مطعم تايواني داخل سيارة: قصة مطعم بي. أس. بو بو الذي يأكل زواره داخل سيارات كلاسيكية
قد لا يكون تناول الطعام داخل السيارة تجربة مريحة في العادة، فالأطباق المحدودة والضجيج والأكل السريع كلها عوامل تجعلها نشاطًا عاديًا لا يُذكر، لكن أن تدخل مطعمًا فتجد أن مقاعد الطعام هي سيارات كلاسيكية فاخرة من حقبة الستينيات، وأن بإمكانك أن تغلق باب السيارة وتطلب وجبتك وأنت جالس خلف مقود سيارة أستن مارتن أو فولكسفاغن بيتل أو كاديلاك، فهذه تجربة من نوع آخر تمامًا، وهذا هو ما يقدّمه مطعم غريب فريد في قلب العاصمة التايوانية تايبيه يحمل اسم بي. أس. بو بو، والذي تحوّل من فكرة عاشقين للسيارات القديمة إلى واحد من أشهر المطاعم ذات الطابع الخاص في العالم.
قصة إنشاء المطعم: من هواية إلى مشروع
يعود تاريخ هذا المطعم إلى عام 1999م، حين قرر صديقان يُدعَيان بوني وشون، وهما من عشاق السيارات الكلاسيكية، أن يحوّلا شغفهما إلى مكان يجمع بين حب السيارات القديمة ومتعة الأكل. لم يكن الهدف في البداية افتتاح مطعم تقليدي يقدّم طعامًا جيدًا فحسب، بل بناء فضاء يحمل روح حقبة الستينيات ويجعل الزائر يشعر وكأنه عاد بالزمن إلى الوراء. وبالفعل، بدأ الرجلان في جمع السيارات الكلاسيكية النادرة وترميمها وتجهيزها لتصبح مقاعد أكل فريدة، وفتحا أبواب المطعم في حي شيلين بتاييبيه ليكون وجهة لكل من يبحث عن تجربة تناول طعام مختلفة عن أي مكان آخر.
انعكس عشق صاحبي المطعم بالسيارات على كل تفصيلة من تفاصيل المكان، فلم يكتفيا بوضع السيارات داخل المطعم، بل امتدّ التصميم ليشمل مقابض الباب الرئيسي التي صُنعت على شكل مقود سيارة، وقائمة الطعام التي جاءت على شكل لوح ترخيص سيارة، وعلى الجدران عُلّقت تراخيص سيارات أمريكية حقيقية ولافتات طرقات وعلامات مرور وعدادات مواقف سيارات، جُلبت من أسواق بيع الأشياء المستعملة في الولايات المتحدة الأمريكية. وكلها تفاصيل تمنح المكان أجواء أمريكية أصيلة من حقبة منتصف القرن العشرين.
السيارات الكلاسيكية: طاولات طعام بلا مثيل
السمة الأبرز في مطعم بي أس بو بو هي السيارات الحقيقية التي تحوّلت إلى طاولات طعام. ففي صالة المطعم المصطفّة، تجد سيارات كلاسيكية ملونة بألوان زاهية ونابضة بالحياة، من أشهر طرازات القرن العشرين، مثل سيارة أستن مارتن، وميني كوبر، وفولكسفاغن بيتل الشهيرة، وكاديلاك سيكستوس ألفين 1963، وشيفورليه بيل إير 1955، وغيرها. بعض هذه السيارات بقُطع نصفين لتحوّل إلى مقاعد طويلة أو بار للجلوس، وبعضها الآخر بقي كما هو بكامله، حيث وُضعت طاولة صغيرة في المنتصف، فيدخل الزائر السيارة ويغلق الباب خلفه ويتناول طعامه في خصوصية وأناقة.
ولعلّ أكثر السيارات إثارة للزوار هي السيارة الوردية من طراز ميني أستن، التي اكتسبت شهرة واسعة بعد أن ظهرت في حلقة من المسلسل التايواني الشهير ميتيور غاردن لعام 2001م، حيث أقبل عليها آلاف المعجبين بالمسلسل من مختلف أنحاء آسيا وحتى من خارجها، وكلّهم يرغبون في الجلوس في المقعد ذاته الذي جلس فيه بطل المسلسل داومينغ سي مع شانكاي في مشهد الموعد الأول الشهير. وما يزال المطعم يحتفظ بهذه السيارة الوردية في مكان بارز في المنتصف، وقد حافظ عليها صاحباه بحالة ممتازة على مدى أكثر من عقدين كاملين.
كيف تُحوَّل السيارة إلى طاولة طعام؟
عملية تحويل السيارة إلى مقعد طعام ليست بسيطة كما قد يتخيّل المرء. فقد قام صاحبا المطعم بقص بعض السيارات بالطول لتحويلها إلى مقاعد مفتوحة تشبه البار، يمكن لعدة أشخاص الجلوس على جانب واحد منها في آن واحد. أما السيارات التي بقيت كاملة فقد نُزع منها ما يُعيق الراحة من الداخل، ورُكّبت طاولة صغيرة قابلة للطيّ بين المقعد الأمامي والمقعد الخلفي، بحيث يجلس الزائر في المقعد الخلفي ويضع الطعام على الطاولة. وعند الانتهاء يمكن طيّ الطاولة لفتح المجال للخروج بسهولة. وأما ما تبقّى من أجزاء السيارات المقطوعة فقد استُخدم في تزيين جدران المطعم وأركانه، فكل قطعة لها مكانها في هذه المجموعة المتحفية المؤقتة.
المأكولات والقائمة: غربيّة بطعم تايواني
رغم أنّ معظم الزوار يأتون إلى مطعم بي أس بو بو بسبب الديكور الفريد أكثر من الطعام نفسه، فإنّ المطعم يقدّم قائمة متنوعة تجمع بين المأكولات الأمريكية والإيطالية والمأكولات البحرية إلى جانب أطباق محلية تايوانية معدّلة لتناسب الذوق المحلي. ومن بين أشهر ما يقدّمه: البرغر الكلاسيكي الأمريكي، والبيتزا، والمأكولات البحرية المشوية، إلى جانب مشروبات مثل القهوة الأمريكية والعصائر الطازجة. وقد أشار بعض الزوار على منصات التقييم إلى أنّ الأسعار مرتفعة نوعًا ما مقارنة بالمطاعم المماثلة في تايبيه، وأنّ الطعام ليس هو العنصر الأساسي الذي يجذب الناس، بل التجربة بأكملها.
ولعلّ من أجمل ما في القائمة أنها مصممة على شكل لوح ترخيص سيارة أمريكية، فحتى اختيارك لطبقك يمرّ عبر تجربة سيارات حقيقية، من الطلب إلى التناول.
شهرة عابرة للحدود: من مطعم محلي إلى أيقونة ثقافية
لم يظلّ مطعم بي أس بو بو مكانًا مجهولًا في حيّ من أحياء تايبيه، بل تحوّل مع مرور السنين إلى أيقونة ثقافية ومعلم سياحي يُدرج في أدلة السفر إلى تايوان. ففي عام 2012م انتشرت صور المطعم على نطاق واسع عبر الإنترنت، وتناولته الصحافة العربية في أكثر من مناسبة، من صحيفة الإمارات اليوم إلى جريدة الأنباء الكويتية وصحيفة اليوم السابع المصرية، كلّها وصفت المكان بأنه تجربة فريدة تستحق المشاهدة. وأشارت صحيفة السفير اللبنانية إلى أنّ فكرة تناول الطعام في سيارة كلاسيكية تكسر الصورة النمطية للأكل في السيارة وتحوّلها إلى متعة حقيقية.
أمّا على صعيد السياحة الشعبية فقد أصبح المطعم محجة لمعجبي المسلسل التايواني ميتيور غاردن، ذلك العمل الدرامي الذي اجتاح شاشات آسيا في مطلع الألفية وأصبح ظاهرة ثقافية بحدّ ذاته. ومشهد الموعد الغرامي بين داومينغ سي وشانكاي داخل السيارة الوردية تحوّل إلى واحد من أشهر مشاهد المسلسل، فكان أن بدأ المعجبون بالقادم من الفلبين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها ليزوروا هذا المطعم ويستنسخوا المشهد بأنفسهم. وما يزال صاحب المطعم يستقبل طلبات الحجز المسبق للسيارة الوردية حتى يومنا هذا.
المطاعم ذات الطابع الخاص: ظاهرة عالمية
مطعم بي أس بو بو ليس حالة معزولة في عالم المطاعم ذات الطابع الخاص، بل هو جزء من ظاهرة عالمية تتزايد بصورة ملحوظة. ففي أنحاء مختلفة من العالم تنتشر مطاعم تنافس بعضها في ابتكار بيئات أكل غير تقليدية تجعل من الوجبة حدثًا يتذكره الزائر طويلًا. من ذلك المطعم الموجود تحت سطح البحر في جزر المالديف والذي يسمح للزوار بمشاهدة الأسماك من حولهم وهم يتناولون طعامهم، ومطعم العشاء في السماء الذي يرفع الزوار بطاولة معلقة من رافعة إلى ارتفاع خمسين مترًا، ومطعم الكوارث في إسبانيا الذي يحاكي زلزالًا وهميًا أثناء الأكل، ومطعم الروبوتات في طوكيو الذي يقدّم عروضًا ضخمة لروبوتات عملاقة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية نجد مطعم فوردز غاراج الذي يستلهم الديكور من عالم السيارات ومصانعها، حيث يقدّم البرغر والبطاطس في أجواء تذكّرك بمحطة وقود ومركز صيانة سيارات من حقبة العشرينيات. وبالرغم من تنوع هذه المطاعم وأفكارها، يظلّ مطعم بي أس بو بو فريدًا في دمجه الفعلي بين السيارات الحقيقية وتجربة الأكل داخلها، لا مجرّد استخدام الإكسسوارات والملصقات.
لماذا تنجح هذه الأفكار؟
يكمن سرّ نجاح المطاعم ذات الطابع الخاص في أنها لا تبيع الطعام فحسب، بل تبيع تجربة وذاكرة. فالإنسان بطبعه يبحث عن الجديد والمثير، وحين يكون الأكل في حدّ ذاته روتينًا يوميًا مكرورًا، فإنّ تغيير البيئة والمكان يضفي على الوجبة بعدًا آخر تمامًا. والسيارات الكلاسيكية تحديدًا تمتلك سحرًا خاصًا؛ فهي تُذكّر بزمن أكثر بساطة ورومانسية، زمن الطرق المفتوحة والرحلات الطويلة والحرية المطلقة، وكلّها مشاعر ترغب في أن تعيشها ولو لساعة واحدة أثناء وجبة غداء.
كذلك تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في نجاح هذه المطاعم اليوم، فكلّ زائر يرغب في تصوير تجربته ومشاركتها، والمطعم الذي يقدّم مشهدًا بصريًا فريدًا يحصل تلقائيًا على آلاف الصور والمنشورات المجانية التي تروّج له. ومطعم بي أس بو بو من أكثر المطاعم التي يُصوَّر داخلها في تايبيه، ففي كلّ ركن تجد سيارة بلون مختلف وكلّ مقعد هو فرصة لصورة مميزة.
معلومات عملية لمن يرغب في الزيارة
يقع مطعم بي أس بو بو، والمعروف محليًا باسمه الصيني جينوو كانغتشي شيتانغ أي مخبأ الذهب للسيارات، في العنوان التالي: رقم واحد، زقاق مائة وأربعين، شارع تشونغشان الشمالي، القسم السابع، حي شيلين، تايبيه، تايوان. ويعمل المطعم يوميًا من الثانية عشرة ظهرًا حتى العاشرة مساءً، ولمن يرغب في الجلوس في السيارة الوردية الشهيرة يُنصح بالاتصال مسبقًا لحجز المقعد. ويمكن الوصول إليه عبر خط مترو الأنفاق الأحمر بالتوقف في محطة شيباي ثم ركوب الحافلة وغيرها من وسائل المواصلات المحلية.
وكلمة أخيرة لمن يفكّر في الزيارة: لا تذهب وأنت تتوقع وجبة فاخرة لا تُنسى، بل اذهب وأنت تتوقع تجربة بصريّة وفضائيّة لا تشبه أي مكان آخر، وعُد بصور ستبهرك كلّما نظرت إليها.

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)