يعد الورم الميلانيني من أخطر أنواع سرطان الجلد، وقد ظل لعقود طويلة من الأمراض التي يصعب علاجها في مراحلها المتقدمة. ولهذا استقبل الأطباء بحماسة ظهور أدوية جديدة تعتمد على تحفيز جهاز المناعة، وكان من أوائلها الدواء الذي يتناوله الخبر بعنوان أول دواء لسرطان الجلد بالأسواق، وهو الإيبيليموماب.
بعد عرض الخبر كما نشر في وقته، نقدم خلفية علمية عن سرطان الجلد وأنواعه، ونشرح فكرة العلاج المناعي ونقاط التفتيش المناعية التي يعمل عليها هذا الدواء، ونلقي نظرة عامة على تطور علاجات الميلانوما، ثم نتحدث عن عوامل الخطر وطرق الوقاية وعلامات الإنذار المبكر التي ينبغي لكل شخص معرفتها.
تفاصيل الخبر كما نشر

سرطان الجلد: الأنواع الرئيسية
سرطان الجلد من أكثر أنواع السرطان شيوعاً في العالم، خاصة في البلدان التي يكثر فيها أصحاب البشرة الفاتحة والتعرض للشمس. ويقسمه الأطباء إلى مجموعتين رئيسيتين:
- سرطانات الجلد غير الميلانينية: وأشهرها سرطان الخلايا القاعدية وسرطان الخلايا الحرشفية، وهي الأكثر شيوعاً، وغالباً ما تكون قابلة للعلاج عند اكتشافها مبكراً.
- الورم الميلانيني: ينشأ من الخلايا الصباغية المسؤولة عن إنتاج الميلانين الذي يمنح الجلد لونه، وهو أقل شيوعاً لكنه أكثر خطورة، لأنه قد ينتشر إلى أعضاء أخرى إذا لم يكتشف مبكراً.
عوامل الخطر
- التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية من الشمس أو أجهزة التسمير الصناعي.
- الحروق الشمسية المتكررة، خاصة في الطفولة.
- البشرة الفاتحة والشعر الأشقر أو الأحمر والعيون الفاتحة.
- كثرة الشامات أو وجود شامات غير نمطية.
- وجود تاريخ عائلي للإصابة بالميلانوما.
- ضعف المناعة لأسباب مرضية أو دوائية.
فكرة العلاج المناعي
يملك جهاز المناعة قدرة طبيعية على التعرف إلى الخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها، لكن الخلايا السرطانية تطور طرقاً للتهرب من هذه الرقابة. ويقوم العلاج المناعي على مساعدة جهاز المناعة على استعادة قدرته على مهاجمة السرطان، بدلاً من مهاجمة الورم مباشرة كما يفعل العلاج الكيميائي.
نقاط التفتيش المناعية
تحتوي الخلايا التائية، وهي من أهم خلايا المناعة، على بروتينات تعمل مثل المكابح، وظيفتها منع الاستجابة المناعية من أن تتجاوز حدها فتهاجم أنسجة الجسم السليمة، وتسمى نقاط التفتيش المناعية. ومن هذه المكابح بروتين يعرف باختصار CTLA-4. ويعمل الإيبيليموماب على حجب هذا البروتين، فيرفع المكابح عن الخلايا التائية، فتصبح أكثر نشاطاً في مهاجمة خلايا الورم. وقد كان من أوائل الأدوية التي أثبتت أن هذه الفكرة يمكن أن تطيل حياة بعض مرضى الميلانوما المتقدمة.
تقدير علمي عالمي
تقديراً لأهمية هذا الاتجاه، منحت جائزة نوبل في الطب لعام 2018 للعالمين الأمريكي جيمس أليسون والياباني تاسوكو هونجو، لأبحاثهما في تثبيط المكابح المناعية، وقد ارتبطت أبحاث أليسون ببروتين CTLA-4 الذي يستهدفه هذا الدواء، بينما ارتبطت أبحاث هونجو ببروتين آخر يعرف باختصار PD-1.
الآثار الجانبية للعلاج المناعي
لأن هذه الأدوية تزيد نشاط جهاز المناعة، فقد يهاجم أحياناً أنسجة سليمة في الجسم، فتظهر آثار جانبية مناعية قد تصيب الجلد أو الأمعاء أو الكبد أو الغدد الصماء أو أعضاء أخرى، كالطفح الجلدي والإسهال والتهاب القولون واضطرابات الغدة الدرقية. وتكون بعض هذه الآثار خفيفة، وبعضها قد يكون خطيراً ويحتاج إلى علاج سريع، ولذلك تعطى هذه الأدوية في مراكز متخصصة، ويتابع المرضى بدقة، ويطلب منهم إبلاغ الفريق الطبي عن أي عرض جديد.
تطور علاجات الميلانوما
يمثل الخبر لحظة مبكرة من مرحلة جديدة في علاج الميلانوما المتقدمة، إذ توالت بعد ذلك علاجات أخرى غيرت الصورة كثيراً، ومنها:
- مثبطات PD-1: وهي أدوية مناعية تستهدف مكبحاً آخر في الخلايا التائية، وصارت من العلاجات الأساسية في كثير من الحالات.
- العلاجات الموجهة: تستهدف طفرات جينية معينة في الورم، أشهرها طفرة جين BRAF التي توجد لدى نسبة من مرضى الميلانوما.
- العلاجات المركبة: كالجمع بين أكثر من دواء مناعي، أو بين علاجات موجهة، بحسب ما يقرره الأطباء لكل حالة.
ويحدد الطبيب المختص الخطة العلاجية المناسبة بحسب مرحلة المرض وخصائص الورم وحالة المريض، وتختلف الإتاحة والتكلفة من بلد لآخر.
مراحل الميلانوما وطرق التشخيص
يبدأ تشخيص الميلانوما عادة بفحص طبيب الجلدية للشامة المشتبه بها، وقد يستعين بجهاز تكبير خاص يسمى منظار الجلد. وإذا ظهرت علامات مريبة تؤخذ خزعة، أي عينة صغيرة من النسيج أو الشامة كاملة، وتفحص تحت المجهر لتأكيد التشخيص. ويحدد الأطباء مرحلة المرض بحسب سماكة الورم ووجود تقرح فيه، وما إذا كان قد انتشر إلى العقد اللمفاوية القريبة أو إلى أعضاء بعيدة.
العلاج بحسب المرحلة
في المراحل المبكرة يكون الاستئصال الجراحي للورم مع هامش من الجلد السليم هو العلاج الأساسي، وكثيراً ما يكون كافياً. أما في المراحل المتقدمة التي ينتشر فيها الورم، فيلجأ الأطباء إلى العلاجات المناعية أو الموجهة، وقد يستعملونها أحياناً بعد الجراحة لتقليل احتمال عودة المرض لدى المرضى المعرضين لذلك. كما قد يستخدم العلاج الإشعاعي في حالات معينة. ويقرر فريق متعدد التخصصات الخطة الأنسب لكل مريض.
الدعم النفسي للمرضى
لا يقتصر علاج السرطان على الأدوية، فالتشخيص نفسه قد يكون صدمة كبيرة للمريض وأسرته، ولذلك يحرص كثير من المراكز المتخصصة على تقديم الدعم النفسي والتثقيف الصحي ومجموعات الدعم التي تساعد المرضى على فهم مرضهم والتعامل مع آثار العلاج.
الوقاية والكشف المبكر
الحماية من الشمس
- تجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة وسط النهار.
- استخدام واقي الشمس واسع الطيف بعامل حماية مناسب، وإعادة وضعه بعد السباحة أو التعرق.
- ارتداء القبعات واسعة الحواف والنظارات الشمسية والملابس الواقية.
- تجنب أجهزة التسمير الصناعي.
- حماية الأطفال بشكل خاص من الحروق الشمسية.
قاعدة الحروف لفحص الشامات
يستخدم أطباء الجلدية قاعدة مبسطة لتذكر علامات الشامة المريبة، تعرف بالحروف الإنجليزية ABCDE، وتعني:
- عدم التناظر: أن يختلف نصفا الشامة في الشكل.
- الحواف: أن تكون الحواف غير منتظمة أو مسننة أو غير واضحة.
- اللون: أن تحتوي الشامة على أكثر من لون أو درجات غير متجانسة.
- القطر: أن تكون الشامة كبيرة نسبياً مقارنة بالشامات العادية.
- التطور: أن تتغير الشامة في الحجم أو الشكل أو اللون، أو تبدأ بالحكة أو النزف.
وأي شامة جديدة أو متغيرة تستدعي مراجعة طبيب الجلدية، لأن الكشف المبكر يجعل العلاج أسهل وأنجح بكثير.
أسئلة شائعة
هل يصيب سرطان الجلد أصحاب البشرة الداكنة؟
نعم، وإن كان أقل شيوعاً بينهم، وقد يظهر أحياناً في أماكن غير معرضة للشمس كباطن القدمين وراحتي اليدين وتحت الأظافر، ولذلك يُنصح بالانتباه لأي تغير في هذه المناطق.
هل العلاج المناعي مناسب لجميع المرضى؟
لا، فهو يختار بحسب نوع السرطان ومرحلته وحالة المريض الصحية، ويقرره الفريق الطبي المختص.
هل يكفي واقي الشمس للوقاية؟
هو وسيلة مهمة، لكنه يكون أكثر فاعلية مع تجنب شمس الظهيرة وارتداء الملابس الواقية والفحص الدوري للجلد.
خلاصة
كان الإيبيليموماب من أوائل العلاجات المناعية التي فتحت باباً جديداً أمام مرضى الميلانوما المتقدمة، معتمداً على رفع المكابح عن خلايا المناعة لتهاجم الورم، وقد تبعته علاجات مناعية وموجهة أخرى غيرت مسار علاج المرض. ويبقى الكشف المبكر والوقاية من الشمس أهم ما يستطيع كل شخص فعله لحماية جلده، مع مراجعة الطبيب عند ملاحظة أي تغير في الشامات.
.png)