حاسة الشم والسمع عند الأم تزداد قوة عندما يكون أولادها في محنة

أم تحمل طفلها — غريزة الأمومة تشحذ حاستي الشم والسمع

حواسّ الأم تشتدّ حين يكون صغارها في خطر

تشهد حاستا الشم والسمع عند الأم زيادةً في القوة عند تحرّك غريزة الأمومة لديها للاستجابة لنداء أولادها حين يكونون منزعجين أو في محنة. فقد أفادت صحيفة «دايلي ميل» البريطانيّة بأنّ دراسةً جديدة أظهرت أنّ حاستي السمع والشم عند الأم تتأثّران حين تعرف أنّ أولادها في محنة. وتُلقي هذه الدراسة الضوء على واحدةٍ من أعمق الروابط في الطبيعة: رابطة الأم بصغارها، وكيف تتحوّل هذه الرابطة إلى تغييراتٍ فيزيولوجيّة ملموسة تشحذ الحواسّ وتُعيد تشكيل الدماغ. وما يلفت النظر أنّ هذه الزيادة في حدّة الحواسّ لا تحدث بشكلٍ عشوائيّ، بل ترتبط تحديداً بلحظات الخطر والحاجة، ممّا يجعلها استجابةً ذكيّة موجّهة لا مجرّد تغييرٍ دائم. فالدماغ يوازن بدقّة بين الإفراط في اليقظة والراحة الضروريّة للأم، فيرفع حساسيّة الحواسّ عند الحاجة ثمّ يُعيدها إلى مستواها الطبيعيّ حين يزول المحفّز.

ما الذي رصدته الدراسة؟

راقب العلماء كيف تُسهم التغيّرات التي تطرأ على أدمغة النساء خلال الحمل في تطوير غريزة الأمومة لديهنّ، وميلهنّ إلى بذل المستحيل لحماية صغارهنّ. وتبيّن أنّ حاستي الشم والسمع تتغيّران في الدماغ، وهو ما اعتبروه طريقةً طبيعيّة لضمان قدرة الأم على رعاية أولادها. ويُشار إلى أنّ الدراسة أُجريت على الفئران لا على البشر، حيث تُقدّم الفئران نموذجاً مخبريّاً مفيداً لدراسة الدوائر العصبيّة المرتبطة بالسلوك الأموميّ.

منهجية البحث

قام فريق البحث بدراسةٍ على مجموعات مختلفة من الفئران: فئران طبيعيّة، وأخرى تفاعلت مع صغارها، وثالثة أنجبت مؤخّراً وما زالت تُرضع. ودقّقوا في ردّة فعل الفأرة الأنثى تجاه رائحة صغارها قبل التدقيق في ردّة فعل أدمغتها تجاه أصوات الصغار. ومن خلال مقارنة استجابات هذه المجموعات، استطاع الباحثون أن يرصدوا الفروق الدقيقة في معالجة الدماغ للمحفّزات السمعيّة والشمّية بين الأمّهات وغير الأمّهات.

ماذا قال الباحثون؟

قال المُعدّ الرئيسيّ للدراسة الدكتور دي ميزراحي إنّ النتائج تشير إلى أنّ الأمومة مرتبطة بما يُعرف بعملية فهم ما يمرّ في الحواسّ في منطقةٍ معيّنة بالدماغ. وأضاف: «نحن نعرف أنّ تغيّراتٍ محددة في الدماغ مرتبطة بالأمومة، لكنّ تأثير هذه التغيّرات على الحواسّ وتصرّفات الأم ما زالت غير معروفة».

وتابع أنّه «عند الفئران تلعب الإشارات السمعيّة والمتعلّقة بالشم دوراً كبيراً في التواصل بين الأم والصغار». وختم بالقول: «أظهرنا أنّ الأمومة مرتبطة بالتفاعل السريع والقويّ لحاستي الشم والسمع عند التعرّض لمحفّزٍ معيّن حين يتعرّض الصغار لخطر».

كيف يُعيد الدماغ تشكيل نفسه مع الأمومة؟

تُعدّ مرونة الدماغ — أو قدرته على إعادة تنظيم دوائره العصبيّة استجابةً للتجارب والهرمونات — من أبرز المفاهيم التي تفسّر هذه الظاهرة. فخلال الحمل وبعد الولادة، ترتفع مستويات هرموناتٍ مثل الأوكسيتوسين والبرولاكتين، وهي هرمونات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلوك الأموميّ والارتباط العاطفيّ بالصغار. وتعمل هذه الهرمونات على تعديل طريقة معالجة الدماغ للإشارات الحسّية، فتجعل الأم أكثر حساسية لأصوات صغارها وروائحهم وأسرع استجابةً لإشارات الاستغاثة.

دور القشرة السمعيّة والشمّية

تُظهر الأبحاث أنّ المناطق الدماغيّة المسؤولة عن معالجة الأصوات والروائح تُصبح أكثر كفاءة ودقّة لدى الأمّهات. فالقشرة السمعيّة تتعلّم أن تُميّز صوت صغيرها المستغيث وسط ضجيجٍ كثير، والدوائر الشمّية تربط رائحة الصغير بالمكافأة والارتباط، ممّا يدفع الأم إلى التوجّه نحوه فوراً. وهذا يفسّر القدرة المدهشة للأمّهات على تمييز بكاء أطفالهنّ من بين أصوات أطفالٍ آخرين.

هل ينطبق ذلك على البشر؟

من المهمّ التأكيد على أنّ هذه الدراسة أُجريت على الفئران، وليس من الدقّة العلميّة إسقاط نتائجها حرفيّاً على البشر. لكنّ الفئران تُشارك الإنسان في كثيرٍ من الآليات العصبيّة والهرمونيّة الأساسيّة، لذلك تُعدّ هذه النتائج مدخلاً مفيداً لفهم الأساس البيولوجيّ لغريزة الأمومة. وتتوافق هذه النتائج مع ملاحظاتٍ شائعة عن الأمّهات اللواتي يستيقظن من النوم عند أخفّ أنينٍ لصغارهنّ، ويشعرن بتغيّراتٍ دقيقة في حالة الطفل قبل أن تظهر علاماتها الواضحة.

تجارب موازية تدعم النتائج

لا تقف هذه الدراسة وحيدةً، بل تتسق مع سلسلةٍ من الأبحاث التي تناولت التغيّرات العصبيّة المرتبطة بالأمومة. فقد تبيّن في دراسات أخرى أنّ دماغ الأم يمرّ بإعادةٍ منظّمة في مناطق العاطفة والمكافأة والتخطيط، وأنّ هذه التغيّرات قد تستمرّ لسنواتٍ طويلة بعد الولادة. وما يميّز دراسة الدكتور ميزراحي أنّها ركّزت تحديداً على الحواسّ — السمع والشم — وهي القناة الأولى التي يتلقّى من خلالها الدماغ إشارات الاستغاثة من الصغار.

الأثر العمليّ لفهم هذه الآلية

إنّ فهم الأساس البيولوجيّ لغريزة الأمومة لا يحمل قيمةً معرفيّة فحسب، بل قد يفتح آفاقاً لفهم بعض الاضطرابات التي تطرأ على الأمّهات، مثل اكتئاب ما بعد الولادة. فحين نعرف كيف تعمل الدوائر العصبيّة الطبيعيّة للأمومة، يصبح من الممكن تحديد مواطن الخلل حين لا تعمل هذه الدوائر كما ينبغي، ومن ثمّ تقديم الدعم المناسب للأمّهات اللواتي يواجهن صعوبةً في تكوين الارتباط العاطفيّ مع مواليدهنّ. وهذا جانبٌ يُبرز أهميّة الأبحاث الأساسيّة في تحسين جودة حياة الأمّهات وأطفالهنّ.

غريزة الأمومة عبر الكائنات الحيّة

ليست حماية الأم لصغارها حكراً على الإنسان، بل هي سمةٌ تكاد تكون عامّة في مملكة الحيوان، من الطيور التي تُدافع عن أعشاشها بشراسة، إلى الثدييات التي تُخاطر بحياتها دون صغارها. وتوّفر هذه القاسم المشترك دليلاً على أنّ التطوّر قد رسّخ دوائر عصبيّة متشابهة تضمن استمرار الأنواع. وحين ندرس الفئران، فإنّنا نطّلع على نسخةٍ مُبسّطة من آليةٍ أوسع تربط الأم بصغارها عبر حواسّها، وهي آلية يُرجّح أن تكون أكثر تعقيداً وثراءً لدى الإنسان.

البُعد الإنسانيّ لغريزة الأمومة

تتجاوز دلالة هذه الدراسة حدود المختبر، إذ تُقدّم تفسيراً علميّاً لما لطالما لاحظه الناس في أمّهاتهم: اليقظة الدائمة، والقدرة على استشعار الخطر، والاستجابة الفوريّة لأيّ تهديد يطال الأبناء. فما كان يُوصف بالحدس أو «الإحساس السادس» لدى الأم يجد اليوم تفسيراً في التغييرات العصبيّة والهرمونيّة التي تطرأ على دماغها. إنّها ليست معجزةً غامضة، بل آلية دقيقة نحتتها الطبيعة لضمان بقاء النوع وحماية الأجيال القادمة.

خلاصة

تُذكّرنا هذه الدراسة بأنّ حبّ الأم لم يعد مجرّد عاطفةٍ مجرّدة، بل هو منظومةٌ بيولوجيّة متكاملة تُعيد الطبيعة تشكيل دماغ الأم وحواسّها خدمةً لحماية صغارها. فحين يكون الطفل في محنة، تتحوّل حواسّ الأم إلى أدواتٍ حادّة ترصد أدقّ الإشارات، وتدفعها إلى الاستجابة دون تردّد. إنّه وجهٌ آخر من أوجه عظمة الأمومة التي لا تزال تكشف أسرارها أمام العلم يوماً بعد يوم. وما يزيد هذه الحقيقة روعةً أنّ الطبيعة لم تترك رعاية الأبناء للصدفة، بل زوّدت الأم بمنظومة إنذارٍ مبكّر تعمل على مدار الساعة، تجعلها أوّل من يلتقط إشارة الاستغاثة وأسرع من يهبّ للنجدة. ومهما تقدّمت الأبحاث، تبقى الأمومة مزيجاً فريداً من العاطفة والبيولوجيا، يستحقّ التقدير والإجلال.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !