عبد بأي حال عدت يا عيد

تعد قصيدة عيد بأية حال عدت يا عيد من أشهر قصائد أبي الطيب المتنبي، بل من أشهر ما قيل في الشعر العربي عن العيد، إذ تحول مطلعها إلى عبارة يرددها الناس كلما جاء العيد وهم في حال من الحزن أو الغربة أو خيبة الأمل.

في هذا المقال نتعرف على المتنبي وسيرته، والظروف التي قيلت فيها القصيدة في مصر في ظل كافور الإخشيدي، ونحلل موضوعاتها ومعانيها وخصائصها الفنية، ونتأمل سبب بقاء مطلعها حياً في الذاكرة العربية، مع الإشارة إلى الجدل الأخلاقي والنقدي حول هجائها اللاذع.

نص قصيدة عيد بأية حال عدت يا عيد

أبو الطيب المتنبي صاحب قصيدة عيد بأي حال عدت يا عيد

يا عيد بأي حال عدت يا عيد من اجمل قصائد المتنبي والتي اشترت في ذكر عدم التغيير في اي شيء ، وأن العيد قد جاء بما لا يسر ولا يرضي.


عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ 
بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ 


أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ 
فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ 


لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا 
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ 


وَكَانَ أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَةً 
أشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الغِيدُ الأمَاليدُ 


لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي 
شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ 


يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما 
أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟ 


أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني 
هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ 


إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً 
وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ 


ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ 
أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ 


أمْسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيَداً 
أنَا الغَنيّ وَأمْوَالي المَوَاعِيدُ 


إنّي نَزَلْتُ بكَذّابِينَ، ضَيْفُهُمُ 
عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ 


جودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ 
منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ 


ما يَقبضُ المَوْتُ نَفساً من نفوسِهِمُ 
إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ 


أكُلّمَا اغتَالَ عَبدُ السّوْءِ سَيّدَهُ 
أوْ خَانَهُ فَلَهُ في مصرَ تَمْهِيدُ 


صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَا 
فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ 


نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها 
فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ 


العَبْدُ لَيْسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بأخٍ 
لَوْ أنّهُ في ثِيَابِ الحُرّ مَوْلُودُ 


لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ 
إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ 


ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ 
يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْمُودُ 


ولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُقِدوا 
وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُ 


وَأنّ ذا الأسْوَدَ المَثْقُوبَ مَشْفَرُهُ 
تُطيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرّعاديد 


جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِكني 
لكَيْ يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْصُودُ 


وَيْلُمِّهَا خُطّةً وَيْلُمِّ قَابِلِهَا 
لِمِثْلِها خُلِقَ المَهْرِيّةُ القُودُ 


وَعِنْدَها لَذّ طَعْمَ المَوْتِ شَارِبُهُ 
إنّ المَنِيّةَ عِنْدَ الذّلّ قِنْديدُ 


مَنْ عَلّمَ الأسْوَدَ المَخصِيّ مكرُمَةً 
أقَوْمُهُ البِيضُ أمْ آبَاؤهُ الصِّيدُ 


أمْ أُذْنُهُ في يَدِ النّخّاسِ دامِيَةً 
أمْ قَدْرُهُ وَهْوَ بالفِلْسَينِ مَرْدودُ 


أوْلى اللّئَامِ كُوَيْفِيرٌ بمَعْذِرَةٍ 
في كلّ لُؤمٍ، وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ 


وَذاكَ أنّ الفُحُولَ البِيضَ عاجِزَةٌ 
عنِ الجَميلِ فكَيفَ الخِصْيةُ السّودُ؟

المتنبي: شاعر العربية الأكبر

هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، ولد في الكوفة في أوائل القرن الرابع الهجري، ونشأ في بيئة متواضعة، لكنه أظهر موهبة شعرية مبكرة وطموحاً كبيراً. وتنقل في شبابه بين البادية والمدن، وقيل إنه لقب بالمتنبي لادعاء نسب إليه في شبابه، وتختلف الروايات في ذلك. ويعده كثير من النقاد والقراء أعظم شعراء العربية، لما في شعره من حكمة وقوة وفخر وعمق في التعبير عن النفس الإنسانية.

في بلاط سيف الدولة

بلغ المتنبي قمة مجده في حلب في بلاط الأمير الحمداني سيف الدولة، فقد مدحه بقصائد خالدة، ووصف معاركه مع الروم، وعاش في كنفه سنوات. ثم ساءت العلاقة بينهما بسبب وشايات الحاسدين ومنافسة الشعراء والعلماء في البلاط، فغادر حلب متجهاً إلى مصر.

المتنبي في مصر وكافور الإخشيدي

وصل المتنبي إلى مصر حيث كان الحكم الفعلي بيد كافور الإخشيدي، وهو عبد أسود الأصل ترقى في السلطة حتى صار حاكم البلاد. ومدحه المتنبي بقصائد عدة، وكان يطمع في أن يوليه ولاية أو منصباً يحقق طموحه السياسي، لكن كافوراً لم يحقق له ما أراد. فتحول الأمل إلى خيبة، وقرر المتنبي مغادرة مصر سراً، وتذكر المصادر أنه نظم هذه القصيدة قبيل رحيله، في يوم عيد الأضحى، فكانت وداعاً مريراً وهجاء لاذعاً لكافور.

موضوعات القصيدة

الحنين والغربة

يبدأ المتنبي بمخاطبة العيد متسائلاً عن الحال التي عاد بها، هل جاء بما مضى أم بشيء جديد، ثم يذكر أن أحبته بعيدون عنه تفصله عنهم الصحارى. وهذه البداية تعبر عن شعور الغريب الذي يمر عليه العيد وهو بعيد عن أهله وأحبابه، فلا يجد فيه بهجة.

الطموح والمعاناة

يتحدث الشاعر عن أن طموحه إلى المعالي هو الذي دفعه إلى الأسفار الطويلة على النوق والخيل، وأنه لم يعد يجد في ملذات الحياة ما يحرك قلبه، حتى يتساءل هل هو صخرة لا تحركه الخمر ولا الأغاني. وهي صورة لنفس أثقلها الهم وخيبة الأمل.

الهجاء

ينتقل المتنبي بعد ذلك إلى هجاء كافور وأهل مصر في زمنه بأسلوب لاذع شديد القسوة، ويعبر عن ندمه على مدحه، ويصور نفسه أسيراً في بلد لا يقدره. ويعد هذا الجزء من أشد ما قيل في الهجاء العربي، لكنه يتضمن عبارات عنصرية تجاه لون كافور وأصله، ينتقدها كثير من الباحثين المعاصرين بوصفها انعكاساً لأحكام زمنه، ولا تتفق مع القيم الإنسانية والإسلامية التي ترفض التفاضل باللون والأصل.

الخصائص الفنية للقصيدة

  • البحر: نظمت على البحر البسيط، بقافية دالية مضمومة تمنحها نغمة حزينة متصلة.
  • المطلع: يعد من أبرع مطالع الشعر العربي، لأنه يبدأ بسؤال يحمل الحيرة والحسرة.
  • الحكمة: تتخلل القصيدة أبيات حكمة عن الدنيا والناس، كقوله إن من عجائب ما لقيه أنه محسود على ما يشكو منه.
  • التصوير: تكثر فيها الصور المعبرة عن الغربة والوحشة والأسر.
  • المفارقة: يقابل بين ما يفترض أن يحمله العيد من فرح وما يعيشه الشاعر من ألم.

لماذا بقي مطلع القصيدة حياً؟

تجاوز مطلع القصيدة سياقه التاريخي، وأصبح عبارة يستعملها العرب في مناسبات كثيرة للتعبير عن مجيء العيد في ظروف صعبة، كالحروب والأزمات والغربة وفقد الأحبة. ويرجع ذلك إلى بساطة العبارة وعمقها في آن واحد، وإلى أنها تلخص شعوراً إنسانياً عاماً: أن الأعياد تعود كل عام، لكن الإنسان قد لا يكون في حال تسمح له بالفرح. وكثيراً ما تستعمل العبارة في عناوين المقالات والصحف ووسائل التواصل في المواسم الصعبة.

نهاية المتنبي

بعد مغادرة مصر تنقل المتنبي في العراق وبلاد فارس، ومدح بعض الأمراء هناك، ثم قتل في طريق عودته إلى بغداد قرب دير العاقول سنة أربع وخمسين وثلاثمئة للهجرة، على يد فاتك الأسدي وجماعته في رواية مشهورة، وتذكر الروايات أن ذلك كان انتقاماً لهجاء قاله في أحد أقاربه. وتتناقل كتب الأدب قصة تقول إنه هم بالفرار فذكره غلامه ببيت من شعره في الفروسية، فعاد فقاتل حتى قتل، وهي رواية يتداولها الأدباء وإن كان بعض الباحثين يتحفظون على تفاصيلها.

المتنبي في عيون النقاد

شغل المتنبي النقاد والأدباء في حياته وبعد موته كما لم يشغلهم شاعر آخر، فانقسموا بين معجب يرى فيه قمة الشعر العربي، وخصم يتتبع ما يعده أخطاء لغوية أو سرقات شعرية. وقد ألفت حول شعره كتب كثيرة، من أشهرها كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، الذي حاول فيه أن يقف موقفاً منصفاً بين المادحين والقادحين. كما شرح ديوانه علماء كبار، من أبرزهم ابن جني الذي كان معاصراً له، وأبو العلاء المعري الذي عرف بإعجابه الشديد به، وشراح آخرون على مر القرون.

موضوعات شعره الكبرى

  • الفخر بالنفس والاعتداد بالذات، وهو من أبرز سمات شعره.
  • المديح، خاصة في سيف الدولة، حيث امتزج المدح بوصف المعارك.
  • الحكمة والتأمل في الدنيا والناس والزمن، وقد صارت أبيات كثيرة منه أمثالاً سائرة.
  • الهجاء اللاذع، كما في قصائده في كافور.
  • الرثاء، ومن أشهره رثاؤه لجدته ولأم سيف الدولة.

ولا يكاد يمر يوم في الحياة العربية المعاصرة دون أن يستشهد أحد ببيت من شعر المتنبي في خطبة أو مقال أو حديث عابر، وهو ما يعكس عمق حضوره في الوجدان العربي.

وقد أصبحت أبياته مادة ثابتة في المناهج الدراسية العربية، يحفظها الطلاب ويتدربون على تحليلها، ويستلهمها الشعراء المعاصرون في قصائدهم.

ويرى بعض الدارسين أن سر خلوده يكمن في صدقه في التعبير عن ذاته وطموحاته وآلامه.

أسئلة شائعة

متى قال المتنبي قصيدة عيد بأية حال؟

تذكر المصادر أنه قالها في مصر قبيل رحيله عنها في يوم عيد الأضحى، بعد أن خاب أمله في كافور الإخشيدي.

على أي بحر نظمت القصيدة؟

نظمت على البحر البسيط، وقافيتها دالية مضمومة.

من هو كافور الإخشيدي؟

حاكم مصر في عهد الدولة الإخشيدية، وكان في أصله عبداً ثم ترقى حتى تولى الحكم، ومدحه المتنبي ثم هجاه.

خلاصة

قصيدة عيد بأية حال عدت يا عيد صرخة شاعر غريب خاب أمله، جمع فيها الحنين والحكمة والهجاء في نسيج فني قوي. وقد بقي مطلعها حياً في الوجدان العربي لأنه يعبر عن تجربة إنسانية متكررة، بينما يبقى هجاؤها اللاذع موضع نقد لما فيه من أحكام قائمة على اللون والأصل، مما يدعو إلى قراءة التراث قراءة واعية تقدر جماله الفني وتنقد ما فيه من أخطاء عصره.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !