حجاج يتبركون بشاخص عرفة بعد طلائه بالأسود

شاخص جبل الرحمة — علامة اتجاه أم فتنة؟

مع توافد حجاج بيت الله الحرام على المشاعر المقدسة في كل موسم حج، تتكرّر ظاهرة لافتة ومثيرة للجدل في آنٍ واحد: يتوجّه عدد من الحجاج القادمين من خارج المملكة العربية السعودية إلى قمة جبل الرحمة في مشعر عرفة، ويطوفون بالشاخص الموجود على قمته ظنّاً منهم أنّ له قدسية خاصة، ويتبرّكون به بالمسح والتقبيل والدعاء عنده. والمفارقة أنّ هذا الشاخص ليس مَعلَماً دينياً ولا أثراً نبوياً، بل هو مجرّد عمود حجري أُقيم حديثاً ليكون علامة يهتدي بها الناظرون لموقع الجبل. فكيف تحوّل حجر عادي إلى مزار يُطاف به؟ ولماذا يُجدَّد طلاؤه باللون الأسود رغم أنّ هذا اللون يزيد التباس الحجاج ويُشبههم بالكعبة المشرفة؟

حجاج بملابس الإحرام البيضاء حول شاخص أسود مرتفع على قمة جبل الرحمة بعرفة — صورة توضيحية لمقالة التبرّك بشاخص عرفة

ما هو شاخص جبل الرحمة؟

جبل الرحمة — ويُسمّى أيضاً جبل عرفة أو جبل إلال أو النابت — هو أكمة صغيرة تقع في شمال سهل عرفات، لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثين متراً تقريباً. وفي أعلاه أُقيم شاخص حجري بارتفاع نحو أربعة أمتار ليكون عَلَماً يُستدلّ به على موقع الجبل من بُعد، لا أكثر. وقد أنشئت حوله ساحة ودَرَج يُسهّلان الصعود إلى القمة، وعدد الدرجات نحو واحد وتسعين درجة.

الشاخص ليس أثراً نبوياً

لم يقف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند هذا الشاخص ولا دعا عنده، لأنّه لم يكن موجوداً في عهده. وإنّما وقف صلّى الله عليه وسلّم على الصخرات الكبار المفترشة في طرف الجبل، وقال قولته المشهورة: «وقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف». فالشاخص بُني لاحقاً كأداة تعيين لا كأداة تعبّد، وهو لا يحمل أيّة صفة شرعية.

متى بُني الشاخص؟

تُشير المصادر التاريخية إلى أنّ الشاخص أُقيم في عصور إسلامية متأخرة ليكون معلَماً مرورياً يُميّز الجبل وسط السهل الواسع. ولمّا كان الجبل صعب المرتقى، جُعلت الدرجات لتسهيل الصعود إليه. أمّا الطلاء بالأسود فقد أُضيف لاحقاً بهدف زيادة وضوح الشاخص عن بُعد، لكنّه — بغير قصد — أضفى عليه مظهراً شبهاً بالكعبة فأوهم بعض الحجاج بأنّه جزء من المناسك.

ماذا حدث في موسم الحج؟

مع قرب موسم الحج وتوافد الحجيج على مكة المكرمة، ذهب عدد من حجاج الخارج إلى مشعر عرفة لزيارة الشاخص، معتقدين أنّ له قدسية خاصّة وأنّ التبرّك به جزء من المناسك. وحاول أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقناع هؤلاء الحجاج صباح ذلك اليوم بعدم الطواف حول الشاخص، مستخدمين مترجمين بلغات متعدّدة لشرح الموقف.

ردّ الحجاج — سؤال محوري

حين قيل للحجاج إنّ هذا الشاخص لا قدسية له وإنّه حجر كغيره من الحجارة، كان ردّ بعضهم: «ولماذا لا تزيلونه إذاً؟» — وهو سؤال وجيه بطريقته، إذ يكشف أنّ مجرّد وجود الشاخص المُطلَى بالأسود وسط ساحة مُعدّة بعناية يُوحِي للقادم من بعيد بأنّه مكان تعبّد. فالشكل الخارجي يُسبق المعرفة الشرعية في وعي كثير من الحجاج غير المتعمّقين في أحكام الحج.

الجدل — هل يُزال الشاخص أم يُبقى؟

انقسمت الآراء حول مصير الشاخص إلى اتّجاهين:

اتّجاه الإزالة

طالب عدد من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإزالة الشاخص بحجّة أنّه أصبح فتنة يُسيء الحجاج فهمها، وأنّ بقاءه يُشجّع على التبرّك والتمسّح به، وهو ما يُنافي التوحيد الخالص الذي يقوم عليه الحج. وذكر هؤلاء أنّهم زاروا سماحة المفتي العام آنذاك وأطلعوه على ما يحصل من تجاوزات.

اتّجاه الإبقاء والتوعية

في المقابل، رأى عالمان بارزان أنّ الأفضل بقاء الشاخص مع التوعية الصحيحة. فالدكتور محمد النجيمي الأستاذ في المعهد العالي للقضاء قال: «التبرّك بالشاخص لم يقل به أحد من العلماء المسلمين المعتبرين، وإنّما يقوم به البعض عن جهل، وأرى أن لا تتمّ إزالته لأنّه يُحدث ردّة فعل عن العامّة، وأن يتمّ توعية الناس». أما الدكتور أحمد بناني عضو هيئة التدريس بجامعة أمّ القرى فأضاف: «أن لا تتمّ إزالة الشاخص لأنّه ذو تاريخ، فإن أزلته سوف يقوم البعض بعمل نفس الشيء في مكان آخر». وأكّد أنّ الحلّ في المراكز الإرشادية والمرشدين المختصين.

رأي المؤرّخين

أوضح الدكتور فواز الدهاس المشرف على المتحف بجامعة أمّ القرى والمتخصّص في تاريخ الجزيرة العربية أنّ جبل الرحمة يقع خارج حدود الحرم، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقف على الصخرات الكبار المفترشة في طرفه مستقبلاً القبلة. ورأى أنّ إزالة الآثار «وسيلة العاجز ضعيف الحجّة»، وأنّ الواجب إنشاء مراكز إرشادية مزوّدة بمرشدين يجمعون بين الثقافة التاريخية والثقافة الدينية «للتوجيه والإرشاد ودعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة».

الموقف الشرعي — ماذا يقول الإسلام؟

الإسلام واضح لا لبس فيه: لا يجوز التبرّك بحجر أو شاخص أو بناء مهما كان موقعه، لأنّ التبرّك لا يكون إلّا بالله تعالى أو بما شرعه الله تعالى من أماكن وأعمال. وقد أرشد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أنّ عرفة كلّها موقف، فلا فضل لمكان على مكان داخل حدود المشعر. وممّا يُؤكّد هذا أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يقف على قمة الجبل بل عند صخرات في سفحه، وقال: «كونوا على مشاعركم فإنّكم على إرث من إرث إبراهيم».

خير الدعاء يوم عرفة

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير». فالدعاء يوم عرفة مفتوح في أيّ بقعة من المشعر، ولا يتطلّب الوقوف عند مكان مُعيّن أو التمسّح بشاخص أو حجر.

لماذا يُساء فهم الشاخص؟ — أسباب نفسية وثقافية

ظاهرة التبرّك بالشاخص ليست حادثة عشوائية بل لها جذور نفسية وثقافية:

الحاجة إلى التجسيد المادي

كثير من البشر يحتاجون إلى رمز مادي يتعلّقون به في تجربتهم الروحية. فحين يرى الحاج عموداً أسود مُحاطاً بساحة ودَرَج وسط سهل فسيح، يميل فطرته إلى اعتباره مركزاً مقدّساً. والمشكلة أنّ الطلاء الأسود زاد من هذا التوهّم لأنّه يُشبه الكعبة في شكله العام.

غياب التوعية بلغات الحجاج

نسبة كبيرة من الحجاج لا يتحدّثون العربية، ومصادر المعرفة الشرعية لديهم محدودة. فهم يرون الشاخص فيتّبعون ما يفعله من سبقهم من الحجاج ظنّاً منهم أنّه تقليد صحيح. وهنا تبرز أهمّية المرشدين المترجمين الذين يشرحون باللغات المختلفة.

التبعية العمياء

الحاج الذي يرى آخرين يطوفون بالشاخص ويمسحونه يُقلّدهم تلقائياً، خاصّة في أجواء الحج المشحونة عاطفياً. والظاهرة تتوارث موسماً بعد موسم حتّى أصبحت عادة راسخة في أذهان فئات معيّنة من الحجاج.

تجاوزات أُخرى رُصدت على جبل الرحمة

التبرّك ليس التجاوز الوحيد؛ فقد رصدت تقارير المحتسبين عدّة مخالفات أخرى:

كتابة العبارات على الشاخص

يكتب بعض الحجاج أسماءهم وعبارات دعاء على جسم الشاخص تذكاراً أو تيمناً. وهذا تصرّف لا أصل له في الشرع، وإن كان بعض العلماء يُفرّق بين من يكتب عبارة كتذكار بحت وبين من يكتبها على سبيل التعظيم.

النفث والربط

رُصد أيضاً قيام بعض الحجاج بعقْد خيوط على الشاخص أو النفث عليه ترقّياً — أي طلباً للبركة أو دفعاً للعين — وهذه أفعال يُعدّها الشرع من السحر المحرّم.

الازدحام الخطير

الطواف حول الشاخص والتسابق للوصول إليه يُسبّب ازدحاماً شديداً قد يُعرّض حياة الحجاج للخطر، خاصّة كبار السنّ والنساء والأطفال في أماكن مرتفعة وغير مُهيّأة للزحام.

الحلول المُقترحة

تعاملت السلطات السعودية مع الموضوع على أكثر من صعيد:

لوحات إرشادية بلغات متعدّدة

نُصبت لوحات تحذيرية قرب الشاخص تخطر الحجاج بأنّه ليس مكان تعبّد، وأنّ عرفة كلّها موقف. هذه اللوحات تُكتب بعدّة لغات منها الأردية والبِنغالية والماليزية والتركية والإنجليزية إلى جانب العربية.

فرق توعية ميدانية

تنزّل فرق من الهيئة العامة للإرشاد والعناية بشؤون الترشيح والإرشاد — كما تُسمّى اليوم — إلى الموقع بمترجمين بلغات الحجاج الرئيسة لتوجيههم مباشرة ومنعهم من الطواف أو التمسّح.

التوعية الرقمية

بثّت السلطات رسائل توعوية عبر منصّات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الحج الرسمية قبل موسم الحج بوقت كاف، حتى يصل المعلومة إلى الحاج قبل أن يغادر بلده.

الخلاصة — بين حفظ العقيدة وحفظ التاريخ

قضية شاخص جبل الرحمة تطرح معادلة صعبة: كيف نحافظ على صفاء العقيدة دون أن نُدمّر آثارنا التاريخية؟ الإجابة التي يُرجّحها أغلب العلماء هي أنّ الحلّ ليس في الهدم والإزالة بل في التوعية والتوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة. الشاخص بحجمه ولونه وموقعه قد يُسهم في التباس الحجاج، لكنّ حله ليس في إخفائه بل في شرحه. والحجّ نفسه مدرسة تعليمية كبرى إن أُحسن استثمارها؛ ففي كلّ ركن من أركانه فرصة لتعميق الفهم الصحيح للتوحيد، وفي كلّ توجيه يُبعد حاجاً عن شرك ويُقرّبه من إخلاص، غاية مُرضية لله تعالى.

🧭 تنتمي هذه المقالة إلى سلسلة معرفية تبدأ من:

📚 للاستزادة: تصفّح المزيد في قسم غرائب الشعوب

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !