من أغرب الشخصيات التي ارتبطت بالثقافة العربية في أدب الرعب الغربي شخصية عبد الله الحظرد، المعروف بالعربي المجنون، الذي نسب إليه الكاتب الأمريكي هوارد فيليبس لافكرافت تأليف كتاب العزيف الخيالي. ويظن بعض القراء أن الحظرد شخصية تاريخية حقيقية وأن كتابه موجود في مكتبات سرية. في هذه الصفحة نعرض ما ورد عن الحظرد في المقال، ثم نتعرف إلى لافكرافت وعالمه الأدبي، وقصة نشأة الكتاب المزعوم، ونصحح بعض المعلومات المتعلقة بالتراث العربي والإسلامي، ونتتبع أثر هذه الشخصية في الثقافة الشعبية المعاصرة.
سيرة العربي المجنون كما ابتكرها لافكرافت
| صورة لكتاب العزيف |
![]() |
| صورة لاحدى صفحات الكتاب |
من هو لافكرافت؟
هوارد فيليبس لافكرافت كاتب أمريكي وُلد عام 1890 في مدينة بروفيدنس بولاية رود آيلاند، وتوفي فيها عام 1937. عاش حياة قصيرة متواضعة، ونشر معظم قصصه في مجلات الخيال الشعبية الرخيصة، ولم ينل شهرة واسعة في حياته، لكنه صار بعد وفاته من أكثر كتاب الرعب تأثيراً في القرن العشرين.
ويُعرف أسلوبه بما يسمى الرعب الكوني، وهو نوع من الرعب لا يقوم على الأشباح والوحوش التقليدية فحسب، بل على فكرة أن الكون مليء بكائنات قديمة هائلة لا تبالي بالإنسان، وأن معرفة الحقيقة عنها قد تقود العقل البشري إلى الجنون. ومن أشهر قصصه نداء كثولهو، وفي جبال الجنون، وظل فوق إنسموث.
عالم أساطير كثولهو
ابتكر لافكرافت عالماً متكاملاً من الآلهة والكائنات الخيالية والمدن والكتب الممنوعة، ثم أكمله أصدقاؤه من الكتاب الذين تراسل معهم، فأضافوا إليه شخصيات وكتباً جديدة. وأطلق بعضهم على هذا العالم اسم أساطير كثولهو، نسبة إلى أشهر كائناته. وكان من عناصره الثابتة كتاب العزيف الذي يتكرر ذكره في القصص بوصفه مصدراً للمعرفة المحرمة.
نشأة الشخصية والكتاب
ذكر لافكرافت في رسائله أنه أحب كتاب ألف ليلة وليلة في طفولته، وأنه تخيل نفسه عربياً واتخذ لنفسه اسم عبد الله الحظرد في ألعابه وهو صغير، ثم استعاد هذا الاسم لاحقاً في قصصه. وظهر ذكر العربي المجنون في قصته المدينة التي بلا اسم، ثم كتب نصاً قصيراً بعنوان تاريخ النيكرونوميكون، وضع فيه سيرة متخيلة للكتاب ومؤلفه وترجماته المزعومة إلى اليونانية واللاتينية.
معنى العزيف
اختار لافكرافت للكتاب في أصله العربي المتخيل اسم العزيف، وشرح أنه يشير إلى الأصوات الليلية التي تصدرها الحشرات، والتي كان العرب يظنونها عزيف الجن. والعزيف في اللغة العربية فعلاً صوت يُسمع في الفلوات ليلاً، ونسبه العرب قديماً إلى الجن، وقد ورد في الشعر العربي. أما الاسم اليوناني نيكرونوميكون الذي اشتهر به الكتاب، فقد قدم لافكرافت له تفسيراً يربطه بأسماء الموتى أو قانونهم، وإن ناقش اللغويون دقة هذا التفسير.
تصحيح معلومات متداولة
يتداول بعض المقالات أن كتاب العزيف موجود فعلاً ومخبأ في مكتبات سرية، وأن الحظرد شاعر يمني حقيقي، والصحيح أن الشخصية والكتاب من ابتكار لافكرافت الأدبي، وقد صرح هو نفسه في رسائله بأن الكتاب خيالي. أما الكتب التي نُشرت لاحقاً بعنوان النيكرونوميكون، ومنها طبعة شهيرة ظهرت في سبعينيات القرن العشرين، فهي أعمال حديثة كتبها مؤلفون معاصرون مستغلين شهرة الاسم، ولا علاقة لها بمخطوط قديم.
إرم ذات العماد
يرد في المقال أن إرم ذات العماد مدينة نبي الله صالح، والمعروف في كتب التفسير أن إرم ارتبطت بقوم عاد الذين أرسل إليهم نبي الله هود عليه السلام، أما صالح عليه السلام فأُرسل إلى قوم ثمود. وقد ورد ذكر إرم في القرآن الكريم في سياق الحديث عن عاد، واختلف المفسرون والمؤرخون في تحديد موقعها، بين جنوب الجزيرة العربية ومواضع أخرى، ونسجت حولها حكايات كثيرة في التراث القصصي جعلتها رمزاً للمدينة المفقودة، وهو ما استلهمه لافكرافت في قصصه.
الربع الخالي في الخيال الغربي
جعل لافكرافت بطله يقضي سنوات في الربع الخالي، مستلهماً صورة الصحراء العربية الغامضة كما قدمتها كتابات الرحالة الأوروبيين والترجمات الاستشراقية. والربع الخالي في الواقع أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، تمتد عبر أراضي السعودية وعُمان والإمارات واليمن، وقد عبرها عدد من الرحالة والمستكشفين في القرن العشرين، وهي بيئة قاسية لكنها ليست مسكونة بالوحوش كما تصورها القصص.
الحظرد والاستشراق الأدبي
يرى بعض النقاد أن شخصية العربي المجنون تعكس صورة استشراقية شائعة في الأدب الغربي في تلك الحقبة، تربط الشرق بالسحر والغموض والجنون. كما وُجهت إلى لافكرافت انتقادات واسعة بسبب آراء عنصرية ظهرت في بعض قصصه ورسائله. ومع ذلك يقر الدارسون بأن خياله الأدبي استثمر عناصر من الثقافة العربية بطريقة جذبت أجيالاً من القراء إلى عالمه، ويدعو بعضهم إلى قراءة أعماله قراءة نقدية تجمع بين تقدير الإبداع والانتباه إلى حدوده.
لماذا بدا الكتاب حقيقياً للقراء؟
اعتمد لافكرافت أسلوباً ذكياً في إيهام القارئ بواقعية الكتاب، فكان يذكره في قصص مختلفة بتفاصيل متسقة، وينسب إليه ترجمات إلى لغات متعددة، ويضعه في مكتبات جامعية حقيقية أو متخيلة، ويقتبس منه عبارات قصيرة غامضة دون أن يعرض محتواه كاملاً. كما شارك أصدقاؤه من الكتاب في هذه اللعبة، فذكروا الكتاب في قصصهم، مما جعل القراء يجدونه في أكثر من مصدر، فظن بعضهم أنه موجود فعلاً. ويُروى أن بعض القراء راسلوا المكتبات وباعة الكتب القديمة يسألون عن نسخة منه، وهو دليل على نجاح هذه اللعبة الأدبية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم بين محبي هذا النوع من القصص وكتّابه.
الأثر في الثقافة الشعبية
- الأدب: كتب عشرات المؤلفين قصصاً وروايات تستلهم أساطير كثولهو، وظهر الكتاب المحرم في كثير منها.
- السينما: ظهر كتاب الموتى المستوحى من النيكرونوميكون في أفلام رعب شهيرة.
- ألعاب الفيديو والطاولة: صدرت ألعاب أدوار مبنية على عالم لافكرافت، وألعاب فيديو تحمل إشارات إلى كائناته وكتبه.
- الموسيقى والقصص المصورة: استلهمت فرق موسيقية ورسامون كثيرون رموز هذا العالم.
أسئلة شائعة
هل كتاب العزيف حقيقي؟
لا، فهو كتاب خيالي ابتكره لافكرافت في قصصه، والكتب التي تحمل اسمه اليوم مؤلفات حديثة.
هل عبد الله الحظرد شخصية تاريخية؟
لا، هو شخصية أدبية متخيلة، واسم اختاره لافكرافت في طفولته متأثراً بقراءة ألف ليلة وليلة.
ما معنى العزيف؟
العزيف في العربية صوت يُسمع ليلاً في الصحارى، كان العرب ينسبونه إلى الجن، وقد اختاره لافكرافت عنواناً للكتاب المتخيل.
خلاصة
عبد الله الحظرد وكتابه العزيف من أشهر ابتكارات لافكرافت في عالم الرعب الكوني، وقد استوحاهما من قراءاته لألف ليلة وليلة وصورة الشرق في الخيال الغربي. ومعرفة أن الشخصية والكتاب خياليان، وأن إرم ارتبطت في التفسير بقوم عاد لا بثمود، تساعد القارئ على الاستمتاع بهذا الأدب مع التمييز بين الخيال والحقيقة.
.png)
.jpg)
