تعد تجربة جانتسفيلد (Ganzfeld) من أشهر الإجراءات التي ارتبطت بأبحاث علم النفس الموازي ودراسة ما يسمى التخاطر، كما أنها في الأصل أسلوب علمي لدراسة الإدراك البصري عند حرمان العين من أي تفاصيل. يعرض الموضوع الأصلي فكرة غرف جانتسفيلد وطريقة عزل الشخص فيها، وفي هذا المقال نتوسع في معنى المصطلح وأصله، ونشرح الظاهرة الإدراكية المعروفة بتأثير جانتسفيلد، ونستعرض تاريخ استخدامه في تجارب التخاطر، والجدل العلمي الطويل حول نتائجها، مع إجابات عن الأسئلة الأكثر شيوعاً.
كيف تُجرى تجربة غرف جانتسفيلد
معنى المصطلح وأصله
كلمة Ganzfeld ألمانية الأصل، وتعني حرفياً المجال الكامل أو المجال الشامل، ويقصد بها مجال بصري متجانس تماماً لا يحتوي على حدود أو أشكال أو تباين يمكن للعين أن تتعلق به. وقد استخدم علماء النفس الإدراكي هذا المفهوم في النصف الأول من القرن العشرين لدراسة ما يحدث للإدراك حين يتعرض الإنسان لمنبه بصري موحد لا يتغير، ويُنسب إلى عالم النفس الألماني فولفغانغ ميتسغر إسهام مبكر في دراسة هذه الظاهرة ضمن أبحاث مدرسة الجشطالت.
وفي العربية يُكتب الاسم بصيغ مختلفة مثل جانتسفيلد وجانزفيلد وغانزفيلد، وكلها نقل صوتي للمصطلح الألماني نفسه.
تأثير جانتسفيلد في علم الإدراك
عندما تُحرم العين من أي تفاصيل لفترة من الزمن، ويُغطى السمع بضجيج ثابت متجانس، يبدأ الدماغ في التعامل مع هذا الفراغ الحسي بطرق لافتة. فقد لاحظ الباحثون أن كثيراً من المشاركين يفيدون بأن المجال البصري يصبح باهتاً أو رمادياً، وقد يشعر بعضهم بأنهم فقدوا الإحساس بالرؤية مؤقتاً، بينما يرى آخرون أشكالاً أو صوراً أو ألواناً لا وجود لها في الواقع.
لماذا يحدث ذلك؟
يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجهاز العصبي مصمم للاستجابة للتغيير والتباين، فإذا ثبت المنبه وتجانس قلت استجابة الخلايا الحسية تدريجياً، وهو ما يسمى التكيف الحسي. وفي غياب المعلومات الواردة من الخارج يميل الدماغ إلى ملء الفراغ بنشاط داخلي، فتظهر صور ذهنية تشبه ما يراه الإنسان بين اليقظة والنوم. ولهذا يستعمل بعض الباحثين هذا الإجراء لدراسة الهلوسات البصرية البسيطة والحالات المتغيرة من الوعي.
طريقة تجربته بشكل مبسط
يجرب بعض الهواة هذه الظاهرة في المنزل بوضع نصفي كرة تنس الطاولة على العينين، والجلوس في ضوء خافت متجانس، مع الاستماع إلى ضجيج أبيض عبر سماعات. ورغم أن ذلك يعد آمناً بوجه عام لمعظم الناس، فإن الأشخاص الذين يعانون من نوبات الصرع الحساسة للضوء أو من اضطرابات نفسية ينبغي لهم تجنبه أو استشارة الطبيب.
جانتسفيلد وأبحاث التخاطر
في سبعينيات القرن العشرين بدأ عدد من الباحثين في علم النفس الموازي، ومن أبرزهم تشارلز هونورتون، باستخدام هذا الإجراء في تجارب التخاطر. وكانت الفكرة أن الإشارات التخاطرية المفترضة قد تكون ضعيفة، فتغطيها الضوضاء الحسية المعتادة، فإذا عُزل المتلقي عن المنبهات الخارجية أصبح أكثر قدرة على التقاطها إن وجدت.
البروتوكول المعتاد للتجربة
- يوضع المتلقي في حالة جانتسفيلد بعزل بصري وسمعي متجانس.
- يجلس شخص آخر يسمى المرسل في غرفة منفصلة، ويركز على صورة أو مقطع مصور اختير عشوائياً.
- يصف المتلقي بصوت مسموع ما يخطر في ذهنه من صور وأفكار، ويُسجل وصفه.
- في نهاية الجلسة تُعرض على المتلقي أربعة خيارات، أحدها الهدف الحقيقي، ويطلب منه اختيار الأقرب إلى ما شعر به.
- تُقارن النتائج بنسبة الإصابة المتوقعة بالصدفة، وهي خمسة وعشرون بالمئة في حالة أربعة خيارات.
الجدل العلمي حول النتائج
أثارت تجارب جانتسفيلد للتخاطر نقاشاً علمياً طويلاً. فقد أفاد بعض الباحثين المؤيدين بأن نسب الإصابة في عدد من الدراسات كانت أعلى قليلاً من نسبة الصدفة، ورأوا في ذلك مؤشراً يستحق المتابعة. في المقابل وجه المشككون، ومنهم عالم النفس راي هايمان، انتقادات منهجية لهذه الدراسات، تتعلق باحتمال تسرب معلومات حسية عن الهدف، وطريقة اختيار الأهداف عشوائياً، والتحليل الإحصائي، وانتقاء الدراسات المنشورة.
وأدى هذا النقاش إلى تشديد الضوابط في التجارب اللاحقة، فاستُخدمت أنظمة آلية لاختيار الأهداف وعرضها، وعُزلت الغرف بشكل أفضل. ومع ذلك جاءت نتائج التحليلات الإحصائية المجمعة متباينة، فبعضها وجد أثراً صغيراً وبعضها لم يجد أثراً واضحاً، كما واجهت محاولات تكرار النتائج صعوبات. ولهذا لا يعترف المجتمع العلمي السائد بوجود التخاطر بوصفه ظاهرة مثبتة، ويعد تجارب جانتسفيلد مثالاً مهماً على أهمية الضبط المنهجي وقابلية التكرار في البحث العلمي.
دروس منهجية مستفادة
- العمى المزدوج: ضرورة ألا يعرف المتلقي ولا من يقيّم النتائج الهدف الصحيح.
- العشوائية الحقيقية: اختيار الأهداف بطريقة لا يمكن توقعها.
- التسجيل المسبق: تحديد طريقة التحليل قبل جمع البيانات لتجنب الانتقاء.
- التكرار المستقل: لا تُقبل النتيجة إلا إذا تكررت لدى فرق بحثية مختلفة.
الحرمان الحسي وعلاقته بتجارب جانتسفيلد
كثيراً ما يخلط الناس بين حالة جانتسفيلد وبين الحرمان الحسي الكامل، والفرق بينهما مهم. ففي جانتسفيلد لا يُحرم المشارك من المنبهات تماماً، بل يتعرض لمنبه موحد ثابت، مثل ضوء أحمر متجانس وضجيج أبيض متواصل، بحيث لا يجد الدماغ فيه تفاصيل يتعلق بها. أما الحرمان الحسي فيسعى إلى تقليل المنبهات إلى أدنى حد ممكن، كما في أحواض الطفو المظلمة العازلة للصوت التي طورها الطبيب وعالم الأعصاب الأمريكي جون ليلي في منتصف القرن العشرين.
ويشترك الأسلوبان في أنهما يدفعان الدماغ إلى إنتاج نشاط داخلي عند غياب المعلومات الخارجية المتنوعة، ولذلك استُخدما في دراسة الوعي والخيال والهلوسة. وتستعمل أحواض الطفو اليوم في بعض المراكز لأغراض الاسترخاء، وتشير بعض الدراسات إلى أنها قد تساعد بعض الأشخاص على تخفيف التوتر، وإن كانت الأدلة ما زالت محدودة.
الحالات بين اليقظة والنوم
يشبّه كثير من المشاركين الصور التي تظهر لهم في حالة جانتسفيلد بما يراه الإنسان في اللحظات التي تسبق النوم مباشرة، وهي حالة يسميها الباحثون الحالة التنويمية الأولية. ففي هذه المرحلة تتراخى السيطرة الواعية على الأفكار، وتظهر صور وأصوات ومشاهد قصيرة متقطعة. ويرى الباحثون أن دراسة هذه الحالات تساعد على فهم الحد الفاصل بين الإدراك القادم من الحواس والصور التي يولدها الدماغ ذاتياً.
مكانة علم النفس الموازي في البحث العلمي
علم النفس الموازي أو الباراسيكولوجي مجال يدرس ظواهر يُدعى أنها تتجاوز التفسير العلمي المعتاد، مثل التخاطر والاستبصار والتحريك عن بعد. وقد حاول عدد من الباحثين دراسة هذه الظواهر بأساليب تجريبية وإحصائية، وأسسوا لذلك جمعيات ومختبرات في جامعات مختلفة خلال القرن العشرين. غير أن معظم العلماء يعدون هذا المجال خارج نطاق العلم الراسخ، بسبب ضعف قابلية نتائجه للتكرار، وغياب آلية فيزيائية معقولة تفسر الظواهر المزعومة.
ومع ذلك فإن الجدل حول تجارب جانتسفيلد أسهم بطريقة غير مباشرة في تطوير النقاش حول المنهجية العلمية، إذ دفع الباحثين من الطرفين إلى التفكير في تصميم التجارب، وطرق التحليل الإحصائي، وأثر تحيز النشر، وهي قضايا تهم العلوم النفسية كلها، لا علم النفس الموازي وحده.
كيف يقرأ غير المتخصص هذه الأخبار؟
- التمييز بين الظاهرة الإدراكية الموثقة وبين التفسيرات الخارقة المنسوبة إليها.
- البحث عن مصدر النتائج، وهل نُشرت في مجلات علمية محكمة وتكررت لدى باحثين مستقلين.
- الحذر من العناوين المثيرة التي تقدم النتائج الأولية على أنها حقائق نهائية.
أسئلة شائعة
هل أثبتت تجارب جانتسفيلد وجود التخاطر؟
لا، فالنتائج ما زالت موضع خلاف، ولا يعد المجتمع العلمي السائد التخاطر ظاهرة مثبتة.
لماذا تُستخدم كرات تنس الطاولة في التجربة؟
لأن نصف الكرة يغطي العين ويشتت الضوء بشكل متجانس، فيحصل المشارك على مجال بصري موحد خالٍ من التفاصيل.
هل للظاهرة استخدامات خارج أبحاث التخاطر؟
نعم، تُستخدم في دراسة الإدراك البصري والتكيف الحسي والحالات المتغيرة من الوعي والصور الذهنية.
خلاصة
جانتسفيلد في أصله مفهوم من علم الإدراك يصف مجالاً حسياً متجانساً يدفع الدماغ إلى إنتاج صور داخلية، ثم صار إجراءً مشهوراً في تجارب التخاطر خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. وبينما تبقى الظاهرة الإدراكية نفسها موثقة ومفهومة إلى حد كبير، فإن استخدامها لإثبات التواصل الذهني ما زال محل جدل، مما يجعلها مثالاً حياً على تفاعل الفضول الإنساني مع صرامة المنهج العلمي.
.png)
