القبة من أقدم العناصر المعمارية وأكثرها إبهاراً، فهي تمنح المبنى هيبة وفضاء داخلياً واسعاً، وتحمل معاني رمزية ترتبط بالسماء والخلود والسلطة. ويستعرض هذا المقال أشهر القبب في العالم من قبة الصخرة في القدس إلى تاج محل في الهند وكاتدرائيات أوروبا ومباني البرلمانات الحديثة.
وبعد القائمة الأصلية نتوسع في تاريخ فن بناء القباب، والتقنيات الهندسية التي مكنت المعماريين من رفعها، ومكانتها في العمارة الإسلامية، وأبرز أنواعها وموادها، مع إجابات عن أسئلة شائعة.
قائمة بأشهر القبب حول العالم
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
تاريخ القبة في العمارة
عرفت الحضارات القديمة أشكالاً بدائية من القباب في بيوت دائرية سقفت بالطين أو الحجارة المتراكبة، ثم تطورت القبة تطوراً كبيراً على يد الرومان الذين استخدموا الخرسانة وتقنية العقود. ويعد مبنى البانثيون في روما من أشهر نماذج العمارة الرومانية، إذ تعلوه قبة خرسانية ضخمة تتوسطها فتحة دائرية في القمة تسمح بدخول الضوء، وقد ظل المبنى قائماً قروناً طويلة وألهم المعماريين في عصور لاحقة.
العصر البيزنطي
طوّر البيزنطيون حلاً هندسياً مهماً يسمى المثلثات الكروية، وهي عناصر انتقالية تتيح إقامة قبة دائرية فوق قاعدة مربعة. وتعد آيا صوفيا في إسطنبول التي شيدت في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور جستنيان أبرز تطبيق لهذا الحل، فقبتها تبدو كأنها معلقة فوق صف من النوافذ يحيط بقاعدتها. وقد تحولت إلى مسجد بعد الفتح العثماني، ثم إلى متحف في القرن العشرين، قبل أن تعاد مسجداً مرة أخرى في السنوات الأخيرة.
القبة في العمارة الإسلامية
احتلت القبة مكانة بارزة في العمارة الإسلامية، فاستخدمت في المساجد والأضرحة والمدارس والأسواق والحمامات. وتعد قبة الصخرة في القدس من أقدم المباني الإسلامية القائمة، وتتميز بقاعدتها المثمنة وقبتها المذهبة وزخارفها الفسيفسائية الغنية، وقد غدت رمزاً للمدينة وللهوية الإسلامية والعربية فيها.
القبة الخضراء في المدينة المنورة
تعلو القبة الخضراء الحجرة النبوية في المسجد النبوي، وقد مرت بمراحل عدة من البناء والتجديد عبر العصور المملوكية والعثمانية، وتغير لونها أكثر من مرة قبل أن تستقر على اللون الأخضر الذي عرفت به في العهد العثماني، وأصبحت من أشهر المعالم في العالم الإسلامي.
عبقرية المعمار سنان
بلغ فن القباب في العمارة العثمانية ذروته على يد المعمار سنان، الذي شيد مساجد كثيرة أشهرها مسجد السليمانية في إسطنبول ومسجد السليمية في أدرنة، وقد سعى في أعماله إلى رفع قبب واسعة تغطي فضاء الصلاة بأقل قدر من الأعمدة الداخلية، مع توزيع الأحمال على أنصاف قباب ودعامات متدرجة.
القباب في العمارة المغولية
جمعت العمارة المغولية في الهند بين التقاليد الفارسية والمحلية، وأنتجت قبباً بصلية الشكل ترتفع على رقاب أسطوانية، وأشهرها قبة تاج محل البيضاء التي تحيط بها أربع مآذن نحيلة، وتنعكس صورتها في القنوات المائية الممتدة في حدائقها.
قباب عصر النهضة الأوروبية
شكلت قبة كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيوري في فلورنسا تحدياً هندسياً كبيراً، وقد نجح المعماري فيليبو برونليسكي في إنجازها دون الاعتماد على هيكل خشبي ضخم لدعمها أثناء البناء، مستخدماً قبة مزدوجة الجدار وأسلوباً خاصاً في رص الطوب يجعل الحلقات تثبت نفسها تدريجياً. وألهمت هذه التجربة معماريين لاحقين، منهم مايكل أنجلو الذي صمم قبة كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، وكريستوفر رين الذي صمم كاتدرائية القديس بولس في لندن بعد حريق لندن الكبير في القرن السابع عشر.
القباب الحديثة
أتاحت المواد الحديثة كالفولاذ والزجاج والخرسانة المسلحة أشكالاً جديدة من القباب، منها القباب الجيوديسية التي اشتهر بها المهندس الأمريكي بكمنستر فولر، وتتكون من شبكة من المثلثات الخفيفة التي توزع الأحمال بكفاءة عالية، وعلى هذا المبدأ صممت القباب الضخمة في مشروع إيدن البريطاني. ومن أمثلة القباب المعاصرة أيضاً القبة الزجاجية فوق مبنى الرايخستاغ في برلين، التي صممها المعماري البريطاني نورمان فوستر، ويستطيع الزوار الصعود في ممر حلزوني داخلها ومشاهدة قاعة البرلمان من الأعلى، في دلالة رمزية على الشفافية.
أنواع القباب وأشكالها
- القبة نصف الكروية: أبسط الأشكال وأقدمها، كما في البانثيون.
- القبة المدببة: ترتفع قمتها على هيئة رأس، وهي شائعة في العمارة الإسلامية والقوطية.
- القبة البصلية: تنتفخ ثم تضيق نحو القمة، وتشتهر بها العمارة المغولية والروسية.
- القبة المضلعة: تقوم على أضلاع بارزة تقسم سطحها إلى أجزاء.
- القبة المزدوجة: تتكون من قشرتين داخلية وخارجية، فتبدو من الخارج شاهقة ومن الداخل متناسبة مع الفضاء.
- القبة الجيوديسية: شبكة مثلثات خفيفة الوزن تستخدم في المنشآت الحديثة.
المواد المستخدمة عبر العصور
بنيت القباب من الطين المجفف والحجر والطوب المحروق والخرسانة الرومانية، ثم استخدم الخشب المغطى بالرصاص أو النحاس في القباب الخارجية، وفي العصر الحديث الفولاذ والزجاج والمواد المركبة. وكثيراً ما تغطى القباب ببلاطات خزفية ملونة كما في مساجد أصفهان وسمرقند، أو بالذهب كما في قبة الصخرة.
رمزية القبة
ترمز القبة في ثقافات كثيرة إلى قبة السماء، ولذلك ارتبطت بالمباني الدينية والأضرحة، كما استخدمتها الدول الحديثة في مباني البرلمانات والقصور رمزاً للسلطة والوحدة الوطنية. ومن الناحية الوظيفية تساعد القبة على تحسين التهوية وتوزيع الصوت في القاعات الكبيرة، وتسمح بفضاء داخلي واسع دون أعمدة كثيرة.
كيف تحمل القبة وزنها
تكمن عبقرية القبة في طريقة توزيعها للأحمال، فهي تنقل وزنها إلى الأسفل وإلى الخارج على امتداد سطحها المنحني، بحيث تعمل معظم أجزائها تحت قوى الضغط التي تتحملها مواد البناء التقليدية كالحجر والطوب جيداً. غير أن القاعدة تتعرض لقوى دافعة نحو الخارج قد تؤدي إلى تشقق القبة أو انهيارها، ولذلك لجأ المعماريون إلى حلول متعددة، منها تثخين الجدران عند القاعدة، وإضافة أنصاف القباب والدعامات حولها، وربط القاعدة بحلقات حديدية أو سلاسل تمنع تمددها، كما فعل بعض بناة القباب الأوروبية الكبرى.
الرقبة والنوافذ
كثيراً ما ترفع القبة فوق رقبة أسطوانية أو مضلعة تحيط بها النوافذ، فتزيد ارتفاعها وتسمح بدخول الضوء الطبيعي الذي ينساب إلى الداخل ويمنح الفضاء إحساساً بالرحابة والسمو، وهي سمة واضحة في كثير من المساجد والكنائس التاريخية.
أسئلة شائعة
ما أقدم قبة لا تزال قائمة؟
يذكر المؤرخون عدداً من القباب القديمة القائمة، ويعد البانثيون الروماني من أشهر الأمثلة على قبة قديمة ظلت تستخدم دون انقطاع تقريباً منذ إنشائها.
لماذا تبدو قبة تاج محل كبيرة من الخارج؟
لأنها تعتمد على مبدأ القبة المزدوجة، فالقشرة الخارجية ترتفع كثيراً فوق القشرة الداخلية لتمنح المبنى هيبة من بعيد، مع الحفاظ على تناسب الفضاء الداخلي.
ما الفرق بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى؟
قبة الصخرة مبنى مثمن ذو قبة ذهبية يقع في ساحة الحرم، أما المسجد القبلي فهو المصلى ذو القبة الرصاصية في الجهة الجنوبية، وكلاهما جزء من المسجد الأقصى بمفهومه الشامل.
خلاصة
تروي القباب الشهيرة قصة تطور الإبداع الإنساني في العمارة، من البانثيون وآيا صوفيا إلى قبة الصخرة وتاج محل وفلورنسا، وصولاً إلى القباب الزجاجية والجيوديسية الحديثة. وهي تجمع بين الحلول الهندسية الذكية والجمال الفني والرمزية العميقة، لتبقى من أبرز معالم المدن عبر التاريخ.
