ثمة وجعٌ لا يحتاج إلى شرح كي يصل، يكفي أن يُقال بصوتٍ متهدّج فيفهمه كل من ذاق شيئاً منه. هذا ما تفعله قصيدة «آه من الظلم آه» للكاتبة هبة محمد، فهي ليست بحثاً في أخلاقيات الظلم ولا موعظةً منبرية، بل شكوى إنسان أنهكه أن يُجرَح ممن أحبّ، وأن يرى الأقربين يتحولون إلى أغراب. ونحن في هذه الصفحة ننشر النص كما كتبته صاحبته، ثم نقف عنده وقفة قارئ يحاول أن يفهم لماذا تهزّ هذه الكلمات البسيطة قلوب آلاف القراء.
الصورة المرفقة تلخّص المعنى قبل الكلام: كفٌّ مفتوحة تضغط على زجاج بارد، ووجهٌ غائم خلفها لا تكاد تتبين ملامحه. هكذا يبدو المظلوم في لحظته الأولى؛ يرى الناس ويسمعهم، لكن بينه وبينهم حائلٌ لا يُرى ولا يُكسر. وهذا بالضبط ما تحاول القصيدة أن تصرخ به.
نص القصيدة كما كتبتها هبة محمد
مع تحيات: هبة محمد
لماذا يوجع ظلم القريب أكثر من ظلم الغريب؟
تبدأ القصيدة من نقطة حساسة جداً: «كانوا أحبة وأصحاب وغدوا اليوم أغراب». الجرح هنا ليس مصدره قوة الظالم، بل قربه. فالغريب إذا أساء إليك وجدت لنفسك عزاءً سريعاً؛ فهو لا يعرفك ولا يعرف قدرك، أما القريب فقد أُعطي مفاتيح بيتك وقلبك، وحين يسيء فإنه يسيء بسلاح صنعته له أنت بيديك. وهذا هو الفرق بين الأذى العابر والخيانة: الأذى يخدش الجلد، والخيانة تفكّ الثقة من أساسها فتجعل صاحبها يشكّ في حكمه على الناس كلهم.
من الأنس إلى الغربة
أشد ما يخلّفه غدر القريب أنه يحوّل الأماكن نفسها إلى غرف باردة. مجلسٌ كنت تنتظره صار عبئاً، ورقم هاتف كان يفرحك صار يقبض صدرك. القصيدة تسمّي هذا التحول بكلمة واحدة: «أغراب». والغربة التي تقصدها ليست غربة الأوطان، بل غربة الإنسان بين أهله وهو جالس بينهم، وهي أثقل الغربتين لأنها لا تفسّر لأحد ولا تُشفى بعودة.
حين تتحول الذكريات إلى رماد
«نسوا أحلى الذكريات، صارت عندهم رماد» صورة دقيقة نفسياً. فالذاكرة عادة ملجأ، لكن بعد الغدر تصبح مصدراً للألم؛ لأن كل ذكرى جميلة تحمل معها سؤالاً موجعاً: أكان صادقاً حينها أم كان يمثّل؟ ولذلك يميل المجروح إلى إحراق ماضيه كله بدلاً من مراجعته، وهذه خسارة مزدوجة: خسر الصاحب وخسر بعد ذلك سنينه الحلوة معه. والأنضج أن يُحفظ الجميل جميلاً وإن انتهى، فلا يُنكر المرء خيراً كان، ولا يُبرّر شراً وقع.
أسئلة القصيدة الأربعة
في المقطع الثاني تنتقل الكاتبة من الشكوى الخاصة إلى سؤال عام، فتطرح أربعة أسئلة متتابعة تشكّل في الحقيقة ميزاناً لأي مجتمع: أين صحوة الضمير؟ وأين العطف على الصغير؟ وأين الرحمة بالفقير؟ وأين هيبة الكبير؟ وليس اختيار هذه الفئات عبثاً، فهي الفئات التي لا تملك أن تدفع عن نفسها، وحال المجتمع تُقاس بأضعف أفراده لا بأقواهم.
العطف على الصغير
الطفل لا يجيد الشكوى، وأكثر ما يصيبه من قسوة يمرّ دون أن يسمّيه أحد ظلماً؛ كلمة جارحة أمام أقرانه، أو مقارنة دائمة بأخيه، أو تحميله من المسؤوليات ما لا يطيق. وهذه الجروح لا تظهر اليوم بل بعد سنين، في شكل شخصية خائفة أو قاسية. من هنا كان العطف على الصغير ليس فضلاً زائداً بل استثماراً في إنسان سويّ.
الرحمة بالفقير
الفقر في ذاته مصيبة، لكن أشد منه أن يُضاف إليه الاحتقار. كثير من الفقراء لا يشكون من قلة المال بقدر ما يشكون من نظرة الاستصغار ومن انتظار الشكر مقابل المعروف. والرحمة التي تدعو إليها القصيدة رحمةٌ تحفظ الكرامة قبل أن تعطي المال؛ عطاءٌ في السرّ، وكلمةٌ طيبة لا تُذكّر أحداً بحاجته.
هيبة الكبير
أما توقير الكبير فهو آخر ما يسقط في المجتمعات وأول ما يُفتقد عند سقوطه. الكبير خبرة وذاكرة وسندٌ معنوي، وحين يفقد مكانته تفقد الأسرة مرجعها، فيصير كل فرد فيها يتصرف بلا ميزان. والقصيدة تربط ذلك ربطاً ذكياً بنسيان الولد فضل أبيه ونسيان الأخ ودّ أخيه، فالبيت الذي تسقط فيه الحرمة يسهل أن يسقط فيه كل شيء بعدها.
القلوب اليابسة وسلطان المصالح
«حتى القلوب تيبست، والمصالح سيطرت» تشخيص للمرض لا وصف للأعراض. فالقسوة نادراً ما تولد كاملة، بل تُصنع على مراحل: موقفٌ نتغافل فيه عن حق، ثم تبريرٌ نطمئن به قلوبنا، ثم اعتيادٌ يجعل التجاوز طبيعياً. وعندما تصبح المصلحة هي المعيار الوحيد، تتحول العلاقات إلى عقود مؤقتة تُفسخ عند أول خسارة، فتتبعثر الأخوة وتخسر الصداقة كما تقول الكاتبة تماماً.
وثمّة ملاحظة تستحق الإنصاف: ليست كل مسافة بين الناس غدراً، فبعضها تعبٌ وضيق حال وانشغال، وبعضها سوء فهم لم يجد من يفكّه. ولذلك فإن حسن الظن وسؤال الغائب عن سبب غيابه يوفّران على القلب كثيراً من الأحكام المتعجلة. الظلم الحقيقي أن يُقصد الأذى، وهذا ما تعنيه القصيدة بقولها «كل واحد للثاني يحفر».
الدنيا فانية: خاتمة تعيد الميزان
ينتهي النص بمشهد لا يزيد على أسطر قليلة لكنه يقلب الصورة كلها: الإنسان مسافر، ومهما جمع فسيعود إلى حفرة ضيقة. وهذا ليس دعوة إلى اليأس من الدنيا، بل تصحيح لحسابات الظالم؛ فمن أدرك أن الرحلة قصيرة قلّ حرصه على أن يكسب موقفاً ويخسر إنساناً. وفي الوقت نفسه هو عزاء للمظلوم: أنّ ما يبدو اليوم ضياعاً للحق ليس نهاية القصة، وأنّ للأمور موعداً لا يتخلّف.
ماذا نفعل عملياً؟
قبل أن تظلم
ضع قاعدة بسيطة: لا تستخدم في خصومتك سلاحاً أعطاك إياه الودّ. السرّ الذي عرفته في زمن المحبة أمانة لا تسقط بالخلاف، والضعف الذي اطّلعت عليه ليس ورقة تُلعب. ثم تخيّل الموقف مقلوباً، فإن رفضته لنفسك فارفضه لغيرك؛ فهذا أصدق مقياس عرفه الناس للعدل.
إذا ظُلمت
افصل بين حقك وبين غضبك؛ اطلب الحق بالطرق التي تحفظ كرامتك، ولا تسمح للغضب أن يحوّلك إلى صورة أخرى من ظالمك. أَبعد نفسك عن مصدر الأذى بلا ضجيج، ولا تُشغل عمرك بمحاكمة الناس في مجالسك، فإن الشكوى الطويلة تُبقي الجرح مفتوحاً. واحفظ لقلبك بابين لا يُغلقان: باب الدعاء، وباب الأمل في أنّ في الناس خيراً كثيراً لم تلقه بعد.
وإذا كنت شاهداً
أخطر ما يجعل الظلم يتمدد هو صمت من رأى. كلمةُ إنصاف واحدة في مجلس، أو شهادةُ حق لا تخاف من عاقبتها، تكفي في كثير من الأحيان لإيقاف الأذى قبل أن يكبر. والساكت عن الظلم لا يبقى محيّداً طويلاً، فالمظالم لا تعرف حدوداً، ومن سلمت منه اليوم قد تصل إليه غداً.
هذا ما تقوله قصيدة قصيرة كتبتها فتاة بلغة قريبة من كلام الناس، دون تكلّف ولا صنعة. وربما هذا سرّ تأثيرها: أنها لم تحاول أن تكون أدباً رفيعاً، فكانت صدقاً، والصدق وحده يكفي ليصل الكلام إلى القلب.