اقسام الناس في الصلاة

الصلاة عمود الدين وأعظم أركان الإسلام العملية، لكن المصلين لا يتساوون في حظهم منها، فمنهم من يؤديها بجسده وقلبه غائب، ومنهم من يجد فيها راحته وقرة عينه. وقد وصف الإمام ابن القيم هذا التفاوت في تقسيم دقيق يُعرف بأقسام الناس في الصلاة، يكشف فيه مراتب المصلين من المفرط إلى المقرّب.

بعد عرض نص ابن القيم كما ورد، نتناول في هذا المقال التعريف به وبكتابه الذي ورد فيه التقسيم، ومعنى الخشوع ومنزلته، وأسباب ضعفه، والوسائل العملية التي ذكرها العلماء لتحصيله، ونشرح معاني المراتب الخمس بلغة ميسرة تعين القارئ على أن يعرف موقعه منها ويسعى إلى الارتقاء.

مراتب المصلين عند ابن القيم


أقسام الناس ومراتبهم في الصلاة عند ابن القيم

لقد ذكر الامام ابن القيم رحمه الله مراتب الناس في الصلاة واقسامهم فقال في كتابه الوابل الصيب ( والناس في الصلاة على مراتب خمسة )

أحدها : مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها .

الثاني : من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار

الثالث : من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد

الرابع : من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها واتمامها قد استغرق قلب شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها

الخامس : من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز و جل ناظرا بقبله إليه مراقبا له ممتلئا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطوات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه عز و جل قرير العين به

فالقسم الأول معاقب والثاني محاسب والثالث مكفر عنه والرابع مثاب والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه عز و جل في الآخرة وقرت عينه أيضا به في الدنيا ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله عز و جل : ( ارفعوا الحجب فإذا التفت قال أرخوها ) وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عز و جل إلى غيره فإذا التفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها في صورة المرآة وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب فإن فر إلى الله تعالى وأحضر قلبه فر الشيطان فإن التفت حضر الشيطان فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة ( انتهى قوله رحمه الله ).

التعريف بابن القيم وكتابه

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، نسبة إلى المدرسة الجوزية في دمشق التي كان أبوه قيّمًا عليها. عاش في القرن الثامن الهجري، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية سنوات طويلة وتأثر به تأثرًا كبيرًا. وترك مؤلفات كثيرة في العقيدة والفقه وأصوله والسلوك والتزكية، منها زاد المعاد في هدي خير العباد، ومدارج السالكين، وإعلام الموقعين، والجواب الكافي.

أما كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب، الذي ورد فيه هذا التقسيم، فهو كتاب في فضل الذكر وفوائده وأنواعه، افتتحه المؤلف بمقدمة طويلة في أحوال القلوب وعلاقتها بالعبادة، ثم أورد جملة من الأذكار المأثورة. ويتميز أسلوبه بالجمع بين الدليل الشرعي والتحليل النفسي الدقيق لأحوال العبد مع ربه.

شرح المراتب الخمس بلغة ميسرة

المرتبة الأولى: المفرط

هو من يقصر في شروط العبادة الظاهرة نفسها، فيؤخرها عن وقتها، أو يخل بوضوئها أو أركانها. وهذا أخطر الأقسام، لأن التقصير فيه يتعلق بأصل الأداء الصحيح، ولذلك وصفه ابن القيم بأنه معاقب.

المرتبة الثانية: المؤدي الغافل

يحافظ على الأوقات والأركان والشروط، فصلاته صحيحة في الظاهر، لكنه يستسلم للوساوس والأفكار فلا يكاد يعقل من صلاته شيئًا. وهذا محاسب، لأنه ضيع روح العبادة وإن أدى صورتها.

المرتبة الثالثة: المجاهد

يؤدي فريضته على وجهها، ويجاهد نفسه في طرد الخواطر كلما هجمت عليه، فهو في صلاة وجهاد معًا. وقد عبر ابن القيم عن حاله بأنه مكفّر عنه، أي أن جهاده هذا سبب لمغفرة ذنوبه.

المرتبة الرابعة: المستغرق في إقامتها

انشغل قلبه بإتمام صلاته وإكمال حقوقها وأركانها، فلا يضيع شيئًا منها، وهمه كله مصروف إلى أدائها كما ينبغي. وهذا مثاب.

المرتبة الخامسة: المقرّب

وهو من بلغ مرتبة الإحسان في صلاته، فأقبل بقلبه على ربه، ممتلئًا بمحبته وتعظيمه، كأنه يراه. وهؤلاء هم الذين جُعلت قرة أعينهم في الصلاة، وهي أعلى المراتب.

معنى الخشوع ومنزلته

الخشوع في اللغة السكون والتذلل، وفي الاصطلاح حضور القلب بين يدي الله مع سكون الجوارح، تعظيمًا وخضوعًا ومحبة. وقد جعل القرآن الكريم الخشوع أول صفات المؤمنين المفلحين في مطلع سورة المؤمنون، مما يدل على مكانته العالية. ويقرر العلماء أن الخشوع روح الصلاة ولبها، وأن الأجر يتفاوت بقدر ما يعقله المصلي من صلاته.

هل تبطل الصلاة بفقد الخشوع؟

يرى جمهور الفقهاء أن الفريضة تصح ظاهرًا وتسقط بها الفريضة ولو قل فيها الخشوع، ما دامت أركانها وشروطها متحققة، لكن الثواب ينقص بقدر الغفلة. ولهذا كان التقسيم الذي ذكره ابن القيم تقسيمًا لمراتب الكمال والأجر، لا لأحكام الصحة والبطلان وحدها.

أسباب ضعف الخشوع

  • الانشغال بهموم الدنيا قبل الدخول فيها مباشرة.
  • العجلة في الأداء وعدم الطمأنينة في الركوع والسجود.
  • عدم فهم معاني ما يُقرأ من القرآن والأذكار.
  • الصلاة في مكان مليء بالمشتتات من أصوات وصور.
  • الصلاة مع مدافعة الحاجة أو بحضرة طعام تشتهيه النفس.
  • كثرة الذنوب التي تقسي القلب، كما يذكر علماء السلوك.

وسائل عملية لتحصيل الخشوع

  1. الاستعداد المبكر: بإحسان الوضوء، والتبكير إلى المسجد، وترك ما يشغل البال قبلها.
  2. الطمأنينة: بأن يأخذ كل ركن حقه من السكون، فلا ينقر الصلاة نقرًا.
  3. تدبر المعاني: بتعلم تفسير الفاتحة والسور القصيرة ومعاني الأذكار التي يرددها.
  4. تنويع السور والأذكار: لأن التكرار الآلي لنفس الكلمات قد يضعف الانتباه.
  5. النظر إلى موضع السجود: وهو من الأدب الذي ذكره الفقهاء لجمع النظر والقلب.
  6. استحضار أنها قد تكون الصلاة الأخيرة: وهي وصية يذكرها الوعاظ كثيرًا لإيقاظ القلب.
  7. الدعاء بطلب الخشوع: والاستعاذة من الشيطان عند كثرة الوساوس.

راحة لا عبء

يلفت ابن القيم في هذا النص إلى معنى عميق، وهو أن العبادة الخاشعة ليست تكليفًا ثقيلًا، بل مصدر للسعادة وقرة العين في الدنيا قبل الآخرة. وفي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب من بلال أن يقيمها ليرتاح بها، لا ليرتاح منها. ومن ذاق هذا المعنى صارت عنده ملجأً من هموم الحياة وضغوطها، ومصدرًا للسكينة والطمأنينة.

أثر الخشوع في السلوك

يربط العلماء بين جودة العبادة واستقامة السلوك خارجها، فالقرآن يقرر أن إقامة هذه الشعيرة على وجهها تنهى عن الفحشاء والمنكر. ويفسر أهل العلم ذلك بأن العبد الذي يقف بين يدي ربه خمس مرات في اليوم بقلب حاضر يتجدد عنده الشعور بالمراقبة، فيستحيي أن يقع فيما يغضب خالقه، ويحمل معه من سكينة الوقوف بين يديه ما يهذب أخلاقه في البيت والعمل والطريق. ولذلك عدّ بعض السلف من علامات قبول العبادة أن يظهر أثرها في المعاملة والصدق والأمانة.

الخشوع والطفل

يوصي المربون بتعليم الأطفال المعاني قبل الإلزام بالأداء الكامل، وتحبيبهم في هذه الشعيرة بالقدوة الحسنة والكلمة الطيبة، وشرح معاني الفاتحة لهم بلغة بسيطة، وتجنب القسوة والتخويف الذي قد يربط العبادة في أذهانهم بالخوف بدل المحبة. فالطفل الذي يرى والديه يقبلان على ربهما بطمأنينة وفرح يتعلم أن هذا الوقت لحظة أنس لا واجب ثقيل.

المرأة والأوقات المزدحمة

تشكو كثير من الأمهات من صعوبة حضور القلب مع انشغالهن برعاية الأطفال وأعمال البيت. وينصح بعض الدعاة باختيار أوقات أهدأ داخل الوقت المشروع، وتهيئة مكان ثابت للصلاة في البيت، والصبر على ما لا يمكن دفعه من المقاطعات، مع استحضار أن الجهاد في تحصيل الخشوع نفسه عبادة مأجورة.

أسئلة شائعة

في أي كتاب ذكر ابن القيم أقسام المصلين؟

ذكرها في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب، وهو كتاب في فضل الذكر وأحوال القلوب.

هل يأثم من تكثر عليه الوساوس في الصلاة؟

لا يأثم بمجرد ورود الخواطر، بل يؤجر على مجاهدتها، كما في المرتبة الثالثة، وإنما يُذم الاسترسال معها وترك مدافعتها.

كيف أنتقل من مرتبة إلى أعلى منها؟

بالتدرج: إتقان الأركان أولًا، ثم مجاهدة الخواطر، ثم تعلم المعاني وتدبرها، مع الصبر والدعاء والاستمرار.

خلاصة

يقدم تقسيم ابن القيم مرآة يرى فيها المصلي حقيقة صلاته، من التفريط في الأركان إلى الإحسان الذي تقر به العين. والخشوع روح هذه العبادة، يضعف بالغفلة والعجلة والانشغال، ويقوى بالاستعداد والطمأنينة والتدبر والمجاهدة. ومن سعى بصدق إلى الارتقاء بين هذه المراتب وجد في صلاته راحة وسكينة لا تعدلهما راحة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !