حوريات كوتنجلي: قصة صور الحوريات الشهيرة

تعد قصة حوريات كوتنجلي من أشهر الخدع الفوتوغرافية في القرن العشرين، إذ استطاعت صور التقطتها فتاتان صغيرتان في قرية إنجليزية أن تقنع كثيرين، ومنهم كاتب عالمي شهير، بوجود الجنيات. ويعرض المقال الأصلي خلاصة القصة واعتراف إحدى الفتاتين لاحقاً، وفي هذه الإضافة نروي السياق التاريخي الذي ظهرت فيه الصور، ونشرح كيف صنعت الخدعة، ولماذا صدقها الناس، ودور آرثر كونان دويل فيها، وما الدروس التي تقدمها لنا في عصر الصور المعدلة رقمياً، مع أسئلة شائعة وخلاصة.

قصة صور الجنيات المزيفة


حوريات كوتنجلي وقصة صورها الشهيرة

حوريات كوتنجري
Fairies Cotingley

لقد قمنا سابقاً بشرح مفهوم الحورية ، فالحورية فتاة رقيقة وفائقة الجمال لها ذيل شبيه بذيل السمكة ، وقد وصف البعض الحوريات بأنها كاءنات مجنحة (اي ذات اجنحة) ، وفي اوائل القرن العشرين تحديدا (1917)  ظهر نوع جديد من الحوريات هي حوريات كوتنجري .

لكن بعد مرور الوقت تم اكتشاف بأن هذا النوع من الحوريات غير حقيقي ، لم يكن فن التصوير معروفا في تلك الاعوام ، اي انه لم يكن منتشرا فن الجرافك ولم يكن منتشرا امكانية دمج وتكوين الصور ، حيث قامت فتاتين بوضع قصاصات من الورق بجانبهما وأخذ بعض الصور مع هذه القصاصات ، ومن هذا المنطلق ورغم معرفة العديد من الناس بأن هذه الصور مركبة ، إلا أن هذه العملية احدثت ضجة كبيرة وصدى اعلامي.

تبدأ قصة هذه الحوريات بأن فتاتين مراهقتين هما 
( فرانسيس جريفيش ) و ( ألسي رايت ) 
التقطتا صوراً للجنيات أو الحوريات في حديقة منزلهما ، وكانت الفتاتان لا تفقهان شيئاً في فن التصوير ولا حيل التحميض المختلفة ، ويقال إن خبراء التصوير الذين رأوا سلبيات الصور لم يروا أي أثر يدل على العبث في هذه السلبيات أو تعريضها مرتين.

وقد قال الكاتب الكبير ( آرثر كونان دويل ) بأن القصة صحيحة ، وكتب كتاب ( مجيء الجنيات ) عن هذه الظاهرة ( العلمية ) ، ولم يخطر له أن هذه الجنيات قصت من الورق وتم تثبيتها على الأغصان أمام الطفلتين .

الطريف في الموضوع هنا أن الطفلتين زعمتا أن الجنيات لا تظهرن إلا لهما دون غيرهما ... وقد ظلت الأختان تصران على سرهما أعواماً طويلة ، حتى عام 1977 حينما اعترفت إحداهما لقناة ( البي بي سي ) بأن الصور ملفقة ، وقالت في إجابة مراوغة لها :-" لقد كنا نصور خيالنا ... وهذا هو الشيء الصحيح في الموضوع ! فكل هذه الصور من وحي الخيال.
إحدى الصور الملفقة لحوريات كوتنجلي مع الفتاة أليس
هذه احدى الصور الملفقة لحوريات كتنجري ، والتي تجمع الفتاة اليس بمجموعة الحوريات 

من هما صاحبتا الصور؟

صاحبتا الصور هما إلسي رايت وابنة خالتها فرانسيس غريفيث، وليستا أختين كما يذكر أحياناً. كانت فرانسيس قد انتقلت مع والدتها إلى قرية كوتنجلي قرب مدينة برادفورد في شمال إنجلترا، وكانت الفتاتان تلعبان قرب جدول صغير خلف المنزل، وتقولان إنهما تريان الجنيات هناك. وعندما لم يصدقهما الكبار، استعارت إلسي آلة تصوير والدها، فعادتا بصورة تظهر فيها فرانسيس وأمامها مجموعة من الجنيات الصغيرة الراقصة، ثم تلتها صورة أخرى لإلسي مع كائن صغير مجنح.

متى انتشرت القصة؟

التقطت الصورتان الأوليان عام 1917، لكنهما لم تشتهرا فوراً، بل بقيتا في نطاق العائلة حتى عرضتهما والدة إلسي في اجتماع لجمعية مهتمة بالروحانيات، فوصلتا إلى أحد المهتمين بالفلسفات الباطنية، ثم إلى الكاتب آرثر كونان دويل، فانتشرت القصة في الصحافة البريطانية في مطلع العشرينيات. والتقطت الفتاتان لاحقاً ثلاث صور أخرى بعد أن زودتا بآلات تصوير جديدة.

السياق التاريخي: لماذا صدق الناس؟

ظهرت الصور في فترة مأساوية من التاريخ الأوروبي، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، حين فقدت أسر كثيرة أبناءها، وانتشر الاهتمام بالروحانية ومحاولات التواصل مع الموتى. وفي مثل هذه الأجواء يميل بعض الناس إلى البحث عن أدلة على وجود عوالم خفية تمنحهم العزاء والأمل.

الثقة في الكاميرا

كان كثير من الناس في ذلك الوقت يعتقدون أن الصورة الفوتوغرافية لا تكذب، وأنها تسجل الواقع كما هو. ولم يكن الجمهور العام يعرف الكثير عن حيل التصوير، رغم أن المصورين المحترفين كانوا يعرفون طرق التعريض المزدوج والتلاعب بالسلبيات منذ القرن التاسع عشر. ولذلك بدا من الصعب أن تتمكن فتاتان صغيرتان من خداع العالم.

براءة الطفولة

أسهم صغر سن الفتاتين في إقناع الناس بصدقهما، إذ استبعد كثيرون أن تخطط طفلتان لخدعة بهذا الحجم، كما أن الصور بدت بسيطة وعفوية، وهي سمة عززت مصداقيتها في نظر المؤيدين.

آرثر كونان دويل والجنيات

من المفارقات اللافتة أن أشد المدافعين عن الصور كان آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية المحقق شيرلوك هولمز المشهور بالمنطق والاستنتاج الدقيق. فقد كان دويل في سنواته الأخيرة من أبرز دعاة الحركة الروحانية، وفقد ابنه وعدداً من أقاربه في تلك الفترة. ونشر مقالاً عن الصور في مجلة شهيرة، ثم ألف كتاباً عن الجنيات اعتمد فيه على هذه الصور، ورأى فيها دليلاً على وجود كائنات لطيفة تعيش في الطبيعة.

لماذا تناقضت صورة المؤلف مع شخصيته الأدبية؟

يرى الباحثون أن هذه القصة تذكرنا بأن الذكاء وحده لا يحمي الإنسان من الوقوع في الخطأ، خاصة عندما يرغب بشدة في تصديق شيء ما. فالرغبة العاطفية قد تدفع حتى الأذكياء إلى تجاهل التفسيرات البسيطة والتمسك بالتفسير الذي يتفق مع قناعاتهم، وهو ما يسميه علماء النفس الانحياز التأكيدي.

كيف صنعت الخدعة؟

بعد عقود من الجدل، اعترفت الفتاتان، وقد صارتا امرأتين مسنتين، بأن الجنيات كانت رسوماً على ورق مقوى قصتاها بعناية، واستوحتا أشكالها من رسوم في كتاب مصور للأطفال كان شائعاً في ذلك الوقت، ثم ثبتتاها بالدبابيس بين الأعشاب والأغصان قبل التصوير. وقد ساعدت ظروف التصوير البدائية، مثل الإضاءة والضبابية الخفيفة، على إخفاء حواف الورق. ومع ذلك ظلت فرانسيس تؤكد حتى وفاتها أن الصورة الخامسة حقيقية، وأنهما رأتا الجنيات فعلاً، وهو ما أضاف إلى القصة غموضاً جديداً.

الشكوك المبكرة

لم يصدق الجميع الصور منذ البداية، فقد لاحظ بعض المشككين أن الجنيات ترتدي ملابس وتسريحات تشبه أزياء ذلك العصر، وأنها تبدو مسطحة وثابتة رغم أنها يفترض أن تكون راقصة أو طائرة. كما أن شركة كبرى لصناعة الأفلام والكاميرات رفضت أن تشهد بأصالة الصور، وإن قالت إنها لم تجد دليلاً مباشراً على التلاعب بالسلبيات.

الجنيات في الفولكلور البريطاني

للجنيات حضور قديم في الحكايات الشعبية البريطانية والأيرلندية، حيث تصور كائنات صغيرة تسكن الغابات والتلال، قد تكون لطيفة أو مؤذية. وفي العصر الفيكتوري ازدهرت صورة الجنية الرقيقة المجنحة في الرسم وأدب الأطفال، وهي الصورة التي ظهرت في صور كوتنجلي. ويختلف هذا المفهوم عن الحورية البحرية التي تصور بذيل سمكة، فالكلمتان تخلطان أحياناً في الترجمة العربية، والأدق أن صور كوتنجلي كانت لجنيات مجنحة لا لحوريات بحر.

القصة في الثقافة الشعبية

  • تحولت القصة إلى أفلام سينمائية ودرامية في أواخر القرن العشرين.
  • تعرض الصور الأصلية وآلات التصوير المستخدمة في بعض المتاحف البريطانية المهتمة بالتصوير.
  • تستخدم القصة في كتب التفكير النقدي ومحو الأمية الإعلامية مثالاً على خداع الصور.
  • كتبت عنها روايات وأعمال أدبية استلهمت أجواءها الغامضة.

دروس لعصر الصور الرقمية

إذا كانت صور ورقية بسيطة قد خدعت الناس قبل أكثر من قرن، فإن التحدي اليوم أكبر بكثير مع برامج تعديل الصور وتقنيات التزييف العميق التي تنتج صوراً ومقاطع فيديو شديدة الواقعية. ولذلك يحتاج القارئ المعاصر إلى مهارات للتحقق، مثل البحث العكسي عن الصور، والتأكد من المصدر الأصلي، وملاحظة التفاصيل غير المنطقية، وعدم مشاركة الصور المثيرة قبل التثبت منها.

أسئلة يطرحها المتلقي الواعي

  1. من التقط الصورة ومتى وأين؟
  2. هل نشرتها جهة موثوقة أم حساب مجهول؟
  3. هل توجد صور أخرى للحدث من زوايا مختلفة؟
  4. هل تتوافق الإضاءة والظلال والتفاصيل مع المشهد؟
  5. هل أريد تصديقها لأنها تؤكد ما أؤمن به مسبقاً؟

خدع فوتوغرافية أخرى في التاريخ

لم تكن صور كوتنجلي الخدعة الوحيدة من نوعها، فقد عرف القرن التاسع عشر ما يسمى التصوير الروحاني، حيث ادعى بعض المصورين قدرتهم على تصوير أرواح الموتى إلى جانب الأحياء، مستخدمين التعريض المزدوج للسلبيات. وفي القرن العشرين انتشرت صور مزعومة لوحش بحيرة لوخ نيس في اسكتلندا، ثبت لاحقاً أن أشهرها كانت خدعة باستخدام نموذج صغير. وتتشابه هذه القصص في أنها جمعت بين رغبة الجمهور في الغموض وثقته في الصورة، وبين صعوبة التحقق في زمن لم تكن فيه أدوات التحليل متاحة كما هي اليوم.

وقد ساعد تطور علوم التحليل الجنائي للصور لاحقاً على كشف كثير من هذه الخدع، عبر دراسة الظلال والحواف وحبيبات الصورة.

أسئلة شائعة

هل كانت صور كوتنجلي حقيقية؟

لا، فقد اعترفت الفتاتان بأن الجنيات كانت رسوماً ورقية مقصوصة، وإن تمسكت إحداهما بأصالة صورة واحدة.

كم عدد صور الجنيات؟

المشهور أنها خمس صور، التقطت الأوليان منها عام 1917 والبقية بعد ذلك ببضع سنوات.

لماذا صدقها كونان دويل؟

بسبب إيمانه بالروحانية ورغبته في إيجاد دليل على العوالم الخفية، إضافة إلى ثقة عامة الناس آنذاك في الصورة الفوتوغرافية.

خلاصة

قصة حوريات كوتنجلي، أو جنيات كوتنجلي بالأدق، خدعة طفولية بسيطة تحولت إلى ظاهرة إعلامية بفضل ظروف عصرها وحماسة كاتب شهير. وهي اليوم درس بليغ في التفكير النقدي، يذكرنا بأن الصور قد تخدع، وأن الرغبة في التصديق قد تكون أقوى من الدليل.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !