الخفيانية (occultism)

شغلت فكرة المعرفة المحجوبة خيال البشر منذ أقدم العصور، فظهرت عبر التاريخ جماعات وتيارات تزعم امتلاك أسرار لا يصل إليها عامة الناس. ويُطلق على هذا الميدان الواسع اسم الخفيانية (occultism)، وهو مصطلح يجمع تحت مظلته طيفاً من المعتقدات والممارسات مثل التنجيم والخيمياء القديمة وبعض أشكال السحر والتأويلات الباطنية للنصوص.

في هذا المقال نتعرف إلى معنى المصطلح وأصله اللغوي، ثم نستعرض تاريخه ومدارسه وأبرز فروعه، ونناقش موقف العلم الحديث منه، ورؤية العلماء المسلمين لما يندرج تحته من ممارسات، مع إجابات عن أسئلة شائعة حول الموضوع.

تعريف الخفيانية ومعناها



الخفيانية أو المعرفة الخفية occultism
هي كلمة لاتينية الاصل تعني (سرية ، خفية ، سرية) ، وكلنها تعني بالاصطلاح "المعرفة الخفية" ، يتم استخدامها للإشارة إلى اي شيء أو العملية التي تكون خفية  ، وهذه الكلمة لها استخدامات كثيرة في اللغة الإنجليزية ، وهذا يعني شعبيا "المعرفة بالخوارق"، بدلا من "علم قياس".

كما يستخدم هذا المصطلح كتسمية نظرا لعدد من المنظمات سحرية أو أوامر، وتعاليم وممارسات تدريس بها، ومجموعة كبيرة من المؤلفات التاريخية والحالية والفلسفة الروحية المتعلقة بهذا الموضوع.


يمكننا ان نستخلص مما سبق أن هذا المصطلح يطلق على عدد من النظريات والممارسات والطقوس المبنية على معرفة مزعومة بعالم الأرواح وقوى الكون الخفية، وإنما يستهدف أصحاب ( الخفيانية ) استكشاف هذا العالم المحجوب وفهم أسراره ويستعينون على ذلك بدراسة ما دونه القدامى في هذا المجال اعتقاداً منهم بأن الحضارات السالفة عرفت تلك الأسرار، وأن في استطاعتنا نحن اليوم أن نمتلك هذه المعرفة من جديد. ويندرج تحت الخفيانية علم التنجيم وبعض أشكال السحر .

الأصل اللغوي للمصطلح

يعود المصطلح الإنجليزي إلى الكلمة اللاتينية occultus التي تعني المخفي أو المستتر أو المحجوب عن الأنظار. وقد استُعملت الكلمة في علم الفلك القديم للدلالة على احتجاب جرم سماوي خلف جرم آخر، وهو معنى ما زال مستخدماً في الفلك حتى اليوم تحت اسم الاحتجاب. ثم انتقل اللفظ إلى ميادين الفكر والفلسفة ليصف ما يُعتقد أنه معرفة سرية لا تُدرك بالحواس أو بالعقل المجرد، بل بالكشف أو التلقين أو الطقوس.

وفي العربية تُترجم الكلمة أحياناً بالخفيانية أو العلوم الخفية أو العلوم الباطنية أو علوم الأسرار، وكلها ترجمات تحاول نقل فكرة المعرفة المستورة التي لا تتاح إلا لفئة مختارة من المريدين.

لمحة تاريخية عن الخفيانية

الجذور القديمة

ترتبط كثير من الأفكار الخفيانية بتراث الحضارات القديمة، إذ عرفت بلاد الرافدين ومصر القديمة واليونان أشكالاً من العرافة ورصد النجوم وتفسير العلامات. وكان الكهنة في تلك الحضارات يحتكرون في الغالب معارف دينية وفلكية يحيطونها بالسرية، مما أسهم في نشوء صورة الحكمة القديمة المكتومة التي يسعى أتباع هذه التيارات إلى استعادتها.

الهرمسية وعصر النهضة

من أهم الروافد الفكرية للخفيانية الغربية ما يُعرف بالتراث الهرمسي، وهو مجموعة نصوص نُسبت إلى شخصية أسطورية تسمى هرمس المثلث بالحكمة، ويرى المؤرخون أنها كُتبت في الحقبة الهلنستية والرومانية. وقد لقيت هذه النصوص اهتماماً واسعاً في أوروبا خلال عصر النهضة، حين امتزجت بالأفلاطونية المحدثة والتصوف اليهودي المعروف بالقبالة، فنشأت مدارس فكرية تجمع بين الفلسفة والتنجيم والخيمياء.

الخفيانية الحديثة

شهد القرن التاسع عشر انتعاشاً ملحوظاً لهذه التيارات في أوروبا وأمريكا، فظهرت حركة الأرواحية التي زعمت التواصل مع الموتى، وتأسست الجمعية الثيوصوفية عام 1875 على يد هيلينا بلافاتسكي وآخرين، كما نشأت في بريطانيا جماعة الفجر الذهبي التي اهتمت بالطقوس الرمزية. وقد أثرت هذه الحركات لاحقاً في كثير من التيارات الروحية الحديثة التي تُجمع أحياناً تحت مسمى حركات العصر الجديد.

أبرز فروع الخفيانية

يشمل هذا الميدان مجموعة متنوعة من الممارسات والمعتقدات التي تختلف في أهدافها وأساليبها، ومن أشهرها:

  • التنجيم: الزعم بأن مواقع الكواكب والنجوم تؤثر في مصائر البشر وأحداث الأرض، وهو يختلف تماماً عن علم الفلك القائم على الرصد والقياس.
  • الخيمياء القديمة: سعي قديم لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب وإيجاد إكسير الحياة، وقد أسهم بعض المشتغلين بها في تطوير أدوات وتجارب مهدت لاحقاً لعلم الكيمياء الحديث.
  • العرافة: محاولات التنبؤ بالمستقبل عبر وسائل مثل أوراق التاروت أو قراءة الكف أو الفنجان.
  • علم الأعداد الباطني: الاعتقاد بأن للأرقام دلالات خفية تؤثر في شخصية الإنسان وحظه.
  • السحر الطقسي: ممارسات رمزية يدعي أصحابها القدرة على التأثير في الواقع عبر الطقوس والتعاويذ.
  • الأرواحية: الزعم بإمكانية استحضار الأرواح والتواصل معها عبر وسطاء.

خصائص التفكير الخفياني

السرية والتلقين

تقوم معظم هذه التيارات على مبدأ أن المعرفة الحقيقية لا تُمنح لكل أحد، بل تنتقل من المعلم إلى المريد عبر درجات ومراتب، ولا تُكشف أسرار المرحلة التالية إلا لمن اجتاز ما قبلها. وهذا ما يفسر انتشار الرموز والإشارات الغامضة في أدبياتها.

فكرة التناظر بين الكون والإنسان

من الأفكار المتكررة في هذا التراث الاعتقاد بوجود تطابق بين العالم الكبير وهو الكون، والعالم الصغير وهو الإنسان، بحيث يؤثر كل منهما في الآخر. وعلى هذه الفكرة بُني التنجيم وكثير من الممارسات الرمزية.

الحنين إلى حكمة مفقودة

يشترك أتباع هذه المدارس غالباً في الاعتقاد بأن الحضارات الغابرة امتلكت معارف عظيمة ضاعت مع الزمن، وأن دراسة النصوص القديمة والرموز يمكن أن تعيد اكتشافها، وهو ما أشار إليه التعريف الوارد أعلاه.

موقف العلم الحديث

يتعامل المنهج العلمي مع الادعاءات الخفيانية بمعيار واحد هو قابلية الاختبار والتكرار؛ فالمعرفة العلمية تقوم على الملاحظة والتجربة والقياس، ويمكن لأي باحث أن يتحقق من نتائجها. أما الادعاءات الباطنية فتعتمد في الغالب على تجارب شخصية أو نصوص غامضة يصعب التحقق منها. وقد أُجريت محاولات عديدة لاختبار التنجيم وقدرات العرافين في ظروف مضبوطة، ولم تقدم نتائج يقبلها المجتمع العلمي.

ويفسر علماء النفس انجذاب الناس إلى هذه الأفكار بعوامل منها الرغبة في الطمأنينة أمام المجهول، والميل البشري إلى البحث عن أنماط ومعانٍ في الأحداث العشوائية، وما يُعرف بتأثير بارنوم، أي ميل الإنسان إلى تصديق الأوصاف العامة الغامضة على أنها تنطبق عليه بدقة، وهو ما يظهر بوضوح في قراءات الأبراج.

موقف الإسلام من هذه الممارسات

يقرر علماء المسلمين بوجه عام أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأن ادعاء معرفة المستقبل عن طريق النجوم أو الكهانة أو العرافة أمر مذموم في الشريعة. كما يحذر الفقهاء من السحر وتعلمه وممارسته، ومن تصديق الكهان والمنجمين، ويعدون ذلك منافياً لصحة الاعتقاد والتوكل. وفي المقابل يفرق العلماء بين التنجيم المحرم وبين علم الفلك المشروع الذي يُستفاد منه في معرفة الأوقات والاتجاهات والمواسم، وقد برع فيه علماء الحضارة الإسلامية وأسهموا في تطويره إسهاماً كبيراً.

ويُنصح من لديه سؤال شرعي محدد حول هذه المسائل بالرجوع إلى أهل العلم الموثوقين في بلده.

مخاطر الانسياق وراء هذه الممارسات

لا تقتصر المشكلة في هذا الميدان على غياب الأساس العلمي، بل تمتد إلى آثار عملية قد تضر بالأفراد والمجتمعات، ومن أبرزها:

  1. الاستغلال المالي: يستغل بعض المدعين حاجة الناس وقلقهم فيبيعونهم التمائم والقراءات والجلسات بمبالغ كبيرة.
  2. تأخير العلاج: قد يلجأ بعض المرضى إلى المشعوذين بدل الأطباء، فيتأخر تشخيص أمراض تحتاج إلى تدخل طبي عاجل.
  3. القرارات المصيرية الخاطئة: كأن يبني الإنسان قرارات الزواج أو العمل أو السفر على توقعات الأبراج.
  4. الأذى النفسي: إذ تزرع بعض هذه الممارسات الخوف والوسواس والشك في المقربين.
  5. تفكك العلاقات: حين يتهم الناس بعضهم بالسحر والحسد بناء على أقوال العرافين.

ولذلك يؤكد المختصون أهمية التفكير النقدي، وسؤال الطبيب أو المختص عند مواجهة مشكلة صحية أو نفسية، وعدم تصديق الوعود الخارقة مهما بدت مغرية.

الخفيانية في الثقافة الشعبية

تحضر الموضوعات الباطنية بكثافة في الروايات والأفلام والألعاب، حيث تُوظف الجماعات السرية والطقوس الغامضة والرموز القديمة لإضفاء أجواء من التشويق والرهبة. وقد أسهم هذا الحضور في نشر صورة مبالغ فيها عن هذه التيارات، تختلط فيها الحقائق التاريخية بالخيال الأدبي. ولذلك يحسن بالقارئ أن يميز بين الدراسة الأكاديمية لتاريخ الأفكار الباطنية بوصفها ظاهرة ثقافية، وبين الترويج لممارساتها أو تصديق ادعاءاتها.

ويهتم عدد من المؤرخين وعلماء الأديان اليوم بدراسة هذه الحركات بوصفها جزءاً من تاريخ الفكر الإنساني، لفهم تأثيرها في الفن والأدب والفلسفة، دون أن يعني ذلك الإيمان بصحتها. فدراسة هذه التيارات تكشف كيف حاول الإنسان في عصور مختلفة تفسير الكون وسد فجوات معرفته، وكيف تطورت تدريجياً أدوات المعرفة العلمية التي حلت محل كثير من تلك التصورات القديمة.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين التنجيم وعلم الفلك؟

علم الفلك علم تجريبي يدرس الأجرام السماوية وحركتها وتكوينها بالرصد والقياس، أما التنجيم فادعاء بأن مواقع الكواكب تحدد مصائر البشر وصفاتهم، ولا يستند إلى دليل علمي.

هل الخفيانية دين مستقل؟

لا تُعد ديناً واحداً، بل مظلة واسعة تضم تيارات وممارسات متنوعة، بعضها يدعي الارتباط بأديان قائمة، وبعضها فلسفات روحية مستقلة.

لماذا ينجذب بعض الناس إلى هذه الأفكار؟

تشير تفسيرات نفسية واجتماعية إلى عوامل مثل الفضول تجاه المجهول، والرغبة في السيطرة على المستقبل، والبحث عن معنى في أوقات القلق والأزمات.

خلاصة

الخفيانية مصطلح يجمع طيفاً من المعتقدات والممارسات التي تزعم امتلاك معرفة سرية بعالم الأرواح وقوى الكون، وتمتد جذورها إلى الحضارات القديمة مروراً بالتراث الهرمسي وحركات القرن التاسع عشر. ويرفض المنهج العلمي ادعاءاتها لغياب الدليل القابل للاختبار، كما يحذر علماء المسلمين من ممارساتها كالسحر والتنجيم. ويبقى فهم تاريخها مفيداً لإدراك جانب من تطور الفكر الإنساني وتأثيره في الثقافة والأدب.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !