجاءً أن يتقبل الله منه ما قدّم، كما كان الأنبياء والصالحون يفعلون بعد أداء الطاعات.
كيف يحافظ المسلم على ثمرات رمضان؟
يرى كثير من العلماء أن من علامات قبول الطاعة أن يُوفَّق العبد إلى طاعة بعدها، وأن تبقى آثار العبادة ظاهرة في سلوكه. ومن الوسائل المعينة على ذلك:
- صيام الست من شوال: وقد ورد في فضلها حديث مشهور في صحيح مسلم، ومعناه أن من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كمن صام الدهر.
- المداومة على قيام الليل: ولو بركعات قليلة، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، كما هو مشهور في السنة.
- ورد يومي من القرآن: يحدده المسلم بحسب طاقته حتى لا يهجر المصحف بعد أن أنس به.
- الاستمرار في الصدقة: ولو بمبلغ يسير منتظم.
- صيام النوافل: كصيام الاثنين والخميس والأيام البيض لمن استطاع.
- الحفاظ على الصحبة الصالحة: التي تذكّر بالخير وتعين عليه.
تجنب الانقطاع المفاجئ عن الطاعات
يلاحظ كثير من الوعاظ أن بعض الناس يجتهدون اجتهاداً كبيراً في الشهر الكريم ثم ينقطعون تماماً بعد العيد، فتخلو المساجد من كثير ممن كانوا يملؤونها، ويهجر بعضهم المصحف حتى يعود الموسم من جديد. ويعالج العلماء هذه الظاهرة بالتذكير بأن العبادة ليست موسمية، وأن المقصود من الصيام تحقيق التقوى التي تبقى أثراً دائماً في القلب والسلوك. ومن المفيد أن يراجع المسلم نفسه بعد أسابيع من انتهاء الشهر: هل بقي محافظاً على الصلاة في وقتها؟ هل بقي لسانه أنظف؟ هل استمر في صلة رحمه؟ فهذه المراجعة الدورية تعين على تصحيح المسار قبل أن يطول البعد.
رمضان مدرسة للأخلاق
ليس الصيام امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل تدريب على ضبط النفس والصبر وترك الغضب والكلام الفاحش. فمن خرج من الشهر وقد تعلم كظم غيظه، والإحسان إلى جيرانه، والإكثار من الذكر، فقد ظفر بأعظم ثمراته.
التدرج وعدم التكلف
من الحكمة ألا يكلف الإنسان نفسه بعد رمضان ما لا تطيق، فيختار من الأعمال ما يستطيع الاستمرار عليه، لأن العمل القليل الدائم أنفع من الكثير المنقطع.
أسئلة شائعة
هل يجوز الحزن على انتهاء الشهر مع الفرح بالعيد؟
لا تعارض بين الأمرين، فالفرح بالعيد شكر على إتمام العبادة، والحزن على انقضاء الموسم دليل على محبة الطاعة، وكلاهما شعور محمود إذا لم يخرج عن حده.
هل يشترط صيام الست من شوال متتابعة؟
ذكر كثير من الفقهاء أنه يجوز صيامها متتابعة أو متفرقة خلال الشهر، والأفضل الرجوع إلى أهل العلم في المسائل التفصيلية.
ما علامات قبول العمل؟
لا يعلم القبول يقيناً إلا الله، لكن العلماء ذكروا من العلامات المرجوة الاستمرار على الخير، وتحسن الأخلاق، وكراهية العودة إلى المعصية. ويبقى على المسلم أن يجمع بين الرجاء والخوف، فلا يغتر بعمله ولا ييأس من رحمة ربه.
خلاصة
وداع رمضان لحظة مؤثرة يجتمع فيها الفرح والأسى، لكنها ليست نهاية الطريق، فرب الشهور واحد، وأبواب الخير مفتوحة طوال العام. ومن أحسن ما يفعله المسلم أن يحمل معه من رمضان عادة صالحة يداوم عليها، وأن يكثر من الاستغفار وسؤال القبول، وأن يستعد للمواسم القادمة بقلب حي.
.png)
